مرة اخرى نؤكد ان الصحافة في عالمنا العربي بحاجة الى محاسبة النفس من خلال آليات مؤسسية لأن الركون الى النقد الذاتي الذي يصدر عن الاعتبارات الأخلاقية قد يثبت انه غير عملي من ناحية أو انه غير علمي أو موضوعي من ناحية اخرى, فالاعتبار الأخلاقي على جلاله وأمانته أمر يقوم على وازع معنوي ـ ضميري وتطوعي في آن واحد. ولأنه كذلك فلا سبيل الى ادخاله في حسابات المكسب والخسارة التي تعود على المجتمع أو يصاب بها المجتمع في حال ان انحرفت الصحافة عن أداء دورها أو فشلت في أداء هذا الدور. واذا كان دور المؤسسة الاعلامية على اختلاف ما تتوسل به من أساليب قد تلخص تقليديا في الوظائف الاساسية الثلاث التي يؤديها الاتصال الجماهيري وهي: الاخبار (بكسر الهمزة) والتثقيف ثم الترفيه, فقد استلفت انظارنا لها تعريف أكثر ايجازا وبساطة وعنها في ان استخدمه الفرقاء في منتدى علمي مستقبلي شاركنا فيه مؤخرا وانعقد في مدينة شيكاغو الامريكية وفحوى هذا التعريف هو: ان الاعلام هو في الأساس عملية (واحيانا رسالة) نشر الافكار باستخدام وسائل الاتصال الجماهيري على اختلافها. ولأن الفكر أصدق أنباء من السيف, مع الاعتذار لأبي تمام, الا ان الفكرة تحمل مع فعاليتها بذور الخطر في حال انحراف الفكرة ذاتها أو في حال تشويهها بفعل سوء عملية النقل أو البث سواء من خلال خبث المقصد أو قصور الأداء المهني والفكرة.. الرسالة الاعلامية أشبه ــ كما يكرر المختصون ــ بصاروخ ذاتي التوجيه, فأنت تطلق الفكرة, أو تبث الرسالة مكتوبة أو مذاعة على موجات الأثير, ثم لا يعود لك سيطرة عليها ولا قدرة من ثم على توجيهها, ولك ان تعجب, كما حدث في حالات وظروف شتى, كيف ان الفكرة قد أحدثت تأثيرا مختلفا أشد الاختلاف عن القصد الذي توخاه صاحبها في الأساس, فالشكل والصيغة ومن ثم المحتوى الذي يصل الى جماهير المستقبلين إنما يتأثر بداية بنوعية الوسيلة المستخدمة ما بين الجريدة المكتوبة أو الكلمة المذاعة أو الصورة المنقولة عبر التلفاز وفي هذا قد تصدق قولة الاستاذ ماكلوهان الشهيرة بأن الوسيلة هي الرسالة. ثم هناك ما أصبح يتداوله على نطاق واسع علماء الاتصال من ان الناس إنما يستقبلون الرسالة أو الفكرة الاعلامية على شاشاتهم الذاتية المختلفة, فلكل منا نحن البشر (راداره) الخاص, كما قد نسميه.. جهاز استقباله التراثي الذي صاغته الفطرة من حيث التركيب النفسي ثم اكتسبه المرء من خلال عملية التنشئة أو التطبيع الاجتماعي (وعفوا اذا استخدمنا مصطلح التطبيع فهو أصلا مصطلح علمي وإنما هبط به نفر من قومنا بفعل نمط غريب من فكر الانحطاط السياسي). الصحافة وبابها المفتوح للجميع بيد ان مشكلة الصحافي مأساتها في بعض الاحيان انها حرفة أو مهنة عصبية على التعريف. كتب البروفيسور ستانلي فلنك استاذ الصحافة في جامعة نيويورك يقول: ـ في امريكا, يستطيع أي من كان ان يصبح مالكا لصحيفة, او محررا في صحيفة او مندوبا مراسلا لصحيفة.