أحسب من بعيد, وبخاصة من لبنان البعيد ــ القريب من الامارات العربية المتحدة, ان رئيس دولة الامارات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان هو آخر من يهتم بالذكرى التي يحتفل بها في هذه الايام شعب هذه الارض الطيبة ويحتفل بها معه مئات الالاف من الضيوف المقيمين من الدول العربية وغير العربية فهذا الرجل, من واقع الانباء التي تسرد عنه على امتداد الوطن العربي ومن خلال الكتابات التي تكتب عنه وتعمد الى تسجيل مواقفه وسياساته والقاء الضوء على معدنه الخلقي واسلوب حياته, اقل الناس اهتماما بذكرى عيد جلوسه فضلا عن كل ما يتصل به شخصيا وبأفراد عائلته. واحسب من بعيد ايضا, ان عناية الرجل بالتاريخ تاريخه كمواطن اماراتي وضعته القدرة الالهية على رأس الدولة في هذه المرحلة, وبتاريخ بلاده الذي نجح ايما نجاح وبكل المقاييس في توحيد اجزائها المقسمة بعد فترة طويلة من الحكم الاستعماري للبلد وللمنطقة كلها, انما تتركز على المستقبل المشرق حتما لهذه البلاد وللدولة وللشعب (برغم التحديات الراهنة والمتوقعة) بأكثر مما تنظر الى ماضي هذه الدولة بسلبياته والآمه ومعاناته, فالامس في ذهن الشيخ زايد, ومرة اخرى اعتمادا على ما تردد الاخبار وتتحدث عنه الكتابات, هو الدرس ــ العبرة وليس اي شيء آخر. اما هدفه فهو العمل على الاستفادة من هذا الماضي ولكن في المعركة المستمرة والمتصاعدة دائما لبناء الغد وليس مجرد الوقوف على الاطلال, وقليلون هم القادة خصوصا في العالم الثالث بما في ذلك الوطن العربي,الذين لا يعتنون بأعيادهم ولا باشخاصهم فضلا عن تركيز عيونهم على المستقبل.. وعلى المستقبل وحده. ذلك ان الرجل الذي سقى الصحراء من عرقه ودموعه فحولها الى واحة خضراء, واعطى مياه الخليج وموجه من حلاوة احلامه وآماله فجعل منها ماء قراحا صالحا للشرب, وصبغ النفط الداكن بألوان قوس قزج المقيم في داخله وبأشعة شمس الخليج التي لاتغيب من حوله فجعل من آباره وانابيبه مهرجان الوان دائما على حدود كثبان الرمل المترامية الاطراف. هذا الرجل الذي انجز ذلك كله وعلى امتداد سنوات طويلة, من دون ان يغيب عن ذهنه ولو للحظة واحدة انه ذلك البدوي العربي المزروع بثبات في تربة الامارات والابن الوفي لارضها وتقاليدها وتراثها, لا يعطي اي مؤشر بعد الى انه كل, أو انه سيكل, عن العمل الدؤوب والجاد من اجل استكمال بناء الحاضر الذي حلم به في الماضي والتأسيس المتين للمستقبل الذي لا يزال يحلم حتى الان في صياغته. هل يحتاج ابن دولة الامارات العربية المتحدة, ابن ابوظبي أو ابن دبي أو ابن الشارقة او ابن عجمان أو أم القيوين او رأس الخيمة, الى مواطن عربي مثلي من خارج دولة الامارات ليحدثه عن مواطن الاعتزاز التي اشاد صاحب السمو الشيخ زايد وصحبه في الامارات بنيانها والتي تشهد يوميا على ذلك؟! اليس مشروع الاسكان الشامل الذي اصدره الشيخ زايد اخيرا وبدىء بتنفيذه فعلا يكفي ليقول الكثير عن مواطن الاعتزاز هذه؟! مرة اخرى احسب ان هذا المواطن لن يحتاج بالطبع, تماما كما لن يحتاج الشيخ زايد شخصيا, للخوض في مثل هذه المغامرة.. مغامرة الكلام المعاد عما قيل ويقال في كل مكان, ومغامرة ترديد ماهو معروف للقاصي والداني. لن يحتاج هذا المواطن لانه يعلم اكثر مما يعرف غيره, ولن يحتاج زايد بالذات للخاصية الاساسية التي يتمتع بها كانسان لا ينظر الى داخله بل فقط الى المجتمع من حوله, ولما عرف عنه من زهد خالص في كل ما يتعلق به كشخص او ما يتعلق بالانجازات الواسعة التي