الرابطة الثقافية والتعليمية بين مصر والسودان تظل واحدة من مكونات العلاقة الازلية بين شعبي وادي النيل الراسخة، فعلى مختلف مراحل التاريخ المشترك للمصريين والسودانيين كان العلم هو الرافد الذي يمد علاقات الشعبين بخصوصيتها المتميزة, وكان مثل النيل لا ينقطع سريانه كما الحياة ذاتها. والمؤتمر العلمي ــ السياسي الذي تنظمه رابطة الاكاديميين السودانيين خارج الوطن (الأول الى الخامس من اغسطس) في القارة وتستضيفه جامعة عين شمس العريقة (جامعة ابراهيم باشا حتى عام 1954), هو واحد من ثمار هذه العلاقة الفريدة المتميزة بين السودانيين والمصريين في مجال من اخطر وأهم المجالات (مجال التعليم), لقد كانت فكرة المؤتمر في حد ذاته حلما وأملا ليس في عقول وقلوب الاساتذة الاجلاء الاكاديميين السودانيين, ولكن في عقول وقلوب كافة السودانيين المهمومين بهموم ومشاكل الوطن, وكان السعي لها والعمل من اجل إبرازها الى حيز التطبيق عملا وسعيا دؤوبا شغل الاكاديميين وغيرهم من قادة العمل الوطني السوداني في السودان الآخر, سودان المنافي والملاجىء والنزوح الذي خلقته الجبهة الاسلامية وفرضت وجوده علينا. عندما افتتح المؤتمر في قاعة دار الضيافة الفخمة في جامعة عين شمس تداعت كل هذه المعاني الى الذهن, وعندما رأيت هذا الحشد الرائع من علماء السودان الذين تجمعوا في القاهرة, وجاءوها من بلاد بعيدة وفي ظروف صعبة, ادركت كم كانت وستكون خسارة الوطن كبيرة وجسيمة بشكل لا يعوض, لولا ان ذلك الخيط السحري الذي ظل يربط الانسان المثقف السوداني بوطنه كان من القوة والمتانة بحيث لم تقطعه كل الحماقات ضد المبدعين المستنيرين من علماء وأساتذة الجامعات السودانية!! (مؤتمر واقع ومستقبل التعليم العالي) في السودان الذي ينعقد في القاهرة يشكل حلقة في سلسلة رائعة من الجهد الذي تبذله قوى الديمقراطية والتقدم والمستقبل, من اجل استعادة الحياة للسودان المنهك والمتعب الآن, كانت فكرة المؤتمر ــ كما قال البروفيسور فاروق محمد ابراهيم ــ ان الاكاديميين السودانيين امام هذا الواقع المتردي للمستويات والحياة الجامعية لم يستطعوا ان يقفوا مكتوفي الايدي وهم يرون البنيان التعليمي الذي اقامه السودانيون بجهدهم المتميز والذي جعل (للخريج السوداني) مكانة وسمعة تجاوزت حدود الوطن والاقليم وهو ينهار أمام أعينهم دون ان يبذلوا جهدا مطلوبا وواجبا تجاه الوطن في حاضره البائس ومستقبله المأمول, والمؤتمر اذ يناقش قضايا الواقع الاليم بنظرة علمية ومنهجية أكاديمية صادقة, انما يشرح حالة لم تعد خافية على الاوساط التعليمية والمهتمة, بل اصبحت (حالة معاشة) يعرفها الآباء والامهات السودانيات في بيوتهم, ويعرفون العامة والخاصة وهم يرون هذا النزوح الجماعي للطلاب السودانيين الى الخارج والهروب الجماعي من الوطن لذلك فإن المؤتمر يعنى ــ ضمن ما يعنى به من موضوعات هامة ــ ببحث ومناقشة المشروع الذي اعده اكاديميون حول انشاء جامعة سودانية ومعهد عال يجمع شتات الطلاب السودانيين النازحين من الوطن (بلغ عددهم حسب احصائيات عام 1997 ثلاثة وعشرون الف طالب ثانوي ودراسات عليا) وتلك فكرة تستحق الى جانب البحث والدراسة الدعم من كافة قطاعات السودانيين المنتشرين خارج الوطن. وسيناقش المؤتمر ــ في باب الاحتياجات العاجلة ــ اقتراحا جيدا تقدم به رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي بإصدار نداء من القاهرة الى المجتمع الدولي ومؤسساته التعليمية للمساهمة في تحقيق برنامج اسعافي للتعليم في السودان. الآلاف من الطلاب السودانيين تقطعت بهم سبل الدراسة والتعليم وهم يواجهون ظروفا صعبة وقاسية خارج الوطن, كنتيجة طبيعية لما يجري داخل الوطن, وهؤلاء مثلهم ــ مثل ضحايا المجاعات والحروب من حقهم ان يساهم المجتمع الدولي في البرنامج الاسعافي العاجل لتعليم ابناء وبنات السودان, وفي خطط وبرامج المستقبل يبحث المؤتمر أوراقا ومشروعات لإعادة بنيان الكيان التعليمي الجامعي والعالي في السودان الجديد, وهي اوراق ومشروعات أعدها علماء وأساتذة سودانيون مشهود لهم بالكفاءة والخبرة والعلم الغزير ليس في وطنهم ومحيطهم السوداني بل على مستوى العالم. أروع ما في المؤتمر ليس الدقة والصراحة العلمية التي صيغت بها الابحاث والدراسات والمشروعات, وشخصت بها الحالة الحالية لواقع التعليم العالي في حاضر السودان البائس إضافة الى الروح المعنوية العالية والصادقة التي سادت المؤتمرين. قاعة الاجتماعات تكتنفها روح التفاؤل والعزيمة لتسيطر على الجميع, وان المرء اليوم على يقين بأن هذا المؤتمر العلمي الذي ينعقد في قاعة مغلقة, سيكون له غدا اثرا خطيرا وهاما في حياة السودان والسودانيين, ذلك لأن النهضة التعليمية والتجديد العلمي, هما السلاح لمواجهة المستقبل. وذلك الرهط من السودانيين المجاهدين بحق من اجل الوطن والشعب, سيؤكد بحق ايضا انهم ابناء وأحفاد ذلك الجيل من السودانيين الذي شيد في وجه الاستعمار المدارس الاهلية والمؤتمر والأحفاد.