لطالما أولت الكتابات العربية عناية بدور العامل العسكري في حسم قضية القدس. وفي معرض التدليل على هذا الفهم وصحته, غالبا ما يشار الى تصريح(بن جوريون)في24/6/1984الذي قال فيه(ان القدس مسألة قدرة عسكرية).وحقيقة الامر, ان القوة العسكرية من أهم أدوات تكريس المشروع الصهيوني في فلسطين وضمان ديمومته غير انها لم تكن الوحيدة في هذا الاطار, ولا سيما فيما يتعلق بتهويد القدس. ففي تقديرنا, انها جاءت ضمن حزمة كبيرة من الآليات والمداخل الظهيرة, التي لا غنى عنها لحصد النتائج وتغيير الحقائق. في طليعة هذه الادوات الاخرى, شديدة الفاعلية, انشاء المؤسسات الصهيونية الذاتية والتمكين لها من ناحية, وازاحة مؤسسات المجتمع العربي الفلسطيني الاصل, او اضعافها وتجفيف منابعها وادوارها من ناحية اخرى بالنسبة لادعاء المشروع الاستيطاني الصهيوني بيهودية القدس, ثم اتخاذها مركزا او عاصمة له, برغم ما هو معلوم عنها من مكانة لدى المجتمع الاصل, فقد كانت هذه العملية الاحلالية المؤسساتية مسألة بالغة الحيوية. وقد زاد من اولوياتها, كون المدينة بالقول والفعل, مركز فلسطين وعاصمتها من جميع الجوانب, فضلا عن كونها مدينة تتعلق بها الانظار والقلوب في المنظومة الحضارية العربية الاسلامية الاوسع بكثير من الدائرة الفلسطينية التي تقع في رحابها, وبها مؤسسات ومعالم تخص هذه المنظومة. ولهذا اعلت الحركة الاستيطانية شأن القوة العسكرية في السيطرة على القدس, لكنها لم تقلل اطلاقا من أهمية الادوات الظهيرة, لا سيما الاحلال المؤسساتي. ولعله من المدهش, ان لا يلتفت المهتمون الى بقية تصريح (بن جوريون) المشار اليه, وكان بتمامه (ان القدس مسألة قدرة عسكرية.. المرحلة الاولى هي احتلالها. وستعقبها عدة مراحل, تتصل بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والديمجرافية للمدينة) . يتسق الاتجاه الصهيوني لحجب التطور المؤسساتي الفلسطيني في القدس, بالمعنى التاريخي, ماضيا وحاضرا ومستقبلا, وفلسفة الكيانات الاستيطانية وتجاربها عموما. ذلك ان المجتمعات الاصلية, التي يراد نفيها من الارض أو استئصالها, وتدمير تكاملها بالمعنى الشامل, تقوم في التحليلين الاول والاخير على بنية تحتية تسهر عليها طائفة من المؤسسات. وقد تتفاوت هذه المؤسسات من حيث طورها الحضاري لكن وجودها في ذاته, كعنصر للتنظيم والحشد ومتابعة المصالح, ضمانة لاستمرارية الحياة في المجتمع الاصل. ومن ثم لامكانية المقاومة الفاعلة. وربما كانت هذه الفلسفة الام, هي الدافع الى تكرارية مقولة (تدمير البنية التحتية) بين يدي المصطلحات الصهيونية التي تعالج بعض جوانب التعامل مع انشطة المجتمع الفلسطيني, فالتعامل مع افراد او مجموعات صغيرة, بدائية التنظيم والهيكلة, لا رابطة بينها, اسهل بكثير على الغزاة المستوطنين من مجابهة قوى مؤسساتية على نحو متطور. كأن (تدمير البنية التحتية المؤسساتية) من المفاهيم المفتاحية لمقاربة السياسة الصهيونية تجاه القدس وتفهمها, وذلك قبل قيام اسرائيل وبعده. وتفسير هذا المفهوم, بشكل مبسط, هو