حققها سواء في مجالات الاعمار والبناء والتنمية, او في حقول الاقتصاد والزراعة والثقافة والتربية والتعليم, او حتى في اطار بناء القوة المسلحة لصيانة الامن وضمان الدفاع عن الحدود, او اخيرا في استثمار الثروة التي حباه بها الله في كل ماهو منتج لاقتصاد البلد عموما وماهو نافع لرفاهية وتقدم المواطن الاماراتي بوجه خاص. الوحيد الذي ربما يحتاج الى ازالة الغبار عما في داخل ذاكرته, وازالته على طريق السعي للمعرفة والعلم فقط, هو المواطن العربي المقيم خارج دولة الامارات العربية المتحدة, والمواطن العربي مثلي خاصة, ولو ادى ذلك عرضا وبصورة غير مباشرة (لان الهدف يبقى عدم نظم قصيدة مدح كما هي عادة البعض) الى اظهار الرجل في صورته وثوبه الحقيقيين: صورة وثوب ذلك القومي العربي النقي الى ابعد الحدود التي قد يتصورها عقل, وصورة وثوب المناضل بفكره وماله واصالته وتدينه, في زمن تراجعت فيه (وبشكل شبه كامل!!) حتى ما يمكن تسميتها بــ (مقولات) الايام الماضية عن العروبة والوحدة العربية والقومية العربية. ماذا في الذاكرة؟! قضيتان اساسيتان لا يستطيع انسان, هنا أو هناك أو هنالك, تجاهلهما او اغفال الحديث عنهما كلما وردت امام عينيه كلمات مثل الامة أو العروبة او الوحدة العربية. اولاهما هي قضية وحدة الامارات نفسها ونشوء دولة الامارات العربية المتحدة, تلك الوحدة المستمرة بقوة وبثبات منذ سنوات برغم كل العواصف الصناعية, وبعضها عواصف بالغة العتو, التي هبت عليها من الداخل والخارج بهدف ضربها وهز الاعمدة التي قامت عليها. ومن دون زايد الشخص الزاهد بالدنيا وامجادها, وزايد السياسي الذي اعطى الاتحاد من دمه وعرقه بأقصى ما في قدرة انسان ان يعطي, ما كان لدولة الامارات ان تستمر... وان تستمر تتقدم يوما بعد يوم. ذلك انه من بين الوحدات العربية التي اعلنت في العصر الحديث, من وحدة مصر وسوريا الى الوحدة المصرية ــ السورية ــ العراقية الى الوحدة المصرية ــ السورية الليبية الى الاتحاد المصري ـ الليبي ــ السوداني لم تقف ثابته امام العواصف والانواء سوى الوحدة التي رعاها زايد واعطاها كل مقومات الرسوخ في دولة الامارات العربية المتحدة, وصحيح ان صحبه في الامارات وقفوا الى جانبه وقووا عضده, الا انهم هم انفسهم يجمعون على ريادته هو ودوره هو في هذا المجال القضية الثانية, والتي يعرفها اللبنانيون اكثر من غيرهم من العرب, هي المتصلة بمشاعر زايد الصادقة والصافية تجاه قضايا العرب الوطنية والقومية واستعداده الدائم للبذل بالمبادرة السياسية والمعونة المادية والوساطة الاخوية لاصلاح ذات البين حين الشدائد. وفي سجلات الحرب اللبنانية الاليمة على مدى سبعة عشر عاما ويزيد, اكثر من مبادرة شخصية لرئيس دولة الامارات بين الاطراف اللبنانية المتقاتلة وبينها وبين التنظيمات الفلسطينية وبينها جميعا وبين الاطراف العربية الاخرى فضلا عن المساعدات المالية لضحايا الحرب والمساهمات السخية في اعادة بناء ما دمرته هذه الحرب بعد الاتفاق على وضع حد لها في مدينة الطائف. ويظلم اللبناني التاريخ, تماما ما يظلم الاماراتي هذا التاريخ, لو انه غاب عن ذهنه الدور الذي قام به زايد حتى في التحضير لاجتماع الطائف وللاتفاق الذي توج هذا الاجتماع. ولاحياء الذاكرة فقط كان الحديث عن القضيتين هاتين, وفقط ايضا من اجل الانصاف: انصاف التاريخ الذي يتواصل غير آبه حتى بمن يتعمد فقد ذاكرته, وانصاف الشخص الذي لا يهمه سوى ان يرضي ضميره الوطني ودينه وانسانيته من دون أي شيء آخر.