سأتجرأ في طرح فكرة قد تبدو للبعض ساذجة, وللبعض الآخر هلامية, ولواحد من هنا أو هناك غير واقعية وغير عملية, بل غير ممكنة, وكنت قد طرحت هذه الفكرة على زميل لي فوصفها بأنها (من المستحيلات العربية) ولكنها - في اعتقادي - فكرة قد يثير طرحها نقاشا واسعا, قد يعقلنها أو يشذبها أو يضيف عليها, أو قد تجد مَن يقذفها بأبشع الأوصاف والتهم, ولكنها في النهاية فكرة مثيرة للجدل قد تستهوي المواطن العربي الذي لايريد لبلاده أن تكون للاستعمار الجديد مقراً ولا ممراً. (يوتوبيا)الاستعمار لعله من المفيد رسم صورة اقليمية لخلفية هذه الفكرة التي بدأت في الأيام الأولى لغزو العراق للكويت في العام ,1990 وما تلاها من قيام التحالف الدولي إعداداً وتنفيذاً لحرب (عاصفة الصحراء) أو حرب الخليج الثانية في العام ,1991 بعد ان تمّ رفض الحل العربي, بصيغه المتعددة, لتلك الأزمة, فأسس هذا التحالف الدولي, بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية, لعودة الاستعمار, بموافقة عربية كاملة ضمنية وعلنية, واضعا يده كليا على استقلالية القرار العربي. إن ما حدث في الخليج وحدث في العالم إبان / وغداة الحرب المدمرة في العام 1990 - ,1991 وما انطلق منها من تعبيرات شاعت دل على الوجهة التي سوف يسلكها العالم بقيادة الولايات المتحدة, كحقيقة واقعة فرضتها أمريكا, ثم راحت تعمل على رفعها إلى مصاف الفكرة المثالية وكأنها (اليوتوبيا) البديلة للقرن الواحد والعشرين. كان ذلك العام عام موت الأيديولوجيا وسقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى, وما سبق من انفراط عقد منظومة الدول الاشتراكية عند انهيار جدار برلين وانتقال دولة من موالاة الماركسية الى اعتماد النظام الاقتصادي الحر, كل هذا وغيره من أحداث جسام شهدها العالم, عكس نفسه ظلالاً رمادية على الوطن العربي, الذي استيقظ غداة حرب الخليج على واقع جديد ينذر بأوخم العواقب, ليس أقلها تفككا ما تبقى من عرى التضامن الشكلي للعرب, وسقوط فكرة وحدة المصير العربي. مراتب الاستعمار انا اعرف ان اصحاب الانظمة العربية, لا يسمون القواعد والقوات العسكرية الاجنبية الموجودة على اراضيهم وفي مياههم في اجوائهم استعمارا ولا حتى استعمارا جديدا لأن معظمهم لم يعرف او ربما نسي كيف كان شكل وجه الاستعمار الكولونيالي القديم, بل ولا يسمونه حتى حماية. وهم يعرفون في واقع الامر انه حماية اجنبية ضد انتفاضة ــ ربما وطنية ــ في الداخل او غزو او اعتداء ــ ربما اجنبي ـ من الخارج فكلمة استعمار لم تعد متداولة اليوم لأننا منذ حوالي عشر سنوات, وتحديدا منذ غزو العراق للكويت ومن بعدها حرب (عاصفة الصحراء) , تحالفنا مع الاستعمار القديم لنحرر الكويت من القبضة العراقية, فأتينا بالاستعمار الجديد وعن طريق هذا التحالف اصبح الاستعمار حليفنا وحامي حمانا. وسقطت كلمة استعمار من التداول, واصبح استعمالها, اما لا معنى له, او انه يقود الى غضب الانظمة المحمية. في الايام الخوالي كان للاستعمار القديم عدة مراتب كانت هناك مرتبة المستعمرة التي تحكم مباشرة من عاصمة البلد المستعمر. وكانت