عملت في الميدان الصحفي اكثر من عشر سنوات متتالية, ما بين اواسط الخمسينات والستينات, فأتيحت لي بالتالي الفرص العديدة للتعرف على العديد من كبار المسؤولين في دنيا العرب ومن فاتني شرف التعرف عليهم اثناء تلك الفترة, تعرفت عليهم فيما بعد, من خلال عملي السياسي والدبلوماسي في منظمة التحرير الفلسطينية على امتداد ثلاثين سنة ما بين اواسط الستينات والتسعينات. وباستطاعتي الزعم ان من بين هؤلاء الكبار,وعلى مستوى القمم, من توطدت العلاقة معهم واتسمت بسمة شخصية تجاوزت (الرسميات) . وعلى الغرم من ذلك, فاني لم اشعر, طيلة هذه الاربعين سنة, بالراحة أو الاطمئنان عندما اتقدم الى سفارة اي من هؤلاء المسؤولين بطلب سمة دخول الى جنته. واذا حدث وحصلت على تلك (الهبة) فان القلق لا يفارقني حتى أصل الى مطار تلك الجنة وأرى الضابط المسؤول قد مهر جواز سفري بخاتمه, ليعيده الي, وليومىء بعد ذلك باشارة من يده او هزة من رأسه بان ادخل!! فاذا كان هذا حال من مثلي, وله كل هذا الرصيد من المعارف والاصدقاء, ومن كانت مهنته الصحفية او السياسية, تفترض تسهيل معاملات سفره وتنقلاته, فلك ان تتصور كيف يكون حال الفقير اليه من عباد الله تعالى المستضعفين! وقبل ان يتوهم القارىء ان لهذا النهج التعذيبي علاقة بهوية هذا النظام او ذاك مما كنا نطلقه من اوصاف على انظمتنا العربية في سالف الزمان, فاني اسارع للقول بان هذه الانظمة لم تتفق يوما فيما بينها على امر كما هي متفقة على تعذيب الناس في منح او منع سمات دخولهم او خروجهم بين قطر واخر. ولعل وزراء الداخلية العرب هم وحدهم من بين سائر الوزراء العرب الذين لا يلتقون اثناء اجتماعاتهم الدورية مما يمكن ان يختلفوا من حوله بالنسبة الى اتخاذ القرارات القومية والمتعلقة بتعذيب الناس, بل لعل هؤلاء الوزراء هم وحدهم الذين يجتمعون هذه الايام على المستوى القومى من دون اي عناء او ضغوط داخلية او خارجية. كانت مجلة (الحوادث) اللبنانية والتي كنت مديرا لتحريرها من المجلات العربية المحسوبة على التيار الناصري. وهي كانت فعلا كذلك حتى العام 1967 عندما نكصت عن خطها اثر انتكاس الخط القومي بهزيمة حرب حزيران. مع ذلك, فلقد اوقفت اكثر من مرة في مطار القاهرة ولم يسمح لي بالدخول الا بعد سين وجيم واستفسارات واتصالات. ولما تكررت التجربة, سمحت لنفسي بالتعبير عن دهشتي لما يحدث امام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بحضور الصديق محمد حسنين هيكل الذي اغتنم الفرصة ليعبر هو الاخر عن امتعاضه من بعض تصرفات (الاجهزة) ووعدني بحضور الرئيس بالطبع بان يتولى هذا الاخير لكي لا تتكرر التجربة. بعد اسبوع بالضبط عدت الى القاهرة, فتكررت التجربة المرة, مما اثار غضبي, وطلبت ان اعرف السبب او ان اعود على متن نفس الطائرة التي جئت بها. ولعل ارتفاع صوتي اوحى للضابط المسؤول ضرورة الاستقصاء والتروي, فاستأذن لحظة ليعود الى بعد ذلك قائلا: (نحن آسفون يافندم, المسألة وما فيها ان هناك التباسا بين اسمك واسم احد كبار المهربين) .وقاطعته رافضا المصالحة المخادعة وقلت له: (ليس هناك اي التباس. فلا يحمل اسمي في عائلتي غيري. وانا هو المتهم الذي تبحثون عنه. ولتأكيد ذلك سأعطيك اسم العراب الذي اتعامل معه) . واخرجت من حقيبة يدي اخر اعداد (الحوادث) وكان على غلافه صورتي مع الرئيس الراحل التقطت اثناء قيامي بحوار معه! ولا داعي لتفصيل ما حدث بعد ذلك, لان العبرة هي فيما حدث فقط. وذات يوم, وفي احدى الدورات العامة للجمعية العمومية للامم المتحدة, رافقت اخي (ابولطف) في زيارة مجاملة لجلالة الملك حسين في مقره بفندق والدورف استوريا في نيويورك.. وكان الملك