تصادف أن قرأت في اسبوع واحد, أعمال ندوتين, تدوران حول عملية السلام الدائرة بين العرب واسرائيل. أما الندوة الأولى فكان الموضوع الذي اختارته عنوانا للندوة ومداولاتها هوالتسوية السلمية للصراع العربي الاسرائيلي وتأثيراتها على الوطن العربي نظمها معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية. وكان تاريخ هذه الندوة في الاسبوع الأخير من شهر ديسمبر سنة 1995. والندوة الثانية كان العنوان الذي جرت تحته المحاورات والمناقشات هو (التصور العربي للسلام) ونظمها في القاهرة منتدى الفكر العربي بالاردن واللجنة المصرية للتضامن. والتوقيت الذي جرت فيه الندوة هو مارس سنة 1997. والذين شاركوا في مداولات الندوة, كانوا من النخبة العربية, ومن ألمع المعروفين في حقل السياسة والعمل العام. وحرص عميد معهد البحوث والدراسات العربية, في كلمته الافتتاحية للندوة ان يوضح وقد حرصنا ان تكون هذه الندوة حوارا داخل معسكر الفكر القومي العربي, فنحن لا ننظم انشطتنا الفكرية بعقول باردة تحرص على التوازن الاكاديمي بأكثر من حرصها على الاهداف والغايات النبيلة. ومن هنا جاءت دعوتنا لمجموعة من خيرة العقول في هذه الامة الملتزمة بموضوعية اهدافها لكي تشارك بالكتابة والتعليق والحوار في موضوعات الندوة, على امل ان نخرج جميعا برؤية اوضح لما يجرى حولنا واحتمالاته المستقبلية تساعدنا على امعان النظر فيما يتعين علينا ان نقوم به, اذا كنا حريصين على مستقبل افضل لهذه الامة. والحق ان المشاركين في الندوتين كانوا يمثلون التنوع الذي تتسم به النخبة العربية ــ التنوع اوالانقسام في بعض الظروف ــ وتعكس الاختلافات في وجهات النظر وبالذات بالنسبة للموقف من (عملية السلام) وهوالمفهوم الذي حرص احد المتحدثين للاشارة الى غموضه وعدم تحديده وحرص كل طرف على تفسيره بالطريقة التي تخدم مصالحه. والذين شاركوا بالرأي في الندوتين يصل عددهم الى عشرات وقد يكون من المفيد ان اذكر بعض اسمائهم, لتكون تحت نظر القارىء الكريم: محمد عابد الجابري, جميل مطر, ابراهيم سعد الدين, محمود عبدالفضيل, ناصيف حتى, احمد صدقي الدجاني, تحسين بشير, مفيد شهاب, عيسى درويش, الياس سابا, محمد سيد احمد, هيثم الكيلاني, محمد الرميحي, احمد فخر. وقراءة اعمال الندوتين اللتين جرت حواراتهما في ظروف سياسية مختلفة كانت فرصة لتأمل المزاج العربي والمشاعر العامة من قضية السلام مع اسرائيل. اتفاقيات السلام واقول ظروفاً سياسية مختلفة لانه في ديسمبر 1995 لم يكن الليكود بزعامة نتانياهو قد وصل الى سدة الحكم في اسرائيل وكان شيمون بيريز قد خلف اسحاق رابين في زعامة حزب العمل والدولة طارحا مشروعا جديدا على المنطقة كلها عرف باسم الشرق اوسطية. وفي الربع الاول من عام 1997 كانت سياسة الليكود قد وضحت معالمها واهم ما فيها عدم الاعتراف بما تم من تطورات على المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية على يد حزب العمل ورفع شعار السلام مقابل السلام بدلا من الارض مقابل السلام. لن اتوقف عند تفاصيل مادار في الندوتين وهي تفاصيل كثيرة وهامة ففي الاوراق المقدمة من الخبراء والمتخصصين والتعليقات التي قدمها المعقبون نلمس الجهد الكبير المبذول في اعدادها ومحاولة استجلاء الحقائق, والتنبؤ بالسيناريوهات وفهم النوايا الحقيقية للطرف الاخر واقتراح حلول عملية لمواجهة الثغرات. او على الاقل كما عبر عميد معهد الدراسات العربية: (ان خصوم العروبة