في ضاحية على بعد حوالي ثلاثين كيلومتراً من روما, وفي أحد المنتجعات الجميلة المطلة على بحيرة بركانية والتي هي جزء من سلسلة التلال المرتفعة المحيطة بالعاصمة الايطالية والتي تسمى(قصور الرومان)المطلة بدورها على بحيرة طبيعية في منتجع كستوكندولفوا الذي يحتضن ايضاً القصر الصيفي لباباوات روما اجتمعت مجموعة من المهتمين بشؤون الخليج من عرب وايرانيين وأمريكان وأوروبيين, بدعوة من برنامج الخليج ألفين الذي ترعاه جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك في الاسبوع الماضي, حيث عقدوا ندوة استمرت ثلاثة ايام, وكان بينها يوم كامل لمناقشة غير رسمية لموضوع الجزر الاماراتية في الخليج, قدمت في هذا الموضوع ورقتان الأولى ايرانية والثانية اماراتية وعلق على كلتيهما احد الخبراء المتخصصين في الموضوع وهو أكاديمي وباحث بريطاني. كانت هذه المقدمة طويلة نسبياً قصدتها حتى يعرف القارىء الظروف التي تحيط بالموضوع الذي أنوي الحديث عنه وليس هدفي هنا ان اعلق على الآراء التي تمت مناقشتها, ولكن اريد ان اضع القارىء في جو المناقشات العامة, وبالتحديد وجهة النظر (غير الرسمية) الايرانية, ليس تجاه الجزر فقط ولكن تجاه سياساتهم العامة نحو جيرانهم, خاصة ان كاتب الورقة الرئيسية قريب من السلطات الرسمية الايرانية. الملاحظة العامة الاولى والأكثر تأثيراً ان هناك ــ مع الاسف ــ نقصاً تاريخياً في فهم أهل الخليج العرب لجيرانهم الايرانيين وكذلك فهم الايرانيين لجيرانهم عرب الخليج, وهو نقص يلام عليه الاثنان, وذلك لقلة الاحتكاك بين الاكاديميين والمثقفين وأهل الرأي, وربما السياسيين من على جانبي ضفاف الخليج التي تبدو قريبة على الخارطة ونائية ومتباعدة في أرض الواقع, اضف الى ذلك حملاً تاريخيا قديما ومتجدداً من الشكوك والاحباط والفهم السياسي الخاطىء من كل طرف تجاه الآخر, على الرغم من القرب الجغرافي والتقارب الثقافي العام, والاحتكاك المباشر لقطاعات مختلفة من كلا الشعبين, ولعل كل ذلك اجبر الطرفين ــ خاصة المثقفين منهم وأهل الرأي ــ ان ارادوا الحصول على معلومات عن الطرف الآخر ان يوسطوا طرفا ثالثاً هو الغرب. على هذه الخلفية لم يكن من المستغرب ان يرى الطرف الايراني موضوع الجزر العربية في الخليج بمنظور متسرع وسطحي وربما غير موضوعي ومجتزأ من السياق التاريخي, وقضية الجزر لمن يعرف العلاقات العربية ــ الايرانية هي القطرة الاخيرة من كأس عكر يسمم العلاقات بين جمهورية ايران الاسلامية من جهة ودول مجلس التعاون وربما العديد من الدول العربية من جهة اخرى. الموضوع طويل ومليء بالتفاصيل, فمن المعروف انها جزر ثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة ابو موسى, والاخيرة وقع بشأنها حاكم الشارقة الراحل الشيخ خالد بن محمد القاسمي مذكرة تفاهم سنة 1971, قد استحوذت عليها ايران, وكما قال احد الخبراء الانجليز انه وقعها (موافقاً تحت ضغط) البريطانيين والشاه في ذلك الوقت, ولكن هذه المذكرة رغما عن كل تلك الضغوط فيها مجموعة من الشروط منها استمرار الوجود العربي دون قيد, في الوقت نفسه رفض حاكم رأس الخيمة توقيع أية مذكرات تجاه الجزيرتين الاخريين العائدتين لرأس الخيمة طنب الصغرى والكبرى, وبالتالي احتفظ بحقه وبحق دولة