ومن ثم فالحاجة تصبح أكثر من ماسة الى الأخذ باسلوب التنظيم الذاتي سواء بالنسبة للصحافة او بالنسبة لمن ينتقدونها. وعلى اصحاب هذه المهنة ان يحرصوا على ان يظل لحرفتهم جلالها واحترامها (ومصداقيتها) باكثر من مجرد حرصهم على تراخيص ممارسة المهنة التي يحملونها فلا يكون قصاراهم ان يخشوا من سحب هذه التراخيص او ايقاف سريانها. اما المهنة ذاتها فينبغي لها ان تعمل باستمرار على اجتذاب الكتاب والمحررين والمخبرين والمراسلين الموهوبين والمثقفين وهذا ما يوجب عليها الا تقاوم دعوات وعمليات واجراءات التقييم الذاتي والتحسين الذاتي مما يقتضي بدوره الاخذ باسلوب التنظيم الذاتي. الصحافة الامريكية لم تعد نموذجا وعندنا, فلا سبيل الى ان يتم هذا التنظيم الذاتي لمهنة الصحافي اذاما ظللنا في الوطن العربي, وربما في العالم الثالث, نرى في الصحافة الامريكية هي مثلنا الاعلى ونموذجنا الذي نتطلع الى احتذائه دع عنك محاكاته. لقد تقدمت الصحافة الامريكية من حيث الادوات والتقنيات والكفاءات البشرية والموارد المالية (وتصدق حكاية المالية هذه على التلفزيون بالذات حيث الصحافيون العاملون فيه نجوم في المجتمع وحيث العقود اقرب الى احتكارات نجوم الشباك في هوليود, وحيث التعويضات المدفوعة لا تفارق خانةالملايين بحال من الاحوال. لكن الصورة الاخيرة لاحوال الصحافة الامريكية لم تعد تسر أحدا وخاصة المحللون والمراقبون المعنيون بحال الصحافة والمتابعون لتطوراتها في امريكا بالذات. خطر السوقية ويكاد الكل يجمع على عيب هيكلي او جوهري اصبح ينتاب المؤسسة الصحافية الاعلامية الامريكية بكل منجزاتها وامكاناتها. وهذا العيب تلخصه عبارة واحدة هي: (آليات السوق) .. وبين ايدينا وقت كتابة هذه السطور احدث الاعداد الصادرة عن مجلة (كولومبيا جورنالزم ريفيو) (يوليو/اغسطس 1998) وفيه تنبيه اشبه بالوعيد او بالنذير من المصير الذي يمكن ان يؤول اليه حال الصحافة الامريكية اذا ما استمر الاتجاه الراهن باخضاع العمل الاعلامي والمهنة الصحافية وصاحبة الجلالة الممثلة للسلطة الدستورية الرابعة ـ الى مجرد ترس في آلة الاقتصاد او دورة الاستثمار فتصبح بالتالي مطية لاصحاب مصالح لا غبار عليهم اصلا ان سعوا الى تحقيق وتعظيم ارباح ما يملكون, لكن الغبار العاصف كله انما يجلل الصورة ويزيدها قتامة وعثارا عندما يوكل الى هذه الشرائح الاجتماعية والى مصالحها الاقتصادية الضيقة امر المؤسسة الصحافية القومية التي يفترض فيها ان تكون ضمير الامة ونصير الضعفاء وصوت من لا صوت لهم. قالت كولومبيا والمعروف ان مدرسة الصحافة في جامعة كولومبيا الامريكية هي من اعرق المعاهد الاعلامية في العالم التي تدرب شباب المهنة وتصقل مواهبهم ومن ثم فكلمتها مسموعة في هذا المضمار. وعلى المرء ان يأخذ على محمل الجد كله ذلك التحقيق المتعمق والمسهب الذي افردت له مجلة كولومبيا للصحافة اخر الاعداد الصادرة على نحو ما اسلفنا لبحث قضية خضوع واخضاع الصحافة الى قوانين ومقتضيات وضرورات وضغوط السوق, او هو كما سوقية الصحافة ولك ان تتأمل بلاغة لغتنا الشريفة حين تربط السوق, والسوقية