يتصورون انهم كسبوا معارك الحرب السياسية والاقتصادية, وقد يكون لديهم بعض الحق اوكله في هذا الصدد, ومن ثم فهم يريدون ان يتموا انتصارهم على العقل العربي, وهي المعركة التي تستحق ان نخوضها جميعا دفاعا عن حاضرنا ومستقبلنا) . اقول انني لن اتوقف عن التفاصيل والآراء على اهميتها وسأتلمس ملامح المزاج العام, لدى المثقف العربي, والمحرك النفسي, والاستشراف المتصدر للمستقبل كما بدت لي مما هو مشترك في الحوارات. واول ما اسجله هنا: انه رغم ان هناك من يعبرون عن وجهة النظر التي ترى انه دون ان تعود فلسطين لاصحابها من النهر الى البحر ومن رفح الى الناقورة, فلا يمكن القول بأن السلام قد عم المنطقة, فإن الاتفاق الغالب هو ان ما تم منذ وقف اطلاق النار في حرب 73 في اتجاه التفاوض والاتفاق مع الاسرائيليين لايمكن تجاهله او انكاره او البداية من نقطة جديدة سابقة عليه. اقول اعترافاً بأهمية ماتم او تراكم منذ توقيع اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية في سنة 1979 وما تلاها من تطورات تمثلت في اندلاع حرب الخليج الثانية وانعقاد مؤتمر مدريد, والاتفاق الاسرائيلي الفلسطيني ثم الاتفاق الاردني الاسرائيلي حتى المفاوضات السورية الاسرائيلية التي توصل فيها الطرفان الى اتفاق حول 52 نقطة كانت تمهيدا لاعلان مبادىء في سنة 1996 لولا وصول الليكود للحكم, كما جاء في الورقة التي قدمها عيسى درويش السفير السوري في مصر لندوة التصور العربي للسلام. تغيير الاسلوب وليس معنى الاعتراف بحقيقة ماتم هو الموافقة عليه او الاقرار بتطويره والبناء عليه فهناك من بين الذين يعترفون ان الاتجاه العام في المنطقة هو إلى ترسيخ التسوية الجارية, يشكك في دوافع كل الذين يؤيدون هذا التوجه على الجانب العربي, ولايرى ان هذه الدوافع تشكل اساسا صالحا لاتفاق عام تجتمع عليه التيارات السياسية المختلفة. ولكن هذا الاعتراف بالتحول في اسلوب ادارة الصراع العربي الاسرائيلي من النهج الذي كان محل اتفاق عام منذ وضع هذا الصراع في مقدمة جدول اعمال العالم العربي, وهو نهج المواجهة الى ان يتم الانتصار على اسرائيل واستعادة الحقوق العربية كاملة هو مقدمة لوضع استراتيجية جديدة تضمن المحافظة على المصالح العربية: ارضا واقتصاداً وامنا وموارد وهوية. واذا كان هناك انصار للتفاوض على تسوية سلمية مع اسرائيل منذ وقت مبكر فليس هؤلاء هم الذين اعنيهم بتزايد عدد المعترفين بالنتائج التي حققتها المفاوضات على ارض الواقع, وصنعت واقعا جديدا, ولكن اعني بهم هؤلاء الذين اعادوا النظر على ضوء تقييم تجربة جبهة الصمود والتصدي التي قامت بعد اقرار معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية, والتنسيق السوري العراقي وهي التجارب التي لم يكتب لها النجاح ثم اجتياح العراق, وغزوه لدولة الكويت وانفراط عقد النظام الدولي وانفراد الولايات المتحدة الامريكية بموقع القطب الواحد. ان العالم العربي, واعني هنا نخبته القيادية لم تعد تبني فكرها وتصورها فقط على اساس هشاشة الاسس التي تقوم عليها التسوية التي تدور عجلتها وتتفوق ثم تتحرك ببطء ولكن على اساس الاعتراف بأن هناك شكلا جديدا من اشكال الصراع بين العرب واسرائيل لايقوم على الاستعداد لحرب شاملة تقيم ميزان العدل. اسطنبول جديدة ويتداخل مع هذا الملمح, في الوجدان العربي, ملمح آخر هو الحذر من الخطة التي تدخرها اسرائيل لتكون هي زعيمة المنطقة وقطب الرحى, وصاحبة اليد العليا في كل