يبقى الهاجس دائما هو الوحدة, فمنذ البداية اتجه العرب الى تحقيق وحدة بلادهم, ودخولهم العصر بكل ما فيه من مصالح وتيارات وتوجهات متضاربة, ولا أعرف منطقة من المناطق العربية إلا وطرحت مشروعا وحدويا, فالمملكة العربية السعودية حققت وحدة شبه الجزيرة العربية وظهرت وحدة الهلال الخصيب التي كانت تضم احيانا العراق, وكذلك في المغرب قبل التحرر من فرنسا كان المغاربة ينطلقون من فكرة المغرب الكبير, وفي مصر والسودان كانت هناك فكرة وحدة وادي النيل. ومن يسترجع خارطة الاحلام السياسية التي كانت سائدة في الماضي, يجد ان احلام الوحدة كانت في كل مكان, وخصوصا بعد زوال الدولة العثمانية, التي كانت تعتبر دولة اسلامية جامعة تعطي القوة والشكيمة لهذه المنطقة ككل. من يقارن بين ذلك المشهد مشهد الحلم الوحدوي, والحركات والتطلعات الوحدوية, يجد ان الخيبة كانت اكبر من أي انجاز ما خلا بعض الاماكن, اذ انه طوي الكثير من المشاريع الوحدوية. واعتقد ان المملكة العربية السعودية هي المكان الذي تحققت فيه مثل تلك الوحدات التي جرى التفكير بها, فانجاز الملك عبد العزيز الاساسي كان ان وحد الجزيرة العربية فوحد نجد والحجاز ومناطق اخرى هناك في دولة واحدة تجمع تلك الاقاليم المتوحدة جغرافيا وتاريخيا. وحقق صاحب السمو الشيخ زايد انجازا وحدوديا بإقامة دولة حديثة هي الامارات العربية المتحدة الدولة التي يحكمها المنطق الوحدوي, تربط بين فكرة الدولة والتماسك معاً. ويتسم وضع الامارات بالوضع النموذجي فهناك الحيوية الاقتصادية والنشاط التجاري والعمل الصحفي والثقافي التنويري والتلاحم الاجتماعي قائم في كل مكان في دولة الامارات. والشيخ زايد هو باني الدولة ومحقق فكرة الاتحاد ومؤسس دولة عريقة عربيا وعالميا وهي تتعاطف مع الامة العربية كلها, خاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين, كذلك مع دور مصر الخاص في البلاد العربية منذ أيام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر حتى الآن فشعب الامارات وحكامها وبخاصة الشيخ زايد واخوانه حكام الامارات يؤيدون كل ما يفيد الأمة العربية. كما ان للامارات مساهمات ووجودا بارزا في عمران وتقدم بلدان عربية كثيرة ومنها لبنان, والواقع انه فيما يتعلق بلبنان بالذات لمسنا دائما وعلى مرّ الأيام, ان الامارات كانت معنا في ايام المحنة, كما في أيام السلام. فعندما كانت في لبنان حرب كان الشيخ زايد من المتألمين لما يعانيه بلدنا وكان صاحب دعوات ونداءات ومبادرات مشهودة لطي صفحة الحرب, والانتقال الى السلام, وبناء الوحدة الوطنية والانطلاق في العمران. وكان يتدخل لدى الفلسطينيين اثناء وجودهم المسلح في لبنان, ولدى القوى اللبنانية المختلفة, من اجل ادخال روح السلام والتصافي في لبنان. وقد اعلن في اكثر من مناسبة استعداده لدعم الكثير من المبادرات التنموية. كان عند الشيخ زايد ولا يزال عطف على المناطق التي دمرتها المواجهات مع اسرائيل في الجنوب اللبناني. ولقد التقيت بصاحب السمو الشيخ زايد عندما كنت في أبوظبي مع وفد لبناني في عهد الرئيس اللبناني الراحل سليمان فرنجية, وكان يرأس الوفد رئيس الحكومة آنذاك الرئيس تقي الدين الصلح, وكان ضمن الوفد فؤاد نفاع وقد قابلنا صاحب السمو الشيخ زايد ولمسنا منه استعدادا كبيرا من قبله للأخذ بيد لبنان في حال تغلبه على الانفجار الاجتماعي الذي كان يعيش فيه في ذلك الوقت. وكان صاحب السمو يوجه دائما باتجاه توحيد الصف بين اللبنانيين والفلسطينيين وفيما بين اللبنانيين انفسهم ليستعيد لبنان دوره الطبيعي في نشر المحبة والثقافة والتنوير. كان الشيخ زايد ولا يزال اقرب العرب الى العرب, وحسبما لاحظت, ان كثيرا من البلدان العربية يشعر ان البلد العربي الاقرب له هو دولة الامارات العربية المتحدة, فصاحب السمو يشعر كل عربي انه العربي الاقرب اليه. وهو لايحبذ النزاعات العصبوية التي تصدر هنا أو هناك في الدول العربية, وتجعل بلاد العرب ممزقة. * مفكر عربي من لبنان