بمعاني الهبوط والركاكة والترخص والانحدار. وفي بلاغة من نوع آخر تنشر مجلة كولومبيا العنوان الرئيسي التالي: شهوة المال ثم تعمد المجلة الى احد حروف كلمة شهوة فتريق عليه وابلا احمر وكأنه مضرج بالدم المسفوك. ثم تعمد من بعد الى العنوان الفرعي التفسيري يقول: كيف ان الضغط من اجل الربح يؤدي الى انحراف الصحافة عن مقاصدها وليس بوسعنا ــ نظرا لضيق المساحة ــ ان نسرد عليك... كل ما جاء في هذا التحقيق ــ الدراسة الهامة التي استغرقت نحو 15 صفحة من مساحة المجلة (اكثر من ربع حجم المجلة بأسرها) ولكن ها نحن نحرص على ان نزودك في هذا المقام بأبرز العناوين الفرعية التي تعكس محاور الموضوع, اذ لا تقتصر اهميته, ومن ثم خطورته على الصحافة الامريكية وحدها ولكنها تمتد موضوعيا لتشمل أو تهدد الشأن الصحفي العربي في مجموعه سواء بفعل التحاق الوطن العربي مشاركا أو تابعا بقطار العولمة, او من خلال ما اكدته الاحداث والملابسات الاخيرة بالنسبة لحال الصحافة وأوضاع الصحفيين في اقطار من وطننا الاكبر (مصر والاردن على سبيل المثال) وإليك ابرز محاور موضوع شهوة المال وانحراف الصحافة (الامريكية) عن مهمتها الاسمى بفعل ضغوط الربح أو همزات التمويل أو آليات السوق: الراية الجديدة المرفوعة في دنيا الصحافة (الامريكية) هي: فلنأخذ بمزيد من الحساسية آراء جميع الاشياء التي تتعلق بالفلوس والتمويل (ونحن ــ كاتب السطور ــ نفهم حكاية الحساسية هذه على انها تقترب من ضفاف التحوط والاحتراز فيما يكتبه الصحفيون وما يستقونه من انباء في الميدان وما يتعاملون معه من مصادر فما بالك اذا ما تطور الامر من حساسية الانضباط والاحتراز الى ساحات توجب توقي وجع الدماغ واتقاء غضبة المتمولين والمنتنفذين مجسدة في تحالف السلطة والمصرف والاحتكارات, وقد تولدت عن ذلك آفة الفساد التي باتت شأنا حقيقيا ومؤسسة مادية مطروحة على موائد التفاوض الدولي ومدرجة على جدول اعمال مؤسسات منظومة الامم المتحدة. ثم ما بالك اذا ما اتسعت الشقة وتدهورت الامور الى ان تصل بالمتخوفين والمتحسبين الى حيث تتحول الاقلام والكاميرات والتقارير الصحفية من مراقبين الى اغوات ومن محاربي الفساد الى ساكتين عن الحق وبل متواطئين وأحيانا ندامى ومسامرين, أو محبطين كما قال يوما مؤرخنا العتيد عبدالرحمن الجبرتي. تحقيق الربح على حساب المستقبل ثم نعود الى محاور دراسة جامعة كولومبيا فنواصل التلخيص على النحو التالي: اكبر قصة أو اخطر قضية تهم الصحافة الامريكية حاليا اسمها: الجوع الى الربح. لقد تحول الميزان بوضوح بعيدا عن الاخبار الدولية لصالح الاهتمامات المحلية الضيقة وهنا نشير بالضرورة الى خطورة تنامي هذا الاتجاه الى المصالح المحلية وغلبتها أو تغليبها على الاهتمام بشؤون العالم المصيرية وقضاياه الحيوية التي بات معظمها عابرا للحدود. ولقد نعود الى هذا الموضوع الحيوي في حديث قادم, الا أننا نلمح ــ بالمرة ــ الى احدث عدد من دورية (وورلد افيرز) عن شؤون العالم ــ الصادرة عن الجمعية