لكل أمة أعلامها وزعماؤها الذين مهما اختلفت آراؤها وتباينت أهواؤها, فإنهم يظلون فوق الشبهات وأسمى من كل الخلافات إذا كان العرب في حاضرهم قد أدمنوا الخلاف وامتهنوه حتى صار قاعدة أو كالقاعدة, فإن هناك استثناءات مضيئة تبقى ــ رغم ندرتها ــ وليلا ساطعا وبرهانا قاطعا على جوهر هذه الأمة النقي ومعدنها الأصيل أبرز هذه الاستثناءات إجماع العرب في كل أقطارهم ومواقعهم على المحبة الصادقة والتقدير العميق لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, ومن خلاله لدولة الامارات وشعبها العربي الأبي, حتى ان الكثير من العرب يحملون هذه المشاعر تجاه الامارات وهم لايعرفون عنها الا اسم رئيسها (الشيخ زايد) تردده الأفواه وتحتضنه الأفئدة. بل ان هذا الاجماع العربي النادر لايقتصر على العرب وحدهم, وإنما يشمل المسلمين في كل بقاع العالم, على اختلاف مواقعهم وتنوع أجناسهم. لكن لم كل هذا الاجماع؟ وما سر هذا السيل الجارف من المشاعر النبيلة؟ هل الصدفة وحدها هي التي صنعت هذا الموقف الذي يرقى الى حد الاعجاز في زمن لا يعرف غير الانانية هدفا والكراهية سبيلا؟ أم ان هناك اسبابا موضوعية ومواقف متميزة هي التي هيأت الارضية الصالحة وزرعت البذور لهذا الحصاد الفذ من سنابل المحبة وعناقيد التقدير؟! الاجابة لا تحتاج الى اقل بحث أو ادنى استقصاء, فهي ترسم ابتسامة على شفاه امهات الحصار في العراق, وتنطق مرحا على وجوه اطفال الحجارة في فلسطين وتنتصب شامخة في كل شبر من مقدسات الاسلام في القدس الشريف, وتنطلق دعوات من قلوب المرضى المعوزين في المغرب, وترتفع بها سواعد الفلاحين وحناجرهم في مصر, ويتقاسم بهجتها الايتام والارامل في البوسنة والهرسك, في حين يتردد صداها بين تلبية افواج الحجيج من اقاصي افريقيا وغيرها من بلاد المسلمين... والامثلة تترى في كل المواقع وعلى كل الوجوه. لكن مثالا واحدا من هذه الامثلة يكفي بعمق دلالاته وبعد مغزاه؟ ذلك ان موريتانيا التي تقع في الطرف الاقصى من الوطن العربي, هي الابعد جغرافيا عن الامارات, لكن ذلك لم يمنع ايادي زايد الخير ان تمتد اليها. ففي عام1973حين واجهت موريتانيا موجة من الجفاف اثرت على معيشة الكثير من السكان, كانت الطائرات الخاصة تقلع مع أبوظبي عاصمة الامارات لتحط في العاصمة الموريتانية نواكشوط, محملة بكل أنواع المساعدات ومتجاوزة كل الحدود الجغرافية, رغم محدودية عوائد النفط حينذاك ومرحلة التأسيس التي كانت تمر بها دولة الاتحاد في الامارات. ومع ان الموريتانيين في تلك الفترة لم يكونوا يعرفون المساعدات الخارجية, بل كانوا ينفرون منها بحكم عاداتهم وتقاليدهم البدوية التي ترفض الاعتماد على الغير أو اظهار الحاجة له, الا انهم تلقوا في هذا الموقف من الامارات بكل الترحاب والتقدير. فقد وجدوا في هذا الموقف النبيل وجها مشرقا من أوجه الأخوة التي لا تقاس بالمسافات, وإنما بالمواقف والسياسات. ولم تكن هذه هي البداية, فقد كانت العلاقات قائمة وقوية بين البلدين قبل هذا التاريخ بفضل السياسة الحكيمة وبعد النظر لصاحب السمو الشيخ زايد وتوجيهاته السديدة التي قام على تنفيذها رجال أكفاء مثل معالي احمد خليفة السويدي حين كان وزيرا لخارجية دولة الامارات. وقد توجت هذه العلاقات بالزيارة التاريخية التي قام بها صاحب السمو الشيخ زايد الى موريتانيا عام 1975, والتي وجد فيها الموريتانيون فرصة للاعتراف بالجميل ورد بعض الفضل التي كان سموه السباق اليه. لكن الموريتانيين الذين توافدوا على جمالهم من مختلف مناطق بلادهم الشاسعة, بملابسهم الزاهية ورواحلهم المطرزة, فوجئوا بأنهم لايستقبلون في شخص سموه ضيفا عزيزا وزعيما كبيرا فحسب وانما يحتضنون واحدا منهم, يتذوق اهم ابداعاتهم, ويشاركهم آخص هواياتهم. فسموه يتذوق الشعر ويتعاطاه, وهم يعتبرون الشعر فاكهة مجالسهم واهم خصوصياتهم, بل وهويتهم التي لايقبلون التنازل عنها كما ان سموه يشارك الموريتانيين هوايتهم ركوب الجمال ونظرتهم في العناية بالإبل التي منها اشتقوا اسم عاصمتهم (نوق الشط) . وهكذا استطاع سموه, بحكمته التليدة وشخصيته المتميزة, ان يزرع الخير فيحصد المحبة والوفاء ويستوطن القلوب, في موريتانيا كما في غيرها من بلاد العرب والمسلمين. ذلك مثال واحد ونموذج بسيط من مواقف صاحب السمو الشيخ زايد وآياديه البيضاء التي استطاعت ان تجمع القلوب وتوحد الأهواء, وتلك هي كلمة السر والرمز الباقي للاجماع العربي. فهنيئا لسموه في عيد جلوسه الثاني والثلاثين, وهنيئا به قائدا وزعيما لشعبه الوفي وأمته العربية والاسلامية, ولكل محبي الخير للإنسانية جمعاء.