الامارات لاحقاً في المطالبة بهما. وبرغم كل شعارات الثورة الايرانية عن احترامها لحدود الآخرين وانتهاء دور الشرطي الذي كان يقوم به الشاه في الخليج فانه في عام 1992 اخلت السلطات الايرانية ببعض الشروط التي جاءت في مذكرة التفاهم حول جزيرة ابو موسى ومنعت عدداً من العاملين والمواطنين الاماراتيين من دخول الجزيرة, هنا نجد ان وجهة النظر الايرانية التي عرضت في الندوة التي اشرت اليها سابقا تبدو للمراقب المحايد ضعيفة على أقل تقدير, فالسبب الذي قدم كمبرر لهذا الاخلال بتلك الشروط هو ان العدد من المواطنين الذي توجه إلى الجزيرة من ميناء الشارقة هو مائة شخص (قيل انهم مدرسون) يكمل النقاش فيتساءل: هل يحتاج عدد صغير من القاطنين في الجزيرة العرب لكل هذا العدد من المدرسين؟ وتلك تساؤلات فجة, يعقبها بقوله ان الرسميين الايرانيين وقتها في الجزيرة تصرفوا بغير موافقة رسمية! وقد حظيت هذه التصرفات فيما بعد بنوع من التواطؤ الرسمي, هذه الأسباب غير مقنعة للسامع في تغيير ما اتفق عليه, على الرغم من أن ما اتفق عليه كان تحت ضغط واجبار. إلا ان المخاطرة التي أريد ان ألفت إليها النظر في هذا التبرير والذي أتوقع ان الايرانيين مقتنعون به, هو المنطق القائل ان (العرب) ارادوا تغيير الواقع الديموغرافي (السكاني) لجزيرة أبو موسى بارسالهم أعدادا من العرب ,وأقرأ جيدا (كما فعلوا في البحرين في الستينات) أي ان الايرانيين قد وجدوا ان العرب قد غيروا الخريطة السكانية في البحرين حتى غلب عليها العنصر العربي وكنتيجة لذلك جاءت نتيجة الاستفتاء الذي عقدته الأمم المتحدة موالية لعروبة البحرين, وهذا التفكير هو مؤشر خطر على أن الآليات العامة للفكر الايراني تجاه دول الخليج ما زالت كما هي لم تتغير من زمن الشاه إلى الآن, وهي آلية ان صح التعبير مغالية في (القومية) ولا تنتمي للفكر الإسلامي السياسي فهم يعتقدون ان هناك خديعة عربية تمت على أرض ايرانية في البحرين ولا يريدون تكرارها في جزيرة أبو موسى!! لذلك أعيد العرب سنة 1992 إلى الشارقة؟ ودعوني أتساءل معكم هل يوجد شخص له عقلية سوية يمكن ان يأخذ هذا المنحى من التبرير الخطر؟ ان البعض من الأخوة الايرانيين ما زالوا مع الأسف يرددون نفس هذا الموقف (القومي المتعصب) , ليزيد من شعبيته الداخلية والتي تبين في نهاية المطاف انها ليست ذات جدوى في وضع سياسي واقتصادي متدهور وهي النظرية التي أشرت إليها في أكثر من مرة تحت عنوان فن تصدير المشكلات إلى الخارج. من الواضح ان الطرف الايراني لا يريد ان يأخذ بما يفرضه المنطق بالتوجه إلى محكمة العدل الدولية, حيث عرض الباحثون الكثير من السيناريوهات الممكنة لحل هذا الخلاف, تراوحت بين التشدد والمرونة ولكن ليس من بينها اللجوء إلى محكمة العدل الدولية وفي ذلك آية, فالتاريخ, والوقائع التاريخية بالنسبة للجزر العربية ليست في جانب الحجج الايرانية. هناك ملجأ غني ــ ربما أكثر من غيره بمراحل ــ للمصادر التاريخية حول الموضوع وهو الأرشيف البريطاني والمراسلات المختلفة بين الرسميين البريطانيين من جهة والعرب والإيرانيين من جهة أخرى. وقد لجأ بعض الدارسين الإيرانيين لهذا الأرشيف وانتقوا منه ما يؤيد وجهة نظرهم فقط, ولكن كما قال متخصص بريطاني في هذا اللقاء الأكاديمي ان