ان الصهيونية الحركة ثم الدولة, بذلت جهدا لتحطيم الوجود المؤسساتي العربي الفلسطيني في المدينة, واحلاله بمكونات صهيونية (يهودية, لا بأس هنا) بديلة. هذا هو مغزى مقولة بن جوريون, التي جاء (دوري جولد) ـ مستشار نتانياهو ـ كي يؤكدها عام 1996, مفصحا عن كنه السياسة الصهيونية لنفي مركزية القدس على الصعيد الفلسطيني.. فقد قال جولد, بعد خمسين عاما من بن جوريون!!.. اذا أنشأ الفلسطينيون دولة في الضفة الغربية, فمن الطبيعي ان يسعوا الى جعل اكبر مركز تجمع سكاني لهم, اي القدس الشرقية عاصمتهم السياسية, كذلك فان السيطرة الفلسطينية على القدس, ستكون ضرورية لربط الجزأين الشمالي والجنوبي للدولة, التي تقع القدس في مركزها.. ينظر (جولد) الى القدس كعاصمة لفلسطين المزمعة على نحو طبيعي. فهي (أكبر مركز تجمع سكاني للفلسطينيين) . وبالطبع هو يتجاهل مركزية المدينة فلسطينيا من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والروحية. لكنه لم يستطع اخفاء اهميتها ومركزيتها الجغرافية, وهي مركزية لا تعني الكثير من دون النواحي المذكورة. وهذه في حقيقة الامر الاسباب الموضوعية لاعتبار القدس عاصمة فلسطينية بصفة دائمة وقديمة. وهي ايضا الاسباب الفعلية للدأب الصهيوني على ازالة الوجود المؤسساتي المركزي الفلسطيني منها. من المثير ان (جولد) هذا, يناقض نفسه والموقف الصهيوني من القدس, حين يقول في المساق ذاته (ان القدس كانت دوما العاصمة الروحية السياسية لليهود. بينما كانت لدى الفلسطينيين مهمة معنويا فقط, لا عاصمة سياسية في أي يوم) وبغض النظر عن صحة هذا الزعم ـ ومنذ متى كانت المزاعم الصهيونية صحيحة؟ فقد تقيدت به الحركة الصهيونية وكيانها الاستيطاني نظريا, واصرت على تطبيقه عمليا. وكانت المحددات الموضوعية التاريخية قد هيأت بيئة مناسبة لتمرير هذه الرؤية. وبخاصة في مرحلة تأسيس الكيان, مرورا بالسيطرة الصهيونية على الجزء الاكبر من المدينة عامي 48 ـ 1949. وانتهاء باحتلالها بالكامل عام 1967. على انه في غمرة هذه المحددات, وفي كل المراحل تقريبا, كان الوعي الفلسطيني بابعاد الفلسفة الصهيونية تجاه القدس, حشوها ومضمونها المؤسساتي واهدافها, موجودا. ومثلما ضمرت الصهيونية ازاحة المؤسسات الفلسطينية الاصل من المدينة, متوخية نفي مركزيتها وعاصميتها لفلسطين, فقد التزم المجتمع الفلسطيني موقفا مضادا مقاوما. وكان لكل من الجانبين ادواته ومناهجه. حدث هذا برغم ميل موازين القوى للطرف الصهيوني, على الاقل بحكم تمدد سيطرته العسكرية بالتدريج على المدينة. هذا التدافع ـ الدامي احيانا ـ بين الطرفين في بعده الخاص بتكوين المؤسسات والمؤسسات المضادة, هو ما نفترض انه صراع المؤسسات في المدينة. وهو صراع نحسب ايضا, ان له جذورا وتداعيات ماضيا وحاضرا, وانه سيمتد الى افق يصعب تحديده في الوقت الراهن, كما نحسب انه بناء على نتائجه النهائية سوف يتحدد مصير القدس. ما يحتاج الى عناية بمساره واجتهادات حول كيفية دعم الجانب العربي الفلسطيني فيه. ونأمل ان نفىء حول هذه النواحي لاحقا.