ميدان. هناك اكثر من واحد, عبر عن هذا المعنى بكلمات مختلفة وامثلة متباينة وسأنقل بضعة سطور من ورقة جميل مطر مدير احد المراكز السياسية البحثية: (فاذا تحقق هذا الوضع نصبح امام احتمال له سوابقه التاريخية نحن امام احتمال ان تصير اسرائيل اسطنبول جديدة في المنطقة عاصمة المال او النفوذ أو القدوة تزداد انتعاشا بقدر مايزداد محيطها العربي تخلفا هي لسان المنطقة وممثلها في العالم الخارجي, وهي اذن المنطقة هي صانعة حس المنطقة وصانعة تطلعاتها) . ولم يكن المراقبون العرب في حاجة الى بذل جهود لاستشفاف النوايا الاسرائيلية فقد كانت الادلة ماثلة امام العيون ومن الامثلة الناطقة كتاب شيمون بيريز الذي خصصه لما سماه (الشرق الاوسط الجديد) يتصور فيه المنطقة بعد السلام وقد تحولت الى تجمع اقليمي واسرائيل في القلب منه كماكانت مؤتمرات القمة الاقتصادية مجالا صالت فيه اسرائيل وجالت, وقدجاءت اسرائيل الى قمة عمان وهو تحمل 218 مشروعاً تصل تكاليفها الى 25 مليار دولار. لقد استشف العرب ان اسرائيل لاتريد تقاسم المنافع, بقدر ما تريد السيطرة على الموارد المختلفة, واستغلال تفوقها التكنولوجي والاقتصادي وعلاقتها المتميزة بالغرب, لتبني امبراطورية اقتصادية. ومن هنا عبر البعض ان اسرائيل تريد استبدال الاحتلال الاقتصادي بالاحتلال العسكري ولم يكن اكتشاف العرب للتفوق الاسرائيلي وليد المرحلة الحالية من العلاقات العربية الاسرائيلية, ولكنه كان واحدا من نتائج حرب ,67 التي جعلت العرب يعيدون النظر في تقييمهم لاسرائيل من نواح عدة. اما الحذر والتشكك بل الخوف من الهيمنة الاقتصادية الاسرائيلية في الوقت الراهن فترتبط ببدايات التطبيق العملي للمشروع الاسرائيلي القائم على الهيمنة والسيطرة وفرض التوجهات وضبط ايقاع التقدم واساليبه على المنطقة باسرها. وكانت المفاوضات المتعددة الاطراف هي الساحة التي احس فيها العرب بما يجري تخطيطه. متى نبدأ؟ وسواء كان المواطن العربي متحمسا للسلامة او رافضا للاسس التي تدور عليها التسوية الجارية, فإن مواجهة الهيمنة الاسرائيلية في ظل الظروف الجديدة باساليب مختلفة كانت واحدا من مشاغل الذهن العربي ومخاوفه. ولهذا كان الملمح الثالث الذي يمكن الاحساس به ويشكل المزاج العربي الراهن هو استنفار النفس ونفض الركود والتخلص من الترهل الاجتماعي والسياسي ليكون العرب على مستوى العصر واندادا لاسرائيل بحيث توضع في حجمها وجزءا من المنطقة وتلتزم بالامتثال للسلام العادل الشامل. وحين ترتفع اصوات النخبة العربية باعتماد العقلانية والديمقراطية وحقوق الانسان قيما سائدة في العلاقات بين الحكام والمحكومين وفي المجتمع كله فإنما يدافعون عن وجودهم ومستقبلهم وضمان انتصارهم في المنافسة مع اسرائيل وهي قيم لابديل عنها في ظروف تنتفي فيها الحرب وسيلة وحيدة لاسترجاع الحقوق. ان النفس العربية تصطدم بالرغبة في تغيير واقعها وتحقيق التنمية والتقدم اللازمين للحياة في العصر. حضرت منذ اسبوعين ندوة حول صناعة المعلوماتية والتحديات التي تواجهها في مصر نظمها مركز دراسات الدول النامية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة وبعد ان انتهى المحاضر القدير من حديثه المثير وتجمعت امامه الاسئلة والاستفسارات قرأ تعليقا واحدا جاء فيه المهم متى تبدأ؟ متى نبدأ السير على طريق يقضي على العقبات ويحقق الاحلام؟ وقال المحاضر ان هذا التساؤل يكفي لانهاء المحاضرة. المهم متى نبدأ وكيف نبدأ.