إذا كان من الصحيح أن العملية التاريخية الرئيسية, التي تشهدها المرحلة الراهنة من تطور البشرية, هي (العولمة) أو (الكونية) , وإذا كان من الصحيح أيضا أن الاقتصاد العالمي يزداد ترابطا وتداخلا وان الاعتماد الاقتصادي المتبادل تترسخ قواعده, وإذا كان من الصحيح أن: رؤوس الأموال, والتجارة, والاستثمار يتدفق بسرعة, ويسر غير مسبوقين, عبر الحدود السياسية بين الدول, وإذا كان من الصحيح كذلك ازدياد مساحة: القضايا, والمشاكل, والاهتمامات, التي يمكن وصفها بالعالمية, سواء من حيث المخاطر التي تمثلها, أو من حيث الفرص المتاحة لحلها, إذا كان كل ما تقدم صحيحا, فإن ذلك يعني ازدياد أهمية المعلومات, كعنصر حاسم في إدارة المجتمع والدولة, وفي القدرة على تحقيق الأهداف, في عالمنا المعاصر. ذلك, ان تحديد حجم المخاطر الواردة, أو الفرص المتاحة, يرتبط بتوفر المعلومات الدقيقة, والمرتبطة بالموضوع, وبالسرعة المطلوبة. وسواء كنا نتحدث على المستوى الجزئي (المايكرو), أي على مستوى: مشروع اقتصادي, أو شركة تجارية, أو هيئة حكومية, أو كنا نتحدث على المستوى الكلي (الماكرو), أي على مستوى إدارة الموارد في الدولة ككل, فإن وجود قنوات مفتوحة, تسمح بتدفق المعلومات, هو شرط رئيسي لمعرفة مدى النجاح أو الاخفاق, ومدى رشادة عملية صنع القرار, ومن هنا, تتضح أهمية المعلومات في اطار عالم اليوم, وأهمية أن نتعرف على المبادئ الرئيسية, والقواعد المنظمة, للاتصالات في هذا العالم, حتى نتمكن من تقليل المخاطر وتعظيم الفرص. والمبدأ الأول, هو ادراك (عالمية التفاعلات) , وانسياب المعلومات عبر أنحاء المعمورة, الأمر الذي أدى إلى تقلص الحدود بين الدول والقارات, وسقوط (الجغرافيا) كعنصر مؤثر على حجم التفاعلات بين الدول, بحيث أصبح التنبؤ الذي طرحه أستاذ الاعلام الكندي, ماكلوهان, في نهاية الستينات عن (القرية الكونية) حقيقة واقعة. ومن مظاهر (عالمية التفاعلات) ازدياد الصلة بين أسواق المال وبعضها البعض, وسرعة تأثير ما يحدث في احداها على بقية الأسواق. ومن مظاهرها أيضا, انتقال: الأخبار, والمعلومات, والأحداث في لحظة حدوثها. ولعلنا نتذكر كيف نقلت شبكة CNN التلفزيونية الشهيرة, خلال فترة الغزو العراقي للكويت عام ,1990 الأحداث نقلا مباشرا. كما ان مباريات المونديال الفرنسي الأخير, ومتابعة الملايين لها من شتى قارات العالم, شاهد آخر على (عالمية التفاعلات) . ولم يكن ممكنا أن يحدث كل ذلك, لولا ما وفرته تكنولوجيا: الفضاء, والأقمار الصناعية, والبث المباشر من قدرات. المبدأ الثاني, يتعلق بالتداخل المتزايد بين عدد من الأنشطة والصناعات التي تطورت في الماضي بشكل مستقل عن بعضها البعض. فعلى سبيل المثال, فإن: الاتصالات اللاسلكية, والحاسبات الآلية, والنشر, وأنشطة الاعلان والترويج, قد أخذت في التداخل والتشابك بفعل شبكات المعلومات الرقمية. وتمكننا التكنولوجيا الحديثة من تحويل الأفلام السينمائية, والبرامج التلفزيونية, إلى مجموعة من الاشارات الرقمية, التي يمكن نقلها من مكان إلى مكان عبر الهاتف. ويمكن لهذه المعلومات, التي تحولت إلى مجموعة من الرموز الرقمية, أن يتم تخزينها, ونقلها بسرعة فائقة, في داخل نفس الدولة, أو عبر الحدود بين الدول. ونفس التكنولوجيا تمكننا من نسخ ونقل: الجرائد, والمجلات, والاعلانات, والكتب, والموسيقى. وهذه الاشارات, متعددة الوسائط, يمكن جمعها فيما يسميه خبراء المعلومات بـ (الوثائق المهيبرة) , والتي تشمل: الصور, والموسيقى, والكلمة المكتوبة, في اطار نفس الوثيقة. المبدأ الثالث, يتعلق بادراك أهمية صناعة المعلومات, بنوكها, وشبكاتها, ونظم تدفقها, في المجتمع المعاصر, ليس ذلك فقط للمكانة المتنامية للمالكين لها على خريطة تقسيم القوى الدولية في عالم اليوم, أو لقيمتها من الناحيتين العلمية والسياسية, أو للصعاب التي يمكن أن تذللها والآفاق التي يمكن أن ترتادها, وإنما, وعلى نحو خاص, من زاوية الحسابات الاقتصادية والمادية الخالصة. وعلى