عاشت اسبانيا خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة ما يشبه الحرب الاهلية, ولكن لحسن الحظ على الورق فقط, ولم يصل الامر إلى حد استعمال السلاح كما حدث في عصور ماضية في تاريخ هذا البلد, الذي يكاد يكون الوحيد الذي استبدل الحرب العالمية الثانية بحرب اهلية , ولكن تلك الحرب الاهلية كان دمارها يفوق الدمار الذي الحقته الحرب العالمية الثانية بمختلف الدول الاوروبية. تلك الحرب التي نتحدث عنها الان, كانت ولاتزال قائمة بين الحزبين الرئيسيين في البلاد, الحزب الشعبي الذي وصل إلى السلطة لأول مرة قبل عامين فقط ولكن بأغلبية ضعيفة تجعله رهينة لبعض الاحزاب الصغيرة ذات الوجود الاقليمي, مثل الحزب المحلي القطالوني, والحزب المحلي الباسكي ايضا, لتوفير اغلبية ضئيلة, تمكن الحزب الشعبي من الجلوس على كرسي الحكم في هدوء في مواجهة العواصف التي يثيرها في وجهه الحزب الاشتراكي, الذي يجلس على كراسي المعارضة, ولكن ثقله في الشارع السياسي لا يقل عن ثقل الحزب الحاكم. على الطرف الاخر من تلك الحرب يقف الحزب الاشتراكي, الذي كان ولايزال يعتبر اكبر الاحزاب الشعبية, واكثر الاحزاب التي حكمت بأغلبية مطلقة في تاريخ الديمقراطية الاسبانية, التي لا يتعدى عمرها العشرين عاما, فقد حكم الحزب الاشتراكي البلاد ما يزيد قليلا عن الثلاثة عشر عاما, منها حوالي عشر سنوات حكم خلالها من موقع الاغلبية المطلقة, التي يفتقد اليها الحزب الشعبي الحاكم الان. كانت المعركة غريبة في موضوعها, وموقف طرفيها اكثر غرابة, لكن الهدف منها كان واضحا تماما, رغم ان احدا لم يتحدث مطلقا بوضوح عن هذا الهدف. الحزبان يتقاتلان في ساحة القضاء لاستصدار حكم معين, الحزب الشعبي يقاتل لاستصدار حكم بادانة اول وزير داخلية في تاريخ الحكومات الاشتراكية المتوالية, وحكم الادانة هذا يعرف الجميع ان صدوره يمكن تفسيره على انه لصالح منظمة ايتا الانفصالية, رغم ان الحزب الشعبي كان ولايزال هدف هذه المنظمة, منذ ان صعد الحزب الشعبي إلى الحكم قبل عامين, ورجاله يعتبرون الهدف الاول لتلك المنظمة, باعتبارهم ابناء الايدلوجية اليمينية التي كان يعتنقها الجنرال فرانكو الذي حكم البلاد على اثر هزيمة الجمهوريين في الحرب الاهلية (1936 ـ 1939) ليظل جاثما على صدر البلاد حوالي اربعين عاما, مارس فيها القمع ضد الجميع, وضحايا منظمة ايتا الذين تم اعدامهم خلال تلك الفترة يفوق كل ضحايا بلاد الباسك طوال نضالهم من اجل الحصول على حكم ذاتي أو الاستقلال, طبقا لرؤية كل فرقة من الفرق الاقليمية التي تضمها منظمة ايتا. فقد قامت المنظمة بقتل ثلاثة من ممثلي هذا الحزب في الحكومات المحلية بمنطقة بلاد الباسك خلال عام واحد, وبثت الرعب في قلوب من تبقى منهم, فغادروا مقاعدهم البرلمانية, وهجروا منازلهم إلى حيث لا يعلم احد, ولم يعد يجد الحزب من يمثله في المقاعد الخالية التي تركها هؤلاء بعد فرارهم من رعب المنظمة. هدف الحزب الشعبي بالطبع الحصول على حكم ادانة ضد الوزير الاشتراكي السابق, ومد ظلال ذلك الحكم على الزعيم الاشتراكي ورئيس الوزراء السابق فيليبي جونثالث, وادانة كل فترة الحكم الاشتراكي, باعتبارها الفترة التي شهدت ـ رغم اخطاء الحكومات الاشتراكية المتوالية ــ توعية كاملة بالتاريخ القريب. اضافة إلى ان رئيس الوزراء السابق فيليبي جونثالث لايزال يقف حجر عثرة في طريق رئيس الوزراء الحالي, ويفرض عليه ان يعيش في ظل مقارنة مستمرة بين الشخصيتين, يفوز فيها فيليبي جونثالث دائما, رغم انه تخلى عن زعامة حزبه ورضي بمقعد عادي في البرلمان. بينما الحزب الاشتراكي يقاتل على ساحة الاعلام