هناك المحمية او المحميات التي تحكم محليا من قبل زعمائها, وخارجيا من قبل الدولة المستعمرة ايضا. وكانت هناك ايضا بلدان تقع تحت ما يسمى بالانتداب (كسوريا ولبنان) الذي منحته عصبة الام لبريطانيا وفرنسا عند نهاية الحرب العالمية الاولى. وهكذا تعددت الاسماء والاستعمار واحد. ولما كانت كلمة الاستعمار قد منعت من التداول, فقد التبست ايضا على المواطن العربي العادي, فلم يعد يعرف فعلا ماذا تعني في زمن العوملة والى اين تؤدي وانها نقيض كلمة الاستقلال, وان ماضي معظم البلدان العربية وكفاحها من اجل نيل الاستقلال كان قائما على النضال ضد الاستعمار والانتداب والحماية الاجنبية, في سبيل الوصول الى ذلك الاستقلال حتى ضاع ذلك الاستقلال ومقوماته في ضبابية الاحداث السياسية التي مرت على الوطن العربي في ربع القرن الاخير. لذا فان الهدف الاساسي من وراء هذه الفكرة والسعي من اجلها هو انهاء الاستعمار الجديد في الجزيرة العربية وتصفية القواعد الاجنبية في بلدان الخليج العربية, وتحقيق امن قومي عربي, بقوات عربية للجميع, بحيث تستغنى الدول المعنية عن وجود القوات الاجنبية على اراضيها عندما تشعر بالامان التام. ويتم تدريجيا انسحاب القوات الاجنبية واخلاء القواعد, خلال المدة المحددة التي سيتم الاتفاق عليها عند تشكيل قوات الاطلسي العربية. دفاع مشترك حتى لا تدخل هذه الفكرة في تعقيدات كثيرة, ولكي يسهل طرحها, وهي في اساسها فكرة تهدف الى توفير الامن بمعناه القومي لكل قطر او بلد عربي يخشى على امنه في الداخل او الخارج, او يخشى من محاولات تخريبية من معارضي سياسة النظام في الداخل (بغض النظر عن شرعيتها واسبابها), او من محاولات اعتداء خارجي على النظام من جيرانه او سواهم, يمس سيادة البلاد, او يعتدي على حدودها او يحتل اراضيها (بغض النظر ايضا عن ادعاءات الطرف المعتدي او مبرراته) علينا التأكيد ان توفير امن قومي عربي عملي يعني شيئا واحداً فقط: هو تشكيل تحالف قوات عربية مشتركة لهذه الغاية فقط. كيف؟ إن الوصول إلى تحقيق هذه الفكرة ــ قبل الدخول في تفاصيلها العملية ــ لا يحتاج إلى أية اتفاقية أمنية جديدة بين الدول العربية. وتسهيلا لهذه الغاية, خصوصا إذا ما بدأ الحديث في مضمون هذه الفكرة والمفاوضات حولها, لا ضرورة لأن يضيع الأمر في متاهات الخلافات العربية حول وجود معاهدة أمنية أو عدم وجودها (مع كل مظاهر النيات الحسنة), لانها تنطلق أولا وأخيرا من اتفاق الدفاع العربي المشترك الموقع من قبل الدول المؤسسة للجامعة العربية في العام 1950. من خلال هيكلية اتفاق الدفاع العربي المشترك, يتم تشكيل قوات عربية مشتركة, بأسلحتها المختلفة والمطلوبة لمهماتها. وتتبع هذه القوات لقيادة عربية مستقلة, وتمويل عربي خاص, من خارج الموازنات والتعامل المالي التقليدي بين الدول العربية. وتتكون هذه القوات من أسلحة برية وجوية وبحرية, على غرار قوات حلف شمال الأطلسي وتنظيماته وطرق تمويله. ويمكن لهذه القوات أن توجد في عدة بلدان عربية, وليس في بلد واحد, بحسب الحاجة في استخدامها, وبحسب موافقة الدول المعنية. وبالتالي ليس من