اعلان دمشق:اذا كانت معاهدة الدفاع العربي المشترك قد وضعت في بداية الخمسينيات إبان زهو ايام الاستقلالات العربية, وبعد ان بدأ الاستعمار باعلان رحيله فقد وضع اتفاق(اعلان دمشق)في بداية التسعينيات وفي الايام التي اكد فيها الاستعمار عودته وقد اخذ يؤسس لقواعده في ارضنا ويجعل من وجوده امرا طبيعيا وشرطا من شروط وجود كياناتنا. وقع (اعلان دمشق) للتنسيق والتعاون في العاصمة السورية في السادس من مارس 1991 من قبل وزراء خارجية بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست, ومصر وسوريا بعد ان اخرجت قوات التحالف الدولي القوات العراقية من الكويت معلنة تحريرها ومؤكدة وجودها الدائم في اراضيها. وقد جاء اتفاق (اعلان دمشق) ولم تمر سوى اسابيع قليلة على حرب (عاصفة الصحراء) التي بدأت في 17 يناير 1991 كأول رد فعل عربي على وجود الجحافل العسكرية الغربية في الجزيرة العربية, وقد صحا العرب من صدمة ما حدث ايام تحرير الكويت بعد ان تصدع البيت العربي بكامله واصبح عدم انهياره متوقفا على اعداد القوات الاجنبية وقواعدها الموجودة في بلادنا. كان (اعلان دمشق) بمثابة احتجاج ضمني عربي على (عاصفة الصحراء) , ومحاولة خليجية لارضاء الحليفين العربيين مصر وسوريا, اللذين أحرجا بوجودهما داخل قوات التحالف الدولي الغربي. لذلك انطلق (اعلان دمشق) من ان التنسيق والتعاون يتم بموجب 1 ــ العمل بميثاق جامعة الدول العربية وميثاق الامم المتحدة والمواثيق العربية والدولية الاخرى. 2 ــ العمل على بناء نظام عربي جديد من اجل تعزيز العمل العربي المشترك, واعتبار الترتيبات التي يتم الاتفاق عليها بين الاطراف المشاركة بمثابة الاساس الذي يمكن البناء عليه من اجل تحقيق ذلك. بينما في المجالين السياسي والامني اكدت (الاطراف المشاركة احترامها لمبادىء ميثاق جامعة الدول العربية والتزامها بمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية وعزمها على العمل المشترك لضمان أمن سلامة الدول العربية وان تشير على وجه الخصوص الى المادة التاسعة من ميثاق الجامعة العربية ــ وهذا بيت القصيد ــ التي تعتبر ان وجود القوات المصرية والسورية على ارض المملكة العربية ودول عربية اخرى في منطقة الخليج تلبية لرغبة حكوماتها بهدف الدفاع عن اراضيها, يمثل نواة قوة سلام عربية تسعى لضمان أمن وسلامة الدول العربية في منطقة الخليج, ونموذجا يحقق ضمان فعالية النظام الأمني العربي الدفاعي الشامل) . ويتضح من نموذج معاهدة الدفاع المشترك, الاقدم, ونموذج (اتفاق دمشق) الاحدث, ان فكرة قيام حلف اطلسي عربي لها أساس حقيقي في المضمون السياسي لـ (اعلان دمشق) ولها آلية للتنفيذ في معاهدة الدفاع المشترك, وبالتالي فان الفكرة ليست بعيدة على الاطلاق عن ذهن اصحاب (اتفاق دمشق) وقد مر عليه حوالي سبع سنوات, ولم ينقذ البند(ب)المشار اليه آنفا, الذي هو من اهداف التنسيق والتعاون في الاعلان, لأن ليس هناك رغبة في تنفيذه, ولأن ثمة, من بين الموقعين وخارجهم, من لا يريد تنفيذه, معتبرا ان ذلك سابق لأوانه, فالحاجة الى وجود قوات أجنبية مازالت قائمة, والضغوط ما فتئت ملحة لاستبقائها.ان من يعيد قراءة (اعلان دمشق) وقبله اتفاق الدفاع المشترك, يكتشف مدى ترابط الواحد مع الآخر في تشكيل بنية تصلح لاطلاق فكرة حلف اطلسي عربي, يخرج القوات الاجنبية من الاراضي العربية, ويعيد تشغيل كل ما تعطل من آليات العمل العربي المشترك. لذا فان طرح هذه الفكرة يحتاج الى فتح أبواب النقاش حولها, سواء في متنها أو في هوامشها, فاذا ادلى الناس بآرائهم ومر بهم الصواب عرفوه! النموذج الاطلسيولعل من الضروري الاشارة الى تنظيم حلف شمال الاطلسي, كنموذج لفكرة القوات المقترحة, وكنمط للتعاون العسكري بين عدد من مجموعات الجيوش والاساطيل البحرية والقوات الجوية التي تجمعها مصالح واهداف مشتركة, وتتلخص هذه الاهداف في تأمين المصالح العليا للمعسكر الغربي والتصدي لأي عدوان على أوروبا الغربية تحديدا, ومصالح العالم الغربي تعميما, ويتبع الحلف نظام القيادة المتحالفة التي تضم عدة قيادات تمثل دول الحلف كافة, ويتولى قيادة كل منها قائد معين من اقوى دول الحلف في منطقة اختصاص هذه القيادة الفرعية, واكثرها مساهمة في قواتها المتمركزة داخل حدودها.