بين فترة واخرى يزور وزير خارجية فلسطين فاروق القدومي(ابواللطف)عددا من العواصم العربية مركزا على دمشق وبيروت في تحرك يبدو ظاهريا منفصلا عن الحركة السياسية للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات واستهدافاتها في اطار ما يسمى(العملية السلمية)وقد تكوّن لدى الرأي العام الفلسطيني والعربي انطباعا بأن القدومي معارض لياسر عرفات وسياساته. القدومي معارض نعم, لكن يعارض ماذا وكيف... ذلك هو الموضوع الذي يستحق ان يناقش في سبيل اعطاء فكرة اكثر دقة عن الوضع الفلسطيني الراهن. عندما وجهت الادارة الامريكية في زمن بوش ــ بيكر الدعوة الى انعقاد مؤتمر مدريد للسلام بعد حرب الخليج الثانية دعت القيادة الفلسطينية آنذاك المجلس الوطني الفلسطيني وهو سلطة القرار الفلسطيني حتى ذلك التاريخ للانعقاد, لاتخاذ الموقف المناسب من الدعوة الامريكية (والسوفييتية في حينه) لا داعي هنا لاستعادة معطيات اللحظة التاريخية في ذلك الوقت وهي معطيات انعطاف استراتيجي في وضع المنطقة لا تصب في مصلحة الفلسطينيين والعرب ذلك انها كانت معطيات اختلال استراتيجي في موازين قوى المنطقة. مع مدريد... ضد اوسلو المهم ان المجلس الوطني في ذلك التاريخ (سبتمبر 91) شهد سجالا فلسطينيا داخليا: هل نشترك في مدريد اولا او لا نشترك؟ اذا اشتركنا فعلى اية اسس وما هي (المنافع) ؟ واذا لم نشترك ما البدائل وما الاحتمالات؟... في هذا المجلس الوطني كان فاروق القدومي (بيضة القبان) فموقفه هو الذي يساعد في جسم اتجاه الموقف الفلسطيني العام وقد حسم ابواللطف الموقف بدعوة اخوانه الى قبول الدعوة الامريكية والذهاب الى مدريد. وللتذكير فقط فان الدعوة الامريكية كانت تتضمن اشتراطا في ان يتمثل الفلسطينيون ليس على اساس كونهم منظمة التحرير التي لم يكن معترفا بها امريكيا واسرائيليا بل على اساس وفد من الداخل ــ من غير القدس ــ وان سمتهم المنظمة فانهم لا يمثلونها رسميا وفي اطار وفد اردني ــ فلسطيني مشترك وللتذكير ايضا كان واضحا منذ البداية ان مؤتمر مدريد ــ بعد الافتتاح ــ سيتفرع الى مسارات ثنائية وليس فيه ــ كما يقال الآن ــ وحدة مسارات وكانت الموافقات العربية على الاشتراك في مدريد قد اعطيت من كل دولة عربية معنية على حدة ولم ينتظر احد احدا الخطاب السياسي لفاروق القدومي في تلك المرحلة كان محددا لا يستطيع الفلسطينيون رفض المشاركة في مدريد بعد التطورات الاستراتيجية اقليميا ودوليا وفي ظل الموافقات العربية الاخرى لا مانع من الاشتراك بوفد فلسطيني ــ اردني مشترك طالما ان المنظمة هي التي ستختار فعليا الوفد الفلسطيني وستكون مرجعية سياسية له وان قرار الوفد في يدها وليس صحيحا ان الوفد سيشكل مادة للعبة بدائل ضد منظمة التحرير وعلى حسابها نشارك ونحاول ان نفرض وقائع سياسية طالما ان مفاتيح الوضع الفلسطيني في يد القيادة الفلسطينية الرسمية نشارك ونحاول ان نفرض قدرا من التنسيق مع المسارات العربية الاخرى ونسعى لاستنهاض موقف عربي. ان العملية السلمية هى عملية صراعية والاشتراك فيها جانب صراعي بامتياز خطاب فاروق القدومي في تلك المرحلة تضمن هذه الحيثيات جميعا وغيرها وفرض نفسه على موقف المجلس الوطني الفلسطيني نقول ذلك تدقيقا للصورة التي يبدو فيها ابواللطف في ذهن بعضنا معارضا منذ اللحظة الاولى وذلك غير صحيح لان القدومي لم يكن معارضا في الاساس بدأت معارضة القدومي بعد ذلك مع مقدمات اتفاق اوسلو ثم مع الاتفاق نفسه وهنا ايضا من المفيد التدقيق بماذا اعترض ابواللطف طبعا لم يعترض على اوسلو الممهد له باعتراف اسرائيلي رسمي بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني هو اعترض على ما اعتبره يضعف الموقع والموقف الفلسطينيين اي فك المسار الفلسطيني عن المسارات الاخرى فضلا عن اعتراضه على جوانب من الاتفاق حصلت فيها تنازلات فلسطينية غير مبررة في رأيه وحصل ذلك في موازاة (اعترافه) بان واقعا فلسطينيا جديدا هو قيد النشوء فعلا. لن نناقش هنا مجددا اننا نرى اوسلو ابنا شرعيا لمدريد لكننا نلفت الى ان القدومي لم يرفض اوسلو رفضا مطلقا بل دعا الى امرين متلازمين الامر الاول انه لا يجوز ان تخسر القضية الفلسطينية في اي حال من الاحوال المدى العربي. اما الامر الثاني فهو اقتناعه بان اتفاق اوسلو يمكن ان يصبح شيئا اخر فبيد الفلسطينيين ان ينتقلوا باوسلو نحو دولة فلسطينية وبيد اسرائيل ان تنزل به الى ما دون ما هو عليه فالمسألة في رأيه مسألة ديناميات سياسية... وفي مقابل الدينامية الاسرائيلية لابد من دينامية فلسطينية موصلة الى الدولة. باختصار دعا ابواللطف الى عمل سياسي فلسطيني في المفاوضات تمسك بالحقوق وتصرف ندي مع اسرائيل وعلى الارض دينامية جماهيرية تقوي المفاوض الفلسطيني وفي هذا كله موقف صحيح تماما. * كاتب لبناني