الضرورة أن تكون لها قواعد ثابتة في بلد معين. وإنما على غرار ما يحصل حاليا في منظمة حلف منظمة شمال الأطلسي, حيث توجد قوات أمريكية برية في ألمانيا وجوية في بريطانيا. وعلى سبيل المثال هناك اليوم قوات بريطانية وفرنسية وألمانية في البوسنة, وهكذا. ومهمة القوات العربية المماثلة لقوات شمال الأطلسي, أن تفصل في المناطق العربية الساخنة حاليا بين (عدوين) عربيين يقفان في وجه بعضهما البعض. على سبيل المثال لا الحصر يجري الفصل على الحدود بين العراق والكويت في الجنوب, وعلى الحدود بين العراق وتركيا في الشمال. وفي مثل هذه الحالة, تتكون قوات الأطلسي العربية, من عناصر قوات سورية, ومصرية, وسعودية لتطمين الكويت, في حال اعتراضها. ومن الأمكنة الأخرى التي يمكن أن توجد فيها قوات الأطلسي العربية هي شبه الجزيرة العربية وما يعرف ببلدان الخليج, إنما بتكوينات قطرية مختلفة. مثلا بين البحرين وقطر (الخلاف بينهما على جزر حوار) أو في الامارات العربية المتحدة وسط مياه الخليج (الخلاف مع إيران على جزر الطنب الكبرى والطنب الصغرى وأبوموسى), وفي سواحل اليمن على البحر الأحمر (الخلاف مع أريتريا على جزر حنيش) أو في مناطق خارج الجزيرة العربية, بين مصر والسودان (الخلاف حول منطقة حلايب) أو المغرب والجزائر (الخلاف على الصحراء الغربية), كما يمكن أن توجد هذه القوات في منطقة أي خلاف حدودي بين أية دولة عربية وأخرى. وتبقى هذه القوات في تلك المنطقة إلى حين حل ذلك الخلاف الحدودي, وبموافقة الدولتين المعنيتين. وهذه الفكرة لها سوابق, وإن كانت بطرح آخر وظروف مختلفة, وذلك عندما وجدت قوات مصرية جوية في العراق في الستينيات, بناء على طلب بغداد أيام عبدالسلام عارف, وقوات عربية مشتركة (مصرية, سورية, أردنية) على الحدود بين العراق والكويت, في عهد عبدالكريم قاسم بعد قيام الثورة العراقية, عندما هدد الأخير باحتلال الكويت في العام 1959 ــ ,1960 وقد حلت هذه القوات محل القوات البريطانية آنذاك. كما اشتركت قوات سورية في القتال مع العراق ضد الأكراد في نوفمبر ,1962 أيام حكم عبدالسلام عارف أيضاً. أما في حرب اكتوبر 1973, فقد شاركت قوات عربية في الحرب الى جانب مصر وقوات عراقية الى جانب سوريا. كما يتفق على تشكيل قوات الأطلسي العربية لمدة تجريبية لا تقل عن خمس سنوات, قابلة للتمديد, على ان يتزامن معها الاستغناء عن القواعد الاجنبية وانسحاب قواتها الموجودة في بلدان الجزيرة العربية تدريجياً, ويتم جلاؤها عند انقضاء المدة المحددة والمتفق عليها. ويتم تشكيل قيادة عربية لهذه القوات من خلال اتفاق الدفاع العربي المشترك, ويتم تعيين قائد عربي عام متفرغ وعالي الكفاءة لهذه القوات ومساعدين له, بالتوافق بين البلدان العربية المشاركة بهذه الفكرة, ولا بد من ان يتم تشكيل هذه القوات بكلفة اقل بكثير مما تدفعه الدول المعنية لوجود القواعد العسكرية الغربية على أراضيها, وربما بكلفة لا تزيد عن عشرة بالمئة مما تنفقه حالياً على مشترياتها من السلاح, وتكديسها له. دعونا نجرب ما بعد هذا الحد, تدخل فكرة ــ مشروع تشكيل قوات أطلسي عربية, في النفق المظلم. ماذا ستقول الولايات المتحدة الامريكية عنه, وهل ستقبل به؟ ماذا سيقول العرب لأمريكا عنه, وكيف (سيبيعونه) لواشنطن؟ كيف سيقنعون أمريكا وبريطانيا بالانسحاب من أراضيهم؟ ماذا ستكون ردود فعل ايران تجاهه؟ وردود فعل تركيا, كإحدى دول الجوار الاقليمي الاخرى؟ اما بيت القصيد, كيف ستتصرف اسرائيل حياله؟ أسئلة, أسئلة, أسئلة. بكثير من التبسيط على العرب (وبخاصة حلفاء واشنطن) ان يقولوا لأمريكا كلمتين: دعونا نجرب, فالولايات المتحدة, القطب الأوحد في النظام العالمي الجديد, لا تستطيع ان تبقى بقواتها وجيوشها وعتادها الى الابد على الأرض العربية, بحجة الدفاع عن مصالحها النفطية والاستراتيجية في الشرق الاوسط, متمتعة بالسلام والراحة اللذين تنعم بهما الآن, فأي تغيير ولو طفيف في الوضع الاقليمي, قد يؤدي الى انفجار عنفي ــ ان لم يكن دموياً ــ قد يشعل النار في قواعدها ويطيح بحلفائها. وبالتالي كلما طال وجود القوات الأجنبية, تحول ذلك الى عد عكسي ضد مصالحها, لذا فإن كلمتي: دعونا نجرب, يجب ان تعني ان يتحمل العرب مسؤولية الدفاع مباشرة عن مصالحهم والمصالح الامريكية المشتركة معاً, حتى يعود للمنطقة توازنها, في الوقت نفسه توفر هذه الفكرة عند تحقيقها, خروج أمريكا من المأزق الحالي وغير المعلن, التي هي فيه, اذ انها لا تستطيع ان تبقى في المنطقة بالشكل (المفلوش) او المتمدد التي هي عليه الآن, وحلفاؤها مستمرون في دفع فاتورة هذا البقاء الى ما لا نهاية, في زمن شحت فيه الموارد, وتراجعت فيه اسعار النفط, وارتفعت فيه اسعار السلع الاستراتيجية, وبخاصة السلاح. وعلى العرب, حين يتحدثون في هذا الموضوع مع أمريكا محاولين إقناعها, ان يطالبوا باستعادة حقهم في السيادة التي أضاعوها في لحظة مأساوية من التاريخ العربي, واذا لم تستوعب أمريكا مدى حساسية الوضع, على حلفائها ان يقوموا بنصحها بأن تستمع الى مطالبهم المعقولة, قبل ان يضطروا الى مواجهة مطالب غير معقولة من أعدائهم قد تؤدي الى دفع ضريبة الدم. والحديث مع امريكا حول هذه الفكرة, سيشمل قطعا الحديث عن اسرائيل. فعلى العرب ان يؤكدوا لامريكا, حتى تؤكد بدورها لاسرائيل, ان فكرة قوات اطلسية عربية, غير موجهة ضدها, في اي حال من الاحوال, بل هي قوة دفاعية, لا قوة حرب هجومية, لفصل النزاعات بين البلدان العربية, ومنع تدخل قوات اجنبية في أي خلاف عربي عربي, وحتى انه من الممكن مستقبلا, ان تفصل قوات الاطلسي العربية بين اسرائىل واية دولة تقع في نزاع معها. فمن الضروري جدا تحييد اسرائيل تجاه هذه الفكرة. وفي حال حدوث سلام شامل وعادل ومقبول عربيا, تصبح قوات الاطلسي العربية, في غنى عن دعوة أية قوات اجنبية او دولية (نسبة الى الامم المتحدة) للقيام بدور أمني في المنطقة. وبغض النظر عن رفض اسرائيل او قبولها لفكرة قوات اطلسي عربية, فإن تشكيل هذه القوات سيحسن من الوضع التفاوضي العربي مع اسرائيل, على افتراض ان موضوع السلام الكامل مع اسرائىل سيجرجر سنوات اخرى. ورفض اسرائىل لتشكيل قوات عربية, لا قيمة له, ويصعب عليها تعطيله في حال وجود توافق عربي على