تحتفل دولة الامارات العربية المتحدة اليوم بمناسبة وطنية جليلة, هي الذكرى الثالثة والثلاثون لتولي رجل التاريخ, صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات مقاليد الحكم في إمارة ابوظبي, بعد ان بايعته الامارة في السادس من اغسطس عام1966,معلنة بذلك ولوجها مرحلة جديدة من الاصلاح والتقدم والنهوض بعد فترة طويلة من الركود والاهمال والفوضى. ومنذ ان تولى الشيخ زايد الحكم في الامارة وهو يكرس وقته وجهده وعرقه لرفع شأن ابناء بلاده وعزيمتهم وكرامتهم ورفاهيتهم. وقد تأثر الشيخ زايد بحياة الصحراء وشحة المياه فيها منذ كان صبيا في بداية عهده, ثم عندما اصبح حاكما لمنطقة العين, مما جعله يعطي اهتماما خاصا لحل مشكلة استصلاح الاراضي الزراعية, وبناء الأفلاج والسدود لتوفير المياه وحسن تصريفها باعتبار ان الماء هو اساس الحياة وخاصة في المناطق الصحراوية التي يعتبر فيها الماء أغلى ما في الوجود, فتحولت الصحاري القاحلة والرمال الساخنة الى واحات خضراء, وجنات وارفات. ومع ظهور النفط انقلب الحال الى الاحسن, ذلك ان الشيخ زايد قد حدد فلسفتة الرائعة فقال (لا فائدة للمال اذا لم يسخر لصالح الشعب) . وقد آمن أشد الايمان بأن النفط هو هبة من الله تعالى لهذا الشعب الذي عاش في الماضي. وجد على شظف الحياة وقسوة العيش, ولذلك أمر بتخصيص كل عوائدة للرقي بإنسان الامارات من خلال تحسين ظروف معيشته, وتعليمه, وتأمين حاجاته الصحية والغذائية, وتوفير المسكن اللائق به. وبهذه المناسبة الجليلة وددت ان اسجل بكل فخر واعتزاز وتقدير إعجابي وحبي لهذا الانسان ورجل الدولة من الطراز الاول والذي يستوقفك شىء ما في ملامح وجهة البهي يذكرك برجالات العرب في أزهى عصورهم الذهبية. وماذا عساني ان اقول عن الرجل الذي استطاع ان يحفر المحبة في قلب كل اماراتي, بل كل عربي, وذلك من خلال اسلوبة المتواضع وشخصيته الأبوية والجلوس مع مواطنيه ومشاركتهم الكاملة في معيشتهم وفي بساطتهم كرجل ديمقراطي لا يعرف الغطرسة أو التكبر, ومن خلال خدماته الجليلة التي كانت اساسا في نهضتنا و عمراننا, ومسيرتنا الحضارية الخيرة. وماذا يمكنني ان أخص او اذكر من انجازاته اكثر مما قاله المؤرخون والكتاب ومن عرفوه عن كثب, وخبروا أعماله عن قرب, وعاصروا منجزاته العظيمة, ومواقفه الشجاعة, وارائه الصائبة في مختلف شئون الحكم التي يراها أمانة في عنقه. فالإنجازات والمكاسب كثيرة يعجز ان يحصيها القلم أو يعددها لسان في مقالة أو حتى كتاب. فهذا الشيخ البدوي الذي صقلته حياة الصحراء وجعلته فارسا من فرسانها الشجعان جمع في شخصيته بين أخلاقيات البدو وصلابتهم وقوة الصياد واحساس الشاعر وثقافة الاديب ورؤية الفيلسوف. الاصالة والمعاصرة وهو في الوقت الذي يشجع ويعمل من اجل الاخذ بأسباب الدولة العصرية الحديثة في مختلف مظاهرها, ومراحل نموها , وتطورها, ومعاصرتها لهذا العالم المتقد, فإنة في الوقت نفسة يصر على ترسيخ دعائم الحياة العربية الاسلامية المحافظة في العادات والتقاليد السمحة التي لا تتعارض مع منطلقات الحضارة الحديثة, وتيار المدنية الاخذ في الانتشار والاتساع في كل مرافق الدولة. ويقول الكثيرون ممن عرفوا الشيخ زايد عن قرب, انه يمارس سياسة الشدة في موقعها, وسياسة اللين في موقعها, فهو يؤمن بضرورة ترافق