لا ينكر إلا مكابر هذا المناخ المتشنج المتأزم والثقيل الذي يحط بكل ثقله منذ اربعين عاما على المجتمعات العربية حتى كأنه الطابع المميز للعالم العربي ما بعد نيل الاستقلال الاداري عن الامبراطوريتان الفرنسية والبريطانية .وإذا اردنا ان نضع لهذا المناخ المنذر بالاخطار اسما أو علامة لقلنا ان السبب هو ارتباط تأزمي وغير سليم بين الدين والسياسة. ارتباط لم تستطع النخب العربية المثقفة ان تحلله وبالتالي تفك آلياته وتضع الحلول لمعضلاته الكبرى. وفي غياب هذا التحليل الموضوعي المنتظر, نجد ان مجتمعات عربية كثيرة ـ بل الاغلبية ـ تعاني من غياب الحوار وتواجه خطرين عظيمين ــ مع بعضهما أو احدهما ـ وهما التطرف والاستبداد. ونجد مع الاسف ان هذين المرضين يتغذيان من بعضهما البعض, فالتطرف يتطرف ويكفر ويقتل بدعوى مقاومة الاستبداد والاستبداد يستبد ويفتك ويسجن ويوسع دائرة الشبهات بدعوى مقاومة التطرف. وفي الحقيقة لم يبق للمثقف الحر هامش حركة أو فضاء حرية أو حتى منبر تعبير, اذ يطالبه المتطرف بالخضوع لمنطق الاختزال والسفسطائية ويطالب المستبد بإعلان الولاء لحالة الحصار الطويلة المضروبة على المجتمع المدني. ويمكن القول بدون تردد ان حالة الاغتراب والاجتثاث والانبتات التي يعيشها المثقف العربي أواخر القرن العشرين لم تسبقها في التاريخ العربي سابقة بهذه الحدة وهذا العنف وهذا الانفصام. ولذلك وجب التفكير ووجب التوفيق. ولعله من الاجدر ان ننطلق من قاعدة فكرية صلبة ومن استحالة التخلي عن الاسلام ــ حضارة وشريعة ــ من المجتمعات العربية وكذلك استحالة إلغاء الدولة العصرية من النسيج النهضوي المندمج بالضرورة في العولمة. وهنا تكمن صعوبة الخروج بحل توفيقي, فالاسلام منظومة قيم عليا وتعاليم اخلاقية يصطدم بمفهوم الدولة التي هي منظومة قوانين وضوابط. ولكني بعد سنوات طويلة من التأمل والمعاناة حاولت ان اطرح السؤال التالي في ندوات ومؤتمرات وكتب لاستدرج الاخوة المثقفين لتجديد أدوات الحوار حول هذه القضية الجوهرية. والسؤال هو: هل يمكن ان يلتقي جوهر الاسلام مع الدولة العصرية الصالحة؟ لقد عادت الى ذهني هذه الافكار الحائرة وأنا اطالع هذه الايام آخر الاحاديث التي ادلى بها اكبر مفكر وفيلسوف فرنسي, العلامة بول ريكور Paul Riceur لمجلة لكسبرس L'EXPRESS عدد 23 يوليو 1998 وكان منصفا غاية الانصاف تجاه حضارة الاسلام الحقيقي المتسامح القابل للخيارات الديمقراطية لكنه بالطبع يرفض كما نرفض تطرف الذين يرفضون الحوار أو الذين يكفرون من يخالفهم الرأي, لكنه يعتقد ان من حق المتدين ان يطبق تعاليم دينه وأن يعبر عن رأيه بكل حرية وبالتالي ان يتمتع كأي مواطن بجميع الحقوق المكفولة في الدستور كالاعتقاد والتعبير والنشر والاجتماع وتأسيس جمعية, ويضيف المفكر (بول ريكور) قائلا: (ان الدين لم يوجد ليبقى سجينا في القلب بل لينظم المجتمع في كنف القانون) . وهنا, يمكن ان نتساءل الآن: أي قانون؟ فالقانون في المجتمعات المسلمة يجب حتميا ان يكون منبثقا من الاسلام حتى لو اجتهد ويجب حتميا ان يكون في وفاق مع روح القانون الدولي وروح حقوق الانسان العالمية المعترف بها على نطاق واسع. مما يدعو رجال الاجتهاد والسياسة والفكر الى اعادة كتابة القانون والدستور لحل هذه المعضلات مما يضع الدولة في اطارها الصحيح وعلى قاعدتها القوية أي في موقع الشرعية المعترف بها والمضمونة بالمشاركة الشعبية في سن الخيارات واختيار المسؤولين عن تنفيذها. ولم أقرأ لمفكرين عرب طروحات عملية لتجاوز هذه العقبات الا لدى البعض القليل ومنهم الزميل د. فهمي جدعان من الاردن والاستاذ فهمي هويدي والاستاذ طارق البشري من مصر ود. محمد عابد الجابري ود. مهدي المنجرة من المغرب ومحمد جابر الانصاري من البحرين ولعل درة تاج الفكر الاسلامي الوسطي فضيلة الشيخ الامام يوسف القرضاوي أغزرهم تصورا للمستقبل وهذه الصفوة لا تكفي, ولو انها في الحقيقة تمثل ارضية صالحة لنهضة عربية شاملة. استاذ بقسم الاعلام ـ جامعة قطر