ذلك, لان هذه القوات ليس من مهامها (تحرير) الاراضي المحتلة, بقدر منع احتلال اراض جديدة من قبل الجيران بعضهم لبعض. اما ايران كاحدى دول الجوار غير العربية, فستستهجن هذه الفكرة, بادىء الامر, وتعتبرها معادية لها. لكن بعد التمحيص والشرح (اذا احسن ذلك الطرف العربي) ستجد ان قيام هذه القوات العربية في الخليج, بخاصة, سيساهم في اجلاء القواعد الاجنبية وجلاء القوات الغربية وابعادها عن المنطقة, وهو مطلب استراتيجي ايراني قبل اي شيء آخر. فإيران منذ ايام الشاه حتى قيام الثورة الاسلامية وما بعدها, تدعو الى ابعاد القوات الامريكية والغربية عن منطقة الخليج. وبالتالي قد تناسبها هذه الفكرة لانها تمثل تغييرا جذريا في سياسة دول الجوار, بحيث لم تعد الاستعانة بقوات اجنبية امرا واردا, كلما اختلفت دولة عربية مع ايران. ومن ضمن احتمالات هذه الفكرة مستقبلا كي تصبح فعلا فكرة (اطلسية) هو توسيع تشكيل هذه القوات, لتسمى قوات عربية ــ خليجية, بمعنى ادخال ايران فيها, وبذلك يتم تحييد ايران في الخلافات العربية ــ العربية, باعطائها دورا اقليميا, وتطمينها بان حربا مماثلة للحرب العراقية ــ الايرانية لن تقع. وهذا بدوره يطمئن الدول العربية (والخليجية بخاصة) بأن أي توسع إيراني, لن يقع أيضا. فهي تحمي العرب من ايران, وتحمي ايران من العرب ومن نفسها. اما تركيا, وهي دول مشاكسة ولها خبرة اطلسية حقيقية وطويلة, فقد تكون اكثر فهما للفكرة, واكثر معارضة لها. لكن الحل للعقدة التركية, سيكون بيد امريكا, وكجزء من قبول واشنطن بالفكرة. توافق عربي من الطبيعي ان فكرة بهذا المستوى ماهي الا محاولة, وان بدت من المستحيلات العربية في هذه المرحلة, او ربما وسيلة من وسائل الخروج من المازق العربي الحالي وتداعياته التي يعيشها الوطن العربي. فمنذ صيف 1990 الى ربيع 1998, تركت حرب الخليج الثانية آثارا مدمرة في كل بلد عربي, مهما قرب او بعد عن ساحة المواجهة. ومن دون الدخول في تفاصيل ذلك المأزق, والتي باتت معروفة, فإن هذه الفكرة, تحتاج قبل كل شيء الى توافق عربي لقبولها, وقناعة عربية مشتركة بأنها ليست حلا لوجود القوات الاجنبية على الارض العربية, بل حل لجلاء الاستعمار الجديد. والتوافق العربي المطلوب يبدأ تدريجيا بقبول دول عربية كالسعودية والعراق ومصـر والاردن والمغرب بهذه الفكرة والمشاركة بقوات من جيوشهم في قوات الاطلسي العربية بحيث تشكل تحالفا عضويا بين مجموعة الدول الست هذه, ينضم فيما بعد اليها من يريد من الدول العربية كل بحسب قدراته العسكرية وحاجته اليها وتقبله نفسيا لمهماتها. وهذه الفكرة بحد ذاتها بعد حصول توافق عربي عليها تحتاج الى مؤتمر قمة عربي لبحثها واقرارها ككل بعد ان يكون قد تم تسوية المشاكل العالقة بين كل قطر عربي وآخر. وتتخذ القمة العربية الخاصة بموضوع تشكيل قوات الاطلسي العربية جميع القرارات التنفيذية في هيكليتها وادارتها وماليتها وقياداتها وصلاحياتها وسواها من تفاصيل التفاصيل بحيث لا تعود القمة العربية الى هذا الموضوع الا عند انتهاء مدة خدمة هذه القوات للتجديد لها او الغائها. وفي مقال