الامريكية للسلام في العاصمة واشنطن وتتصدره ــ بدوره ــ دراسة عن الاثر العميق الذي باتت تمارسه السياسات المحلية على سياسة امريكا الخارجية مع التطبيق على حالة عملية السلام في الشرق الاوسط. الصحف تفضل الآن جني الارباح بدلا من الاستثمار في المستقبل. لم تعد المسألة في مهنة الصحافة الامريكية هي الحديث عن اداء الرسالة بل اصبحت أشبه باحاديث مروج المخدرات التي تقول: اعطوا الناس ما يريدونه او كما تردد المقولة الممعنة في التخلف في دنيا السينما المصرية: الجمهور عايز كده!. ثمة شعور يسود اوساط الصحفيين بأن حرفة استقاء الاخبار ومعالجتها وتحليلها وتقديمها سوف تندثر ويحل محلها (صحافة الخدمات) بدلا من (صحافة الخبر) . من هنا يمكن ان نطلق على حال الصحافة الامريكية اسم صحافة خط التجميع وهي ايضا صحافة الكم على حساب الكيف وصحافة الدغدغة على حساب التوعية حيث أصبح الصحفي على جلال مهنته اصلا ينحو نحو التسويق قبل التثقيف, ويميل الى الترويج قبل التنوير والتنبيه. لا عجب تضيف (كولومبيا جورنالزم ريفيو) قائلة ان اصبح لدينا صحفيون تمتلىء بهم شوارع كل بلدة وهم لا يجيدون لا استطلاع الخبر ولا الكتابة ولا التحرير. صحافة أبواب الثلاجات هذه النوعية من الصحفيين هل نقول (المتصاحفين) يعبر عنها في بلاغة محسودة حقا رأي اوردته المجلة الامريكية الرصينة وادلى به في سياق تحقيقها مندوب جريدة متوسطة الحجم في ولاية اللينوي وعمره فوق الاربعين. قال زميلنا الامريكي الهمام وميزته الصراحة البرغماتية بغير لف او دوران. عندما يقتضي الخبر او التحقيق وقتا طويلا أو يتكلف مصاريف فنحن نصرف النظر عنه تماما. ولذلك فعند اجتماعات توزيع المهام على الزملاء لا نحلم سوى بالحكايات التي يقبل عليها الناس والمادة التي تجذب اهتمامهم وتجعل جرنالنا موضعا للحديث ثم تدفع القراء الى اقتناء قصاصات من الجريدة ويضعها فوق باب الفريجيدير تسألني ــ يضيف الصحف الامريكي ــ وماذا عن قضايا العالم ومشاكل الدنيا ــ فأجيبك.. قل يا باسط.. بالذمة من ذا الذي يهتم بظاهرة الفساد المتفشية في حكومة المدينة؟.. فما بالك بالذي يكترث لحظة ازاء من يسقطون صرعى للقتال من اهل البوسنة؟! وبعد فقد كان في حسباننا اصلا ان نجعل هذا الحديث هو الجزء الختامي من موضوع ثنائي حول هموم الصحافة واهتمامات الصحفيين. وما ان ولجنا من هذا الباب حتى ادركنا كم ان القضية ينبغي ان تظل مطروحة للنقاش, وان علينا بحكم ما توافر بين ايدينا من مادة علمية ان ننبه قومنا الى ما نعايشه ونتابعه في اطر هذه المستجدات التي تكاد تعيد صياغة وظيفة الصحافة ورسالتها في مجتمعها. ولما كنا نملك ـ قدر المستطاع ــ ادوات هذه المعايشة او المتابعة بالنسبة لصحافة امريكا, فنحن ـ بحمد الله ــ نملك ترف التوعية والتنبيه بالنسبة لاخطار نراها محدقة, متربصة بالشأن الصحفي في الوطن العربي سواء على صعيد المهنة او مضمون الرسالة, او من حيث الناتج والاداء. وفي هذا ما يجعلنا نستميح العذر كي نواصل من بعد هذا الحديث.