تجسد قيادة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان نموذجا فريدا في أصول الزعامة والقيادة العربية, فهي تحيي بسماتها المغرقة في الاصالة والارتباط بتقاليد عربية راسخة قيما تلخص وتحفظ وجودنا العربي ضد التغريب والعولمة . فأول ما يلفت النظر الى سمات قيادة زايد (حدسه) التاريخي وقدرته الفائقة على استشراف المستقبل, وتمتعه بقدرة استثنائية على تجاوز الواقع الراهن وتخطي صعابه وقهر معوقاته, دونما مبالغة في تقدير القدرات المتاحة, أو تهوين من دور الارادة في تحقيق المحال. وأتاحت هذه السمة الفريدة تحقيق ما لم يكن ممكنا تخيله بمعيار وبحساب ومنطق حركة الواقع كما هي مرصودة, فلقد استبق صاحب السمو الشيخ زايد مبكرا بطموحه ورؤاه لمستقبل المنطقة ما استحدثه اكتشاف النفط من متغيرات. ويدرك أي متابع لتطور وسياق مسيرة النهضة التي أطلقها زايد, ان طموحه ورؤاه استبقت اكتشاف البترول, وتجاوزت قيود واقع فرضه الوجود الأوروبي فترة ما قبل الاستقلال. فهو أولا ومنذ بداية تجربته المبكرة في (العين) اتجه لتنفيذ مشروع مبتكر من إلهام (حدسه) القيادي لتنمية المنطقة والنهوض بواقعها الاقتصادي, وحقق خلال ما يعتبره علماء الاقتصاد السياسي الآن منهج (التنمية المستقلة) التي يدعو لها خيرة المفكرين والمثقفين العرب من دعاة مدرسة (الاعتماد على الذات) . ففي تلك الفترة اتجه لتنمية الموارد المتاحة لتطوير الزراعة كمصدر رئيسي للدخل, ودمج بقدرة استثنائية تجاوزت ما هو سائد ما بين دور الدولة والقطاع الخاص, بخلقه نظاما مبتكرا لتعاونيات ملكية آبار المياه بوصفها العنصر الرئيسي للتنمية الزراعية. ومدفوعا بوعي وخبرة تاريخية وحكمة موروثة ومكتسبة.. بدأ حلمه الوحدوي مبكرا, ونجح في تأسيس دولة اتحادية تحقق مضمون الوحدة وتحفظ للجزء تميزه في توازن واقعي, أبقى التجربة حية, وحافظ على زخمها, وجعلها تعمل في زمن تراجع المد القومي العربي. وفي زمن الشتات والخلاف ظل زايد مدفوعا بحلمه الوحدوي داعية لا يتوقف لحظة عن توجيه نداءاته للم الشمل العربي واستعادة التضامن, منتصرا للمصالحة على الشقاق, وللوحدة على الاقليمية. وبلغته السهلة الممتنعة التي تستقي مفرداتها من مكنون امتنا العربية شخص زايد حال الأمة معتبرا انه لا صلاح لها ولا أمل في استعادة مجدها طالما ظل أحد اقطارها محاصرا أو ضعيفا, فهي كالجسد لاصلاح لأمره طالما ظل أحد أعضائه مريضا. وظل خطاب صاحب السمو الشيخ زايد الوحدوي موصولا بتراث أمتنا, فتوحدت لديه نهضة العروبة برسالة الاسلام, وتخطى ما افتعله الكثيرون من عداء بين قوميتنا ورسالتنا الحضارية الاسلامية.