ممتاز اشار الزميل عبدالجليل زيد مرهون في مجلة المستقبل العربي الى العلاقات الخليجية ــ العراقية ومستقبل الامن في الخليج طارحا في سياقه ان احد الخيارات النظرية في سبيل مساعدة العراق على بناء (جدار ثقة امني) مع جيرانه الخليجيين هو العودة الى معاهد الدفاع العربي المشترك. وان التصور المقترح هو ارسال قوات عربية للمرابطة في جنوب العراق على ان يكون لها وضع قانوني شبيه بوضع قوات حلف شمال الاطلسي التي تم نشرها في عدد من الدول الاعضاء فيه مؤكدا ان هذا الامر يحتاج الى توافق عربي بين بلدان الخليج بالذات من دون التذرع بمقولات السيادة الوطنية. وقد سمح لي هذا المقال بالتوسع في هذا الموضوع من جوانبه العملية كاحدى السبل لفك عقدة مفهوم الامن الخليجي القائم حاليا على الاعتماد على وجود قوات وقواعد امريكية اجنبية في ارض الجزيرة العربية ومياه الخليج. كما دعاني الى النظر في ماهية معاهدة الدفاع العربي المشترك. رد الاعتداء ما هي (معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية وملحقها العسكري) الموقعة من قبل ممثلي الدول الاعضاء المؤسسة للجامعة في 13 سنة/ابريل 1950 في القاهرة وهي: الاردن (عوني عبدالهادي) سوريا (ناظم القدسي) العراق (نوري السعيد) السعودية (يوسف ياسين) لبنان (رياض الصلح) مصـر (مصطفى النحاس) اليمن (علي المؤيد) والتي انضمت اليها عبر السنوات باقي الدول الاعضاء في الجامعة عند حصولها على الاستقلال وانضمامها الى الجامعة؟ وتنص المادة الثانية من هذه المعاهدة على الآتي: (تعتبر الدول المتعاقدة كل اعتداء مسلح يقع على اية دولة او أكثر منها او على قواتها اعتداء عليها جميعا. لذلك فإنها عملا بحق الدفاع الشرعي ــ الفردي والجماعي ــ عن كيانها تلتزم بان تبادر الى معونة الدولة او الدول المعتدى عليها وبان تتخذ على الفور منفردة ومجتمعة جميع التدابير وتستعمل جميع ما لديها من وسائل بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لرد الاعتداء ولاعادة الامن والسلام الى نصابهما وتطبيقا لاحكام المادة السادسة من ميثاق جامعة الدول العربية والمادة الحادية والخمسين من ميثاق الامم المتحدة يخطر على الفور مجلس الجامعة ومجلس الامن بوقوع الاعتداء وما اتخذ في صدده من تدابير واجراءات) . وهذه المادة الثانية, هي المادة الاساسية التي تعنينا وتعيننا على تطبيق هذه الفكرة بقدر ما توفر المادة الخامسة آلية لهذا العمل بآن تؤلف لجنة عسكرية دائمة من ممثلي هيئة اركان حرب جيوش الدول المتعاقدة لتنظيم خطط الدفاع المشترك وتهيئة وسائله واساليبه) التي يوضحها بالتفصيل وبدقة الملحق العسكري للمعاهدة والبروتوكول الاضافي التابع له وكان من المفيد نشر النص الكامل لهذه المعاهدة وملاحقها, لولا ضيق المجال في هذا المقال. (اعلان دمشق) اذا كانت معاهدة الدفاع العربي المشترك قد وضعت في بداية الخمسينيات إبان زهو ايام الاستقلالات العربية, وبعد ان بدأ الاستعمار باعلان رحيله فقد وضع اتفاق (اعلان دمشق) في بداية التسعينيات وفي الايام التي اكد فيها الاستعمار عودته, وقد اخذ يؤسس لقواعده في