سبيل المثال, فإن صناعة المعلومات, والأنشطة المرتبطة بها, أصبحت المصدر الأول للعملات الصعبة في الاقتصاد الأمريكي, ويرتبط بذلك, ان الاستثمار في مجال المعلومات, والدخول في تحالفات وعلاقات مشاركة بشأنها, يمثل نمطا بازغا من أنماط التكامل في الاقتصاد العالمي, ويتنبأ بعض الباحثين المستقبليين بأن (الاستثمار المباشر) , في أشكاله التقليدية, سوف يتجه إلى التراجع. وان الشكل الجديد لعلاقات التعاون والمشاركة سوف يكون ــ بالأساس ــ في مجالات: المعرفة المشتركة, والمعلومات, وشبكات الاتصالات. فقد أدى هذا التداخل بين الاتصالات اللاسلكية, والحاسبات, وعدد من الصناعات الأخرى, إلى طفرة تكنولوجية هائلة, بالقطع, سوف يكون لها تأثيراتها على اقتصادات الدول المختلفة. وهذا ما أدى بعدد كبير من الحكومات إلى العمل على توفير المناخ الملائم لجذب الاستثمار, وخلق فرص عمل جديدة, في الأنشطة المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات. وارتبط ذلك ببلورة (سياسة للمعلومات) في الدول المتقدمة, من ذلك, مثلا, سياسة الحكومة الأمريكية, في عهد الرئيس كلينتون, نحو تطوير: (البنية التحتية الوطنية للمعلومات) , والتي تهدف إلى تعميم بناء شبكات المعلومات في كل هيئة أو مؤسسة, ثم ربط مختلف تلك الشبكات بشبكة وطنية على مستوى الدولة ككل. ومن ذلك أيضا, اهتمام دول الاتحاد الأوروبي بانشاء (مجتمع المعلومات) في عموم أوروبا. وقد تبلور هذا الاهتمام في الكتاب الأبيض, الذي أصدره الاتحاد عام ,1993 بعنوان (النمو والتنافس) , والذي ربط بين امكانية ازدياد قدرة أوروبا التنافسية, واقتحامها مجال المعلومات بشكل: مكثف, ومتكامل, ومستمر. وفي كل من: دول الاتحاد الأوروبي, والولايات المتحدة, وكندا, فإن سياسة تشجيع صناعة المعلومات تقوم على أساس انها المهمة الرئيسية للقطاع الخاص, وان مسؤولية الحكومات تتمثل في ايجاد الاطار القانوني والتشريعي المناسب, وتوفير الحوافز لتشجيع القطاع الخاص على تركيز نشاطه في هذا المجال. ومن المؤكد, اننا, في الدول العربية, نحتاج إلى مزيد من الاهتمام بهذا الموضوع, واننا بحاجة إلى سياسة واضحة في مجال المعلومات, سياسة لها أهداف محددة, وتتضمن خططا وبرامج عمل واضحة. وهذا يتطلب توفير الموارد المالية اللازمة للتنفيذ. وبالطبع, فإن هناك جهودا مخلصة, في عديد من الدول العربية, في هذا الصدد. ولكن هذه الجهود تعترضها عدة صعوبات: منها, اننا دخلنا هذا المجال متأخرين, ويتطلب الأمر عملا أكبر لتعويض ما فات, ولمواكبة التطورات المتلاحقة, في مجال المعلومات. ومنها ــ في بعض الدول العربية ــ ما يتعلق بحساسيات سياسية أو اجتماعية, وعدم رغبة السلطات المسؤولة في الانفتاح الواسع على شبكات المعلومات العالمية. ومنها ما يتعلق بنقص الموارد المالية والاعتمادات المخصصة لهذا الهدف. ثم تبقى مشكلة طبيعة تقسيم العمل بين الحكومات من ناحية, والقطاع الخاص من ناحية أخرى. وإذا كان مثل هذا التقسيم أمرا ميسورا في الدول الصناعية المتقدمة, حيث يتوافر بها قطاع خاص ناضج, وقوي, ففي أغلب بلادنا العربية, فإن القطاع الخاص لا يزال حديث النشأة, ولا يملك القدرات والامكانات التي تمكنه من القيام بدور مماثل لذلك الذي يقوم به نظيره في الدول الصناعية المتقدمة. ويترتب على ما تقدم, أهمية دور الدولة في المنطقة العربية في مجال المعلومات, وفي ايجاد (البنية التحتية) التي تيسر نشر ثقافة المعلومات بين المواطنين, فمن غير الدولة سوف يقوم بذلك في مجال التعليم, على مستوييه ما قبل الجامعي, والجامعي؟. ولا يعني ذلك, غياب دور القطاع الخاص, خصوصا إذا ما قامت الحكومات بتحديد التوجهات العامة لسياسة المعلومات, وايجاد الحوافز اللازمة لجذب الاستثمار في هذا المجال. وإذا كان حجم الاستثمار اللازم, في بعض هذه الصناعات, يفوق قدرة كل دولة عربية على حدة, فلعل ذلك يمثل مجالا للتعاون العربي والاستثمار المشترك من أجل توفير مستقبل أفضل للأجيال القادمة.