ليس في وسع أي امرئ تجاهل حروب الاعلام الخاطفة أو تفادي غاراته المباغتة التي تداهمنا مرة على الأقل كل صيف. تجتاحنا هوليوود كل عام بأحدث أو أعظم ما أبدعته لتبهرنا وتدهشنا وتدخل البهجة على العامة من الناس وربما كان الحدث الأكبر الذي تطالعنا به هذه السنة (جادزيلا) , وهو وحش هائل طارت شهرته في الآفاق, لدرجة ان اسمه مدرج في جهاز كمبيوتري الشخصي. ولعل الفضل في ذيوع صيته لوحات الاعلانات التي روجت له وصورت ضخامته. فالحجم عامل لا يستهان بأهميته وله قدرة هائلة على ابهارنا جميعا. ضخامة الحجم تروعنا إذن ولها اعتبار سام فيما إذا كنا نبحث عن دورها في المؤثرات السينمائية الخاصة وإذ نأى بنا الحديث عن فن التمثيل الحقيقي وأساسيات الفن السينمائي الراقي. فالفن الرفيع في صناعة السينما مفهوم أوسع بكثير من التهويل المستمد من صورة وحش يروعنا حجمه يجتاح المدن ويدمرها, مهما كان الأثر الترويجي الذي تطبعه فينا تلك التقنيات الخاصة. وجرت العادة أن يعقد مؤتمر كل عام يستضيف رؤساء أكبر مائة بنك في العام. وكان نجم النجوم في عالم بنوك العالم الكبرى لهذه السنة رئيس مجموعة لويدز تي اس بي المصرفية السير بريان بتمان الذي كلف بالقاء كلمة في المؤتمر. ولا يخفى على مثلي ان الاتهامات سوف تنهال علي بأني من ذاك الصنف الانتهازي الذي ينفخ في بوق المديح ليحقق مآرب شخصية. وحتى لو لم أمتشق حسام الدفاع عن نفسي لدحض هذا الافتراء, فإن من المفيد والممتع الالتفات إلى خطاب الرجل أمام المؤتمر. وسجل السير بريان في سلك العمل الإداري في بنك لويدز حافل بالنجاحات, وهو جدير بالثناء بكل المقاييس ولا بد من كلمة تقال بحقه في معرض الاشادة بانجازاته. لقد صب ملاحظته الأولى وعبر عن الهاجس الذي شغل شطرا كبيرا من عمره بعبارة ثقيلة على سمع جادزيلا. فلا أهمية للحجم في نظر بتمان. والوزن الأكبر عنده إنما هو للأداء. اذ انه بالنسبة للبنوك لا تقاس عظمتها وأهميتها بحجم ما تحت يدها من أصول ثابتة مقيدة في دفاترها. فالشيء المهم هنا هو الجودة, جودة تلك الأصول والعائدات والدخل الذي تدره. فالغاية القصوى إنما هي تكوين ثروة حقيقية, والا نتورط في تبديد المكاسب بأن نبسط اليد في عمليات اقراض تعوزها الحكمة. ولربما بادر كثير من أرباب المصارف للاعتراض على هذه الفكرة لو لم تتصد لهم حقيقة. ان السير بريان استطاع أن ينهض ببنك لويدز ويجعله أكبر بنوك العالم قيمة قبل أن يشهد العالم حملة الاندماجات الكبرى الأخيرة. لقد أضحى هذا البنك أعلى بنوك العالم ربحية من حيث مداخيل رأسماله وفاق في هذا الجانب البنوك المائة الأولى في العالم جميعا. والنتيجة المنطقية لتلك المقدمة توحي بأن الجري وراء تضخيم الأصول من شأنه أن يخلق نقاط ضعف وثغرات لا حصر لها في البنيان المصرفي. فأي أصل من الأصول هو في حد ذاته على أية حال قبول بمخاطر معنية وكثيرا ما يوهن هذا اللهاث وراء تجميع الأصول من قدرتنا على الخروج بأحكام متزنة وحكيمة فيما يتصل بالمخاطر, وأكثر ما ينطبق هذا على تلك الدول التي لا تطبق بشكل صارم المعايير المحاسبية المعتمدة عالميا. أما فيما يخص الاستثمار المصرفي وهو القطاع المتخم والذي يعشقه الجميع والذي يدر أعظم الأرباح, فإن السير بريان يرى بأنه لا يتناسب مع العمل المصرفي التجاري. وهنا نجد أنفسنا وجها لوجه أمام مفهوم آخر يعارض فيه الأكثرون وجهة نظر بريان التي ناصرته فيها مؤسستا نات ويست وباركليز وكلتاهما خرجتا من العمل المصرفي بعدما تكبدت ميزانياتهما العامة خسائر فادحة. فما هي إذا الوصفة السحرية للنجاح؟ حسنا, لعلنا نعثر عليها في ذاك العامل الأكبر الذي أبرز أهميته بيترز ووتزمان منذ سنوات مضت. ولربما انطبق هذا على صانعي الملابس كما ينطبق على البنوك العالمية سواء بسواء. فالحكمة تقتضي كما توصي الوصفة بأن نجود إلى الحد الأقصى ما نتقنه من الأعمال ولا نسعى للتوسع العشوائي متجاوزين مواقع القصور ومتغافلين عن مكامن العلل. ولعل تلك الحكمة هي ضالة كثير من الشركات التي تنشد النجاح. * نائب رئيس لويدز بنك