ونظرا الى اعتماد الحلف على القوات المشتركة من دوله, فانه ينص على طريقة تحقيق التعاون المشترك بينها وتأمينه من خلال اجراء تدريبات مشتركة وزيادات متبادلة, ومناورات في وقت السلم, ومن خلال وضعها تحت الطلب في وقت الحرب, والفكرة في تبني نموذج حلف شمال الاطلسي للتعاون العسكري العربي, تعود الى عدة عوامل, اهمها: وجود دولة متميزة في قوتها الشاملة, من الناحية العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية, الى جانب القوة النووية التي تملكها, وهي الولايات المتحدة, وعلى الرغم من ذلك كان من الضروري ان تشرك دول اوروبا الغربية في قيادة الحلف لمساهمتها بقسط كبير فيه.في المقابل, ليس في النموذج العربي المقترح, من هو امريكا وأقوى واكبر واقدر, فالدول العربية, التي قد تشارك في قوات الاطلسي العربي, قد تكون متساوية في القدرات العسكرية, وان كان مصر اكثرهم سكانا, والسعودية اغناهم مالا, وبالتالي ليس هناك فرص للهيمنة على هذه القوات بين دولة عربية واخرى, وليس هناك (الدولة القائد) , عندما تتوزع القدرات, بين بشرية وعسكرية وتسلحية واقتصادية ومالية وسواها, فتتوازن القوى بشكل شبه متساو, ومن المعروف عن حلف شمال الاطلسي هو بطء عملية صنع القرار واتخاذه, وهذا امر يناسب العرب اذا حذو حذوه, وحتى في حال تراكم حدة الخلافات بين بلد عربي وآخر, فانه لن يبلغ حدة الخلاف بين تركيا واليونان, العضوين في حلف شمال الاطلسي, لانه لو طلب منهما الاستجابة لخطر يهدد الواحدة أو الاخرى, فلن يستجيبا بعضهما لبعض, حيث لن يتلقى جنرال تركي أوامره من جنرال يوناني, والعكس صحيح. ظروف التطبيقصحيح ان معاهدة الدفاع العربي المشترك لم توضع قط موضع التطبيق منذ تأسيس جامعة الدول العربية قبل حوالي خمسين سنة, وقد مرّ الوطن العربي بأحلك الظروف, من الحروب العربية ــ الاسرائيلية إلى الحروب العربية ـ العربية إلى حروب الخليج, وكان كل ظرف من هذه الظروف يستدعي تطبيق هذه المعاهدة, ولو في جانب من جوانبها, ولكن لم يكن هناك حياة لمن تنادي. اذا ما الذي يجعل هذه المعاهدة اليوم ممكنة التطبيق, حتى لا تبقى من (المستحيلات العربية) على حد تعبير زميلي العزيز؟الجواب: ان في هذه المعاهدة آلية جاهزة وكاملة لتحقيق فكرة إنشاء قوات اطلسي عربية, ولكن كما كان ينقصها في الماضي العزم على تنفيذها والايمان بجدواها والجرأة في الاستفادة منها, مازالت هذه الامور كلها تراوح مكانها بعد نصف قرن من الكوارث, ومن الممكن القول, من دون أدنى تفاؤل, ان لا شيء قد تغير, لكن اليوم غير الامس, فالوجه الاخر لامكانية ايجاد بصيص نور في نهاية النفق العربي المظلم, هو انه قبل خمسين سنة, كانت الدول العربية وحكامها يعيشون زهو الاستقلال بعد نضال طويل في سبيله, في زمن انكفأ فيه الاستعمار, وفي جو من الثقة بالنفس وبالآخرين, وتداعت عقود الزمن وحصلت الهزائم الخارجية والانهيارات الداخلية, وتغير الزمان كما تغير السلطان, ووصلنا إلى ما وصلنا اليه اليوم. ولابد من أن نحمل هذا اليوم الذي وصلنا اليه بعض التفاؤل (وان كان التفاؤل ليس مهنة الكتاب) لان ثقل الاستعمار الجاثم على صدر الوطن العربي وظروف النظام العالمي الجديد المكبلة والمسيطرة عليه, قد تعيد شيئاً من الصحوة إلى اذهان اصحاب الانظمة, فيتنادون جميعا, بان كفى ما حدث لنا حتى الآن, وان كان بعضهم مدينا للاستعمار بالبقاء, وليس هناك من معتصم يستصرخونه. قد يهتف من يستمرىء الحياة في زمن الاستعمار, بأن فكرة تشكيل قوة اطلسي عربية, هراء في هراء, لا بأس, شرط الا يرفعوا اصواتهم عندما تزول مصلحة الاستعمار في حمايتهم اذ يصبحون غير قادرين على حماية مصالحه, وهذا احتمال على قاب قوسين أو أدنى. إن كل الافكار البعيدة عن الاذهان في زمانها, قد تبدو ضبابية ومستبعدة, وككل دعوة خيّرة قد يمكث شيء منها في الارض, ولا صاحب لها الا الريح. * كاتب وصحافي وناشر بالاتفاق مع مجلة (المستقبل العربي) الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت عدد اغسطس 1998