اللين مع الحزم, والحنان مع القوة, والعقل مع العاطفة, والتصميم والارادة مع التطبيق والتنفيذ. ولقد تأثر الشيخ زايد كثيرا بشخصية الرسول الكريم, (ص) فلعبت دورا بارزا في حياته, وأثرت تأثيرا عميقا في شخصيته, فتركت بصماتها الواضحة على طبيعة تفكيره وأنماط سلوكة. كما عشق القائد السياسة النابعة من المبادىء العربية الأصيلة والتقاليد الاسلامية السمحة الذي كان مجدها العظيم في عهد الخلفاء الراشدين عهد الشورى والفتوحات الاسلامية الجبارة. رجل الوحدة وتعدى الشيخ زايد بطموحاته وعمق رؤيته حدود إمارته, فكان اول من نادى بالاتحاد في منطقة الخليج العربي, وقد بدأ مشاريع الوحدة بعد ان اعلنت بريطانيا في يناير 1968 عزمها على الانسحاب العسكري من الخليج في نهاية 1971, فتحرك وخطط حتى أعلن تأسيس وانشاء دولة الامارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971, حيث انتخب رئيسا للدولة. وهكذا تحققت طموحات الشيخ زايد, وأصبح حلمه واقعا ملموسا, وهو أمر لا يمكن ان يقدم عليه الا العظماء من الناس, الذين لا يتكررون بسهولة. فإنشاء دولة وبناء نظام تحتاج الى ارادة وعزيمة لا يملكها إلا نوع خاص من البشر, وكان زايد من ذلك النوع. رجل التعاون الخليجي وأستمر الشيخ زايد بعد ذلك في العمل على تحقيق المزيد من الانجازات, وكان يطمح الى توسيع الاتحاد او الى ايجاد صيغة جماعية للتعاون والتكامل بين دول الخليج, ليساهم بذلك في عملية تطوير المنطقة بصفة عامة, وتحقيق الخير والرفاهية لكل ابناء الخليج. ونجح زايد في هذه المهمة كما نجح من قبل في مهامه الاخرى, وتوج نجاحة في عقد مؤتمر القمة الأول لدول الخليج العربية في مدينة ابوظبي في الفترة من 25-26 مايو 1981 حيث تم فيه التصديق النهائي على النظام الاساسي لمجلس التعاون الخليجي, واعتبر يوم 25 مايو 1981م هو ميلاد المجلس رسميا, ومنعطفا تاريخيا في حياة مواطني دول الخليج العربية. رجل المواقف القومية وتعتبر المواقف القومية للشيخ زايد هي الانعكاس الحقيقي للتمركزات الاساسية التي تقوم عليها سياسة الامارات. فالشيخ زايد يمتاز بانحياز تلقائي وفطري لقضايا أمتنا العربية, وفي مقدمتها قضية فلسطين وهي حقيقة تشهد بها المواقف والوقائع وتسجلها الوثائق التاريخية بما لا يترك مجالا للشك, ويصعب على الكاتب حصر المواقف القومية الكثيرة التي يقفها الشيخ زايد من قضايا امتنا العربية, فما توقف يوما عن دعوة اخوانه العرب الى التضامن والتآزر, ووحدة الصف, ونبذ الفرقة, وسوف لن يهدأ له بال حتى يرى حلمة الكبير. هذا هو الشيخ زايد, رجل النهضة, ورجل الملمات والأزمات, ورجل القيادة الحكيمة الأمنية, قائد وفي مخلص يتمتع بسعة صدر, وسعة اطلاع, وبعد نظر, وقوة شخصية, ومشاعر انسانية فياضة, وأحاسيس وطنية وعربية صادقة, استطاع بحكمته وحنكته ودهائه ان ينشىء ويرسب دعائم تجربة حضارية فذة في منطقة الخليج العربي, وان يحول الصحراء القاحلة الى مدنا حضارية, ووحات خضراء, وصناعات متطورة, وخدمات عصرية, ورخاء يعم كل بيت, وازدهار ينمو ويتواصل في بلد حضاري له مكان الصدارة والشهرة بين مجموعة الدول العربية والعالمية. فليطيل الله في عمر زايد الخير, وليوفقه في قيادة سفينة النهضة بشراع المحبة والمودة والإيمان. * واستاذ وكاتب بحريني في جامعة البحرين