على الرغم من مرور عام على التخلص من حكومة اربكان في28يونيو العام الماضي. ما زال الوضع السياسي في تركيا ومستقبله غامضا. اذ فشلت حكومة مسعود يلماظ في تحقيق الاستقرار السياسي وإنهاء الخلافات بين الحكومة المدنية والقيادات العسكرية والتي لم تتردد خلال العام الماضي في توجيه انذارين ليلماظ في مارس ويوليو داعية اياه لإصدار القوانين والقرارات اللازمة للحد من نشاط القوى والتيارات الاسلامية وهي القوانين التي سبق وأن أقرها الامن القومي في اجتماعاته السابقة ووعد مسعود يلماظ بإصدارها فور تشكيل حكومته في 28 يونيو العام الماضي وبعد ان حظيت بتأييد العسكر, ودون ان يكون قانون التعليم الالزامي الذي اصدره البرلمان كافيا لإرضاء القيادات العسكرية التي استمرت في ضغوطها على الحكومة التي لم تنجح بدورها في تمرير أي من القوانين التي يطالب بها الجيش من البرلمان. اذ نجحت احزاب المعارضة (الفضيلة والطريق الصحيح) في التصدي لهذه القوانين ولم يتشجع لها الجناح المحافظ في حزب الوطن الام الحاكم. ولأن هذا النجاح كان يحسب الحساب لأصوات الناخبين من الفئات المتدنية وهي بحاجة لدعم هذه الفئات خاصة بعد ان وجد رئيس الوزراء مسعود يلماظ نفسه مضطرا للقبول بإجراء الانتخابات البرلمانية في ربيع العام المقبل. وهو ما اتفق عليه مع دانيز بايكال زعيم حزب الشعب الجمهوري الذي يدعم الحكومة من الخارج, اذ هدد بايكال بسحب دعمه للحكومة وإذا لم يوافق يلماظ على مطالبه بإجراء الانتخابات في مارس المقبل وشريطة ان يقدم يلماظ استقالة حكومته قبل ذلك بما لا يقل عن ثلاثة اشهر وليتسنى تشكيل حكومة مستقلة تحكم البلاد حتى موعد الانتخابات. هذه الشروط التي وافق عليها يلماظ مضطرا, ادت لردود فعل داخل الائتلاف الحكومي. اذ استنكر نائب رئيس الوزراء وزعيم حزب اليسار الديمقراطي بولنت أجاويد رضوخ يلماظ لتهديدات بايكال في الوقت الذي دعى حسام الدين جين دوروك لإجراء الانتخابات قبل هذا العام وليساهم ذلك في انهاء الازمة السياسية. وقال جين دوروك زعيم حزب تركيا الديمقراطية ان هذه الحكومة الحالية لن تستطيع ان تستمر هكذا وتحت ضغوط وتهديدات دانيز بايكال. هذه التطورات السياسة ارغمت شركاء الائتلاف الحكومي لعقد قمة عاجلة السبت الماضي وليتفقوا معا على اجراء الانتخابات المبكرة في 25 ابريل المقبل ومع الانتخابات البلدية العامة. هذه الانتخابات التي سيصدر البرلمان القانون الخاص بها, ستعني الكثير بالنسبة لمستقبل تركيا السياسي, اذ يعرف الجميع بأن القيادات العسكرية ليست متشجعة لمثل هذه الانتخابات وبعد ان أثبتت استطلاعات الرأى بأن حزب الفضيلة (الاسلامي) مازال الحزب الاكبر والأول على الشارع السياسي. وهذا ما يدفع العديد من الأوساط الصحفية والسياسية للحديث عن احتمالات حل حزب الفضيلة ايضا (كما حدث للرفاه) قبل فترة قصيرة من الانتخابات البرلمانية. وليمنع ذلك على الاسلاميين من العودة الى السلطة السياسية أو البلديات. هذه الحسابات المثيرة الخاصة بالفضيلة, وان تحققت فسوف تفتح صفحة جديدة في حياة تركيا وتطوراتها السياسية المعقدة والصعبة أساسا, ولأن الشارع السياسي لن يتحمل مثل هذه الضغوط النفسية خاصة ان شعبية حزب الفضيلة والطريق الصحيح لا تقل عن 40% من أصوات الناخبين, وهو ما يعني حوالي 11 ــ 12 مليون ناخب. هذه الاحتمالات المثيرة ترافقها مراهنات أكثر اثارة فيما يتعلق بمستقبل دور الجيش في الحياة السياسية.. اذ تتحدث الأوساط الصحفية والسياسة منذ فترة عن احتمالات ابتعاد القيادات العسكرية من الحياة السياسية. وخاصة بعد ان يصبح الفريق أول حسين كيفريك أوغلو قائدا للأركان مع بداية أغسطس وخلفا لقائد الاركان الحالي الفريق أول كاراداي والذي سيتقاعد وفقا للقانون. اذ تقول الأوساط المذكورة بأن كيفريك اوغلو أكثر تفهما ومرونة في موضوع الاسلاميين, وهو الاحتمال الذي ان تحقق فتركيا ستدخل مرحلة جديدة من حياتها السياسية التي ستعني الكثير بالنسبة لمستقبل الجمهورية التي تستعد للاحتفال بالذكرى (75) لقيام الجمهورية التركية والتي أراد لها مصطفى كمال اتاتورك ان تكون ديمقراطية علمانية وعلى ان يبقى الجيش حارسها الى الأبد. ولكن اثبتت التطورات خلال طيلة هذه الفترة بأن الرياح لم تجر كما اشتهاها اتاتورك... ولكن في نفس الوقت أثبتت هذه السنوات بأن الشعب التركي قد تعلم ايضا الكثير من هذه التجربة التي جعلت منه وبدون شك شعبا يختلف عن باقي شعوب المنطقة التي تحيط به وفي كثير من الامور السياسية والديمقراطية والاهم من ذلك في فهمه للاسلام وتطبيقه له. وفي جميع الحالات هو الان شعب تركي قومي اسلامي ولكن في نفس الوقت هو أقرب الى الغرب عنه من الشرق!!