بعد فشل عصبة الامم كنتيجة لسيطرة القوى العظمى عليها وتوجيهها لمصالحها الخاصة, طرحت فكرة انشاء هيئة الامم المتحدة عقب نهاية الحرب العالمية الثانية, وكان الهدف من انشائها هو القضاء على الحروب ووضع صيغة جديدة لحل المشكلات الدولية بالطرق السلمية والحفاظ على حقوق الدول وسيادتها فضلا عن حقوق الافراد. ولكن المؤسسة الاممية وبعد مرور خمسين سنة على انشائها, وقعت في نفس المأزق الذي وقعت فيه عصبة الامم حيث سيطرة القوى العظمى عليها واخضعتها لمصالحها الذاتية بصرف النظر عن مصالح الدول والشعوب الصغرى, وما حرب الخليج الثانية عنا ببعيد حيث كانت الدول الكبرى توافق على اصدار قرارات معينة لقاء ما تحصل عليه من مليارات. بصرف النظر عن الحق أو العدل ولاتزال قصة الكعكة الكويتية والابتزاز المقيت من جانب الدول الكبرى ماثل في الأذهان واذا ما حاولنا ان نبحث عن سر الازمة التي وقعت فيها هذه المؤسسة, نجد انه كامن في النظام الاساسي الذي يحكمها والذي ينص على اعطاء حق الفيتو والالغاء المطلق لأي قرار مهما كان عادلا لخمس من الاعضاء اطلق عليهم اسم الاعضاء دائمي العضوية وهم (امريكا, والاتحاد السوفييتي, والصين, وفرنسا وانجلترا). وهذه الدول الخمسة هي التي كانت تمثل الدول الكبرى في هذا الوقت وربما كان هناك نوع من التكافؤ بينها اما اليوم فقد تغيرت موازين القوى في العالم وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي اختزل في دولة ضعيفة مشغولة بمشاكلها الداخلية ولم يعد في امكانها الحفاظ على التوازن الدولي الذي كانت تقوم به في الماضي, كما ان بريطانيا التي كانت عظمى ولا تغيب عنها الشمس, قد شاخت وتحولت الى دمية في يد امريكا, كما ان فرنسا اليوم ليست هي فرنسا الامس التي كانت تمتد مستعمراتها في وسط وشمال افريقيا, واما الصين فهي دولة مهتمة بمشاكلها الداخلية اكثر من اهتمامها بمشاكل العالم الخارجي وفي مقابل كل ذلك صعد نجم امريكا التي اصبحت اليوم تمثل شرطي العالم. وهكذا فان الظروف التي وضع فيها ميثاق الامم المتحدة قد تغيرت تماما ولم يعد هناك التوازن المأمول بين القوى الخمس مما جعل هيئة الامم المتحدة مجرد اداة في يد امريكا وحدها تسيرها حيث تتحقق مصالحها واهدافها ولو على حساب الآخرين. لقد أصبحت هيئة الامم اليوم مجرد واجهة مضللة واصبح ضررها للشعوب أكثر من نفعها حيث تستخدم كوسيلة تخدير للشعوب الضعيفة التي تنتهك حقوقها وحرماتها انتظارا لحل مشاكلها عن طريق قرارات الامم المتحدة التي لا ينفذ منها شيء (مشكلة فلسطين كنموذج) اللهم الا اذا كان فيه مصلحة للدول الكبرى. فلم تتدخل هذه الهيئة في تاريخها تدخلا عسكريا يحل اي مشكلة الا اذا كان لأمريكا والصهيونية العالمية فيها مصلحة مثل ماحدث في مشكلة العراق وتدمير قوتها النووية التي كانت تشكل عقبة امام اجتياح اسرائيل للمنطقة. بل ان الامم المتحدة قد اصبحت مجرد ستار لتحقيق المصالح الامريكية وهذا ما يصرح به (دين اشيسون) وزير الخارجية الامريكي الاسبق حين قال: (اذا ما كانت سياستنا تقتضي المحافظة على تايوان, فيجب ان نهتم تماما بأننا نرغب بالمحافظة عليها بعيدا عن القارة الصينية واذا ما شئنا التدخل عسكريا فيجب ان نطلب تغطية منظمة الامم المتحدة). وهكذا انقلبت المنظمة الى وسيلة للتغطية, بل ان امريكا الآن لم تعد تحتاج حتى للتغطية على اهدافها من خلال المنظمة ــ فحينما قررت النزول في الصومال فيما اطلقت عليه اسم (عملية اعادة الامل) كانت اساطيلها على شواطئ الصومال قبل ان يصدر قرار الامم المتحدة بأيام وحينما ضربت ليبيا في عملية خليج سرت لم يكن ذلك باذن الامم المتحدة, ولم تستطع الامم المتحدة ان تتخذ اي قرار, وحينما ارسلت حاملات الطائرات العملاقة لضرب العراق بسبب ازمة المفتشين لم تكن قد أخذت اذنا من الامم المتحدة ولو لم يقم كوفي عنان باقناع العراق بنص ما تريده امريكا لكانت قد ضربت العراق دون اي اعتبار للامم المتحدة. وهكذا قررت امريكا ان تكون اكثر وزنا من الامم المتحدة مما اضاع هيبة هذه المؤسسة, ومن أجل هذا ندعو العالم الى التفكير في صيغة جديدة لهذه المؤسسة بعد ان تغيرت الظروف والآليات التي فرضتها ظروف الصيغة الاولى, لابد من وضع صيغة عادلة تجعل جميع الدول خاضعة للقانون الدولي والاعراف المتفق عليها, ومعاقبة أي دولة لا تحترم مقرراتها بما فيها امريكا واسرائيل صاحبة استخدام حق الفيتو الامريكي والتي لم تنفذ قرارا واحدا من قرارات هيئة الامم, نريد صيغة ديمقراطية لا تميز بين صوت وصوت على اساس ان هذا صوت دائم العضوية وهذا غير دائم. والدول العربية والاسلامية التي يشكل تعدادها خمس سكان العالم مدعوة قبل غيرها الى اعادة التفكير في انتمائها الى هذه المؤسسة, فاما ان يكون لهم صوت دائم يحافظ على مصالحهم في مواجهة هذه القوى العالمية, والا فان انسحابهم منها يكون اكراما لهم وأشرف وخصوصا مع تفعيل دور المنظمات الاسلامية العالمية... وللحديث بقية. * استاذ العقيدة والفكر المعاصر بجامعة الامارات