تسعين في المائة من الوثائق البريطانية تؤيد وجهة نظر الامارات في دعواها, وعشرة في المائة فقط تلمح للرأي الإيراني. ولقد أخذ الباحثون الايرانيون تلك العشرة في المائة وبنوا عليها كل أدبيات البحث من أجل تبرير منطقي يرفضه أي منطق, ولن يمضي أكثر قليلا من سنتين كي يفرج عن الوثائق البريطانية التي تؤرخ لسنوات استقلال دولة الامارات, وبها من المعلومات عن هذه المرحلة الكثير. وحري باخواننا في الامارات منذ الآن ان يتحسبوا لما يمكن ان يطلق من هذه الوثائق ويعدوا العدة للحصول عليها, لأنها وثائق دامغة في مرحلة مهمة هي المرحلة التي تكونت فيها هذه المشكلة التي تقف اليوم حجر عثرة بين علاقات صحية ومتوازنة بين الطرف العربي في الخليج والطرف الايراني. على الرغم من ان بريطانيا في أثناء وجودها الطويل في الخليج لم تكن مهتمة لا بالمصالح الايرانية ولا بالمصالح العربية, وكان اهتمامها أولا وأخيرا بالمصالح البريطانية وبسلامة تجارتها وخطوط مواصلاتها في الخليج, فإنها اعتمدت على الوضع القائم. ومن المعروف ان الوضع القائم وقتها ولوقت طويل بأن المسيطر على الخطوط البحرية ومنها الجزر والشواطىء هم العرب القواسم وحلفاؤهم, وليس لشيء إلا لأنهم يعرفون البحر, فالايرانيون لم يكونوا شعبا بحريا بما تعنيه الكلمة من معنى, فقد كانت معيشة معظمهم في البر مؤمنة في بلاد بها من المنتجات الزراعية وغيرها الكثير, مما لا يرغمهم على ركوب البحر, فأصبح والأمر كذلك سادة البحر والشواطىء بضفتيها في معظم هذه الفترة هم العرب. وقد وجدها البريطانيون كذلك فأمنوا عليها, ربما اختلفت بعض المصالح في نهاية الستينات وبداية السبعينات وبدا للقوة البريطانية وحلفائها ان شاه ايران يمكن ان يكون شرطي الخليج, فقامت بتحقيق بعض أحلامه الامبراطورية في بداية السبعينات, ولكن الثورة الايرانية قالت على لسان أكثر من مسؤول في بداية الأمر إنها ليس بالضرورة تتمسك بما تمسكت به حكومات الامبراطور السابق, وفسر ذلك خليجيا تفسيرا حسنا, واستقبل بترحاب في ذلك الوقت. الحديث عن الجزر من وجهات نظر مختلفة حديث طويل , ولم أرد إلا ان ألفت النظر لأهمية حديث الوثائق, وعليَّ ان أقول ان العديد من الايرانيين كأمثالهم العرب الخليجيين يريدون حلا شاملاً وسلميا لهذه القضية التي كما قلت تسمم العلاقات الخليجية ــ الإيرانية, وهو حل يبحث عنه الجميع من أجل استقرار أفضل في هذه المنطقة الحيوية من العالم. ان التشبيه يأتي مع الفارق في الحالتين, وأعني به قضية الخلاف حول منطقة (طابا) بين اسرائيل ومصر, لقد جمعت اسرائيل ملفا ضخما مليئا بقصاصات الصحف والتصريحات والخطب واعدت مصر ملفا مليئا بالوثائق البريطانية والتركية والخرائط القديمة وعندما قدمتها أمام محكمة العدل الدولية كانت الحقيقة أكبر من ان تقاوم وجاء الحكم في صالح الحكومة المصرية. انني أثق في ان دولة الامارات تأخذ هذه الواقعة في اعتبارها وتبني استراتيجيتها على هذا الأساس, فلا يوجد مانع من الجلوس والتفاوض ومحاولة نزع فتيل التوتر بين الجانبين ولكن يجب تدعيم هذا الملف بكل الأسانيد, ولا مانع من لقاء الباحثين الايرانيين في امثال هذه الملتقيات الدولية مع الوضع في الاعتبار ان الوثيقة هي أقوى من ظنون وسوء فهم القيادات المختلفة.