كعادته في منتهى الكياسة اذ استقبلنا على باب جناحه بأطيب الكلام واحلاه. ثم دار حديث بينه وبين (ابولطف) حول اوضاع المرحلة آنذاك, وكان يشاركنا الجلسة المرحوم عبدالحميد شرف رئيس الوزراء, ولما قيل كل ما قيل او ما يمكن ان يقال, تلفت الملك صوبي وقال: (لم نسمع منك ما تقوله على ما دار بيننا) وقلت لجلالته: (يا جلالة الملك لقد تباحثت انت واخي (ابو لطف) بشؤون استراتيجية وسياسية عليا, وانا رجل همومي بسيطة وليس هنا محلها) ولاحظ الملك ان لدي ما اريد قوله فتطلع الى رئيس وزرائه وصديقنا المرحوم عبدالحميد شرف, الذي سارع باسلوبه المهذب والظريف وقال للملك ما سبق لي ان شكوت منه حول (سمة الدخول) الى الاردن ومايراودني من هواجس اذا ما حصلت عليها في مطار عمان لحظة إذ قال الملك مستهجنا: (كيف يمكن حدوث ذلك؟) ثم تطلع الى وقال لي: (باستطاعتك اعتبار نفسك ضيفا علينا اية لحظة تشاء) شكرت الملك بالطبع, ولكني لم استطع الا ان اقول (يا جلالة الملك, مشكلتي وحللتها, ولكن كم من الفلسطينيين يستطيع ان يحظى بما حظيت انا به, فيلقاك أولا ثم يصبح ضيفاً عليك؟ واردفت و(ياليت جلالتك تسألني عن سبب رغبتي بزيارة عمان اصلا, ولما استفسرني قلت: (من اجل صحن فول , لقد تعودت على زيارة مطعم شهير للفول يملكه رجل يافي من بيت الكلحة, وكل ما في الامر, اني اريد تذوق هذا الصحن ثانية!!) . تلفت الملك صوب ابو لطف وهو متبسم وقال له: (صحيح اننا بحثنا في شؤون استراتيجية وسياسية عليا, ولكن ما قاله الاخ شفيق لا يقل أهمية عن ذلك) . ولا داعي لتفصيل ماحدث بعد ذلك, لان العبرة هي فيما حدث فقط. وفي الجعبة عشرات الحوادث المماثلة, ولكني سأروي واحدة اخرى واكتفي لاستكمال الصورة. كنت وصديقي الدكتور احمد صدقي الدجاني, تلقينا الدعوة, ذات مرة, لزيارة قطر عربي بدعوة من رئيسها, للمشاركة في مهرجان ثقافي سياسي في ليبيا قبل ان يضاف اليها لقب (العظمى) . طبعا لم يزعجنا كثيرا انه لم يكن احد باستقبالنا, ولكن مالم يخطر على بالنا ان يستوقفنا مأمور الجوازات مشككا بسمة الدخول الممهورة على جوازاتنا, لماذا؟ سألناه فقال: (وكيف يمكن ان تكونا في عداد وفد فلسطيني واحدكما يحمل جوازا لبنانيا والثاني مصريا؟ وتطلعت الى اخي الدكتور الدجاني, المشهور بسعة صدره وطول باله فلعله ينوب عني بالاجابة على هذا السؤال المسؤول في بلد يقر بابداعه لمصطلح (قومية المعركة) وسعيه المتواصل لاقامة اية (وحدة) مع اي قطر عربي آخر مستعد لذلك. ولا داعي لتفصيل ما حدث بعد ذلك, لان العبرة هي فيما حدث فقط وليس في كل ما رويناه ما يغيظ ويثير الحنق اكثر من تلك الاجابة الممجوجة التي تسمعها في كل عواصم العرب ردا على سؤال: لماذا هذا التعذيب للناس؟ الجواب المعقب والمثير للسخرية: نفعل ذلك لأسباب امنية, وعلينا الا ننسى اننا في حالة حرب مع العدو الاسرائيلي. وسؤالنا (كم من مرة كشفتم مؤامرات اسرائيل عبر هذه التبريرات المفلسفة؟ ثم اذا كان الامر كذلك, فما بالنا نلقى نفس المعاملة, ولم يعد من حرب ولا من يحاربون! ان حق التنقل للفرد, ضمن دولته, او الخروج منها ثم العودة اليها هو حق من حقوق الانسان المنصوص عليها, في الشرعة العالمية وفي البند 135 من القانون الدولي. ولقد آن الاوان لدولنا العربية ان تحترم هذا الحق الذي لم يبق للمواطن من حق غيره بعد ان سلبت كل حقوقه, هذا اذا كان يهمها ان يبقى لديها مواطنون وان لا يهاجرها اصحاب العقول والكفاءات ممن تذخر بهم, وتعتز بهم الى دول لا يربطهم بها سوى احترامها لحقوق الانسان. ملاحظة: كتبت هذا المقال بانتظار (سمة دخول) الى قطر عربي, ومازلت انتظر منذ اكثر من اسبوعين, والله مع الصابرين) .