والقضاء لمنع الحكم على وزيره السابق, حتى لا يمكن تفسير حكم الادانة على انه ادانة لكل الحقبة الاشتراكية, ويدافع بالطبع عن تاريخه القريب الذي حمل البلاد إلى عضوية الاتحاد الاوروبي, ورفع من مستواها المعيشي لتكون على مستوى الامم الاوروبية الاخرى. لكن شيئا في موقف الحزب الاشتراكي غير مفهوم للعامة, فالجريمة التي يحاكم القضاء فيها الوزير الاشتراكي السابق تبدو غامضة, والاحداث التي ادت إلى الكشف عنها اكثر غموضا, وأي ادانة يمكن ان تنطبق على مرتكبيها من رجال البوليس الذي قاموا بتلك العمليات الاجرامية, من وراء ظهر المسؤولين. الجريمة هي توجيه الاتهام إلى الوزير السابق بأنه كون جماعة ارهابية لخطف وقتل اعضاء منظمة ايتا الانفصالية, الذين كانوا يعيشون في امان يوفره لهم سكان منطقة الباسك الفرنسية, وابرز تلك الجرائم خطف مواطن فرنسي له علاقة عمل باحدى الشركات التي كانت تستخدمها المنظمة كتغطية لنشاطها في جنوب فرنسا حتى وقت قريب, وهو ما يعرف بـ (قضية ماريي) . الشواهد تؤكد انه اذا كانت هناك جماعة من هذا النوع فانها تعود إلى فترة الحكومات السابقة التي تولت الحكم في الفترة التي حكم فيها الجنرال فرانكو, وحتى الحكومات اليمينية التي تولت بعد قيام الديمقراطية منذ عام 1977 وعام 1982 الذي وصل فيه الاشتراكيون إلى الحكم, أو ان هذه الجماعة المنظمة لمكافحة منظمة ايتا تم انشاؤها في الماضي, واستمر عملها خلال الحكومة الاشتراكية الاولى كنوع من الانتقام من الحزب الحاكم, نظرا لانتماء كل قيادات وزارة الداخلية إلى الفترة السابقة, لذلك حاول هؤلاء ان يظل الامر سرا في السراديب التحتية حتى لا يعلم الوزير عنها شيئا. واي قضاء عادل يمكنه ان يمد فترة الادانة على وزراء الداخلية السابقين والذين ينتمون إلى تلك الفترة, وكان آخرهم وزير داخلية سابق يحتل منصبا هاما في الحزب الشعبي اليميني الحالي, أي ان الادانة يمكن ان تمتد إلى هذا الحزب الذي يقاتل ليل نهار من اجل ادانة الوزير الاشتراكي في تلك القضية. ورغم عنف الحملة التي يشنها الحزب الشعبي الحاكم من خلال عدد من وسائل الاعلام المواليه له, اضافة إلى استخدام وسائل الاعلام الرسمية التي ينتمي المسؤولون عنها إلى حزب الحكومة, فان الحزب الاشتراكي لم يحاول مطلقا ان يكشف عن اوراق غائبة في هذه القضية, ولم يتم الاشارة إليها الا في تصريح قصير ادلى به رئيس الوزراء الاشتراكي السابق فيليبي جونثالث, طالب فيه الحكومة الحالية ان تفرج عن اوراق سرية لجهاز المخابرات, لمعرفة المسؤول عن انشاء تلك الجماعة التي كانت تتعقب اعضاء منظمة ايتا بتطبيق نظرية (الارهاب لا يفله الا الارهاب) . صدر الحكم بادانة الوزير ورئيس جهاز امنه, ورغم ذلك لا يزال الحزب الاشتراكي يقاتل بشراسة في مواجهة حزب الحكومة, ولكنه يرفض الكشف عن اوراقه, ويرى المراقبون ان الامر اخطر من انقاذ وزير سابق من السجن, لان الكشف عن تلك الاوراق السرية ربما يعرض امن الدولة للخطر, ورئيس الوزراء السابق فيليبي جونثالث يعي هذا تماما, ولكن رئيس الوزراء الحالي لا يلتفت إلى هذا, ويترك الامر لنائبه الاول. رغم سعادة الحزب اليميني الحاكم بصدور الحكم بادانة وزير الداخلية الاشتراكي السابق, فان الامور تتطور بسرعة, ولا يبدو ان اياً من الجانبين على استعداد للتسليم في هذه المعركة, واذا لم يتم تحكيم العقل في هذه المعركة الحزبية, لانهاء هذا النزاع السياسي فان الديمقراطية الاسبانية في خطر, وإلى أن يعي المسؤولون في كلا الحزبين هذا الخطر, فان تلك الديمقراطية سوف تظل على حافة الهاوية. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا