كنت واحداً من شهود البدايات الصعبة, ولهذا اعرف جيدا حجم الانجاز الذي تم والبناء الذي اقيم.عاصرت لحظات الميلاد بكل آلامه, ورأيت كيف قاد الرجل شعبه بحكمة وصبر, في اصعب الظروف وامام اعتى التحديات . ولم تكن المهمة سهلة, ولم يكن الطريق ممهدا, ولم تكن الظروف الداخلية والخارجية مما يساعد على النجاح بأي حال من الاحوال. في الداخل... كانت التركة مثقلة, سنوات الاستعمار الطويلة لم تترك وراءها شيئا به قيمة, ومقومات الدولة غائبة, والكوادر المؤهلة لا وجود لها, والحدود موضوعة لتكون سدودا بين ابناء الشعب الواحد. وعلى المستوى العربي... كانت الامة في اسوأ حالاتها, تلملم جراح الهزيمة المرة في 67, وتفعل المستحيل لتبني جيش الثأر, وتخوض حروب الصمود والتصدي ثم الاستنزاف لكي تصل الى العبور العظيم. وعلى المستوى الاقليمي والدولي... كان الكل يراهن على موت العرب, وكانت الاطماع تتسع في نهب الثروة العربية واستباحة الارض واهدار الكرامة, واستغلال لحظة الانكسار والتراجع لجعلها لحظة الهزيمة النهائية والحاسمة. وفي ظل هذه الظروف تحمل زايد المسؤولية, وقاد المسيرة, وانجز مع شعب الامارات ما كان ضربا من الاحلام المستحيلة. الآباء الذين عاشوا هذه المرحلة يعرفون معنى ما اقول, ولعلهم يحرصون على ان يرددوا للأبناء كيف تحقق الحلم, وكيف قامت الدولة من نقطة الصفر, وما الذي فعله زايد ورفاقه في المسيرة. ولقد كان من اعظم ما في هذه التجربة, ان زايد قد اختار منذ البداية الطريق الصعب, وراهن على المستقبل, ولم يدع مشاكل الماضي تقيد حركته, ولم يترك الحاضر يستأثر بكل الجهود. وكان الرهان على المستقبل يعني المزيد من الجهد والتضحيات, ولكنه كان يعني ايضا الثقة في الله, وفي النفس, وفي قدرة ابناء الوطن على قهر التحديات. وهكذا... كانت الجهود تبذل لاقامة مؤسسات الدولة وبناء اجهزتها, وكان ذلك عملا هائلا بكل المقاييس. ومع ذلك, وفي عز معركة البناء, قرر زايد ان يخوض معركة المستقبل, واعلن ان بناء المواطن هو المعركة الصعبة, وان الشباب هم الذين يقررون كيف يكون المستقبل. ولعل معركة التعليم بالذات تصلح عنواناً لهذا الرهان على المستقبل, ولقد خاض زايد هذه المعركة بضراوة, وليس فقط بوضع كل امكانيات الدولة الوليدة في خدمة التعليم, وانما بأن وضع نفسه ــ قبل كل شيء ــ في خدمة هذا الهدف النبيل. وعندما تكتب تفاصيل الجهود النبيلة التي قام بها لفتح ابواب التعليم امام الشباب بعامة, وامام الفتيات بوجه خاص, فسوف نجد انفسنا امام صفحة رائعة من تاريخ رجل آمن بالتقدم وراهن على المستقبل. الرهان الصعب الثاني لزايد كان رهانه على عروبته. وقيمة هذا الرهان انه تم في زمن الهزيمة والانكسار, وانه صمد للعواصف والاعاصير, ولم يخضع للضغوط او التهديدات. وفي الوقت الذي كان البعض يتنكر لعروبته, كان زايد في اول الصفوف واضعا امكانيات الامارات في خدمة القضايا العربية, وباذلاً الجهد لرأب الصدع, وداعيا لتجاوز الخلافات. وفي الوقت الذي كان البعض (يهرول) والبعض يساوم, والبعض يعلن ان العروبة خرافة... كان زايد واحدا من الاصوات التي تحذر وتنبه للخطر وتجدد التمسك بعروبتها فعلا وقولا... و... عندما ازور الامارات الآن بين الحين والآخر, واشاهد حجم الانجاز في كل المجالات اعرف ان الرجل قد كسب الرهان على المستقبل. وعندما اتابع كيف يستقبل الناس في مصر ــ على سبيل المثال ــ زايد بمشاعر المحبة التي لم يتعودوا ان يعطوها مجانا... اعرف ان الرجل قد كسب الرهان على عروبته. و... ما اجمل الفوز في المعارك الصعبة, وما اجمل ان تعرف في النهاية انك كنت على صواب حين وقفت مع الاحلام... التي كانت مستحيلة! * نائب رئيس تحرير اخبار اليوم