ارضنا ويجعل من وجوده امرا طبيعيا وشرطا من شروط وجود كياناتنا. وقع (اعلان دمشق) للتنسيق والتعاون في العاصمة السورية في السادس من مارس 1991 من قبل وزراء خارجية بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست, ومصر وسوريا بعد ان اخرجت قوات التحالف الدولي القوات العراقية من الكويت معلنة تحريرها ومؤكدة وجودها الدائم في اراضيها. وقد جاء اتفاق (اعلان دمشق) ولم تمر سوى اسابيع قليلة على حرب (عاصفة الصحراء) التي بدأت في 17 يناير 1991 كأول رد فعل عربي على وجود الجحافل العسكرية الغربية في الجزيرة العربية, وقد صحا العرب من صدمة ما حدث ايام تحرير الكويت بعد ان تصدع البيت العربي بكامله واصبح عدم انهياره متوقفا على اعداد القوات الاجنبية وقواعدها الموجودة في بلادنا. كان (اعلان دمشق) بمثابة احتجاج ضمني عربي على (عاصفة الصحراء) , ومحاولة خليجية لارضاء الحليفين العربيين مصر وسوريا, اللذين أحرجا بوجودهما داخل قوات التحالف الدولي الغربي. لذلك انطلق (اعلان دمشق) من ان التنسيق والتعاون يتم بموجب 1 ــ العمل بميثاق جامعة الدول العربية وميثاق الامم المتحدة والمواثيق العربية والدولية الاخرى. 2 ــ العمل على بناء نظام عربي جديد من اجل تعزيز العمل العربي المشترك, واعتبار الترتيبات التي يتم الاتفاق عليها بين الاطراف المشاركة بمثابة الاساس الذي يمكن البناء عليه من اجل تحقيق ذلك. بينما في المجالين السياسي والامني اكدت (الاطراف المشاركة احترامها لمبادىء ميثاق جامعة الدول العربية والتزامها بمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية وعزمها على العمل المشترك لضمان أمن سلامة الدول العربية وان تشير على وجه الخصوص الى المادة التاسعة من ميثاق الجامعة العربية ــ وهذا بيت القصيد ــ التي تعتبر ان وجود القوات المصرية والسورية على ارض المملكة العربية ودول عربية اخرى في منطقة الخليج تلبية لرغبة حكوماتها بهدف الدفاع عن اراضيها, يمثل نواة قوة سلام عربية تسعى لضمان أمن وسلامة الدول العربية في منطقة الخليج, ونموذجا يحقق ضمان فعالية النظام الأمني العربي الدفاعي الشامل) . ويتضح من نموذج معاهدة الدفاع المشترك, الاقدم, ونموذج (اتفاق دمشق) الاحدث, ان فكرة قيام حلف اطلسي عربي لها أساس حقيقي في المضمون السياسي لـ (اعلان دمشق) ولها آلية للتنفيذ في معاهدة الدفاع المشترك, وبالتالي فان الفكرة ليست بعيدة على الاطلاق عن ذهن اصحاب (اتفاق دمشق) وقد مر عليه حوالي سبع سنوات, ولم ينقذ البند (ب) المشار اليه آنفا, الذي هو من اهداف التنسيق والتعاون في الاعلان, لأن ليس هناك رغبة في تنفيذه, ولأن ثمة, من بين الموقعين وخارجهم, من لا يريد تنفيذه, معتبرا ان ذلك سابق لأوانه, فالحاجة الى وجود قوات أجنبية مازالت قائمة, والضغوط ما فتئت ملحة لاستبقائها. ان من يعيد قراءة (اعلان دمشق) وقبله اتفاق الدفاع المشترك, يكتشف مدى ترابط الواحد مع الآخر في تشكيل بنية تصلح لاطلاق فكرة حلف اطلسي عربي, يخرج القوات الاجنبية من الاراضي العربية, ويعيد تشغيل كل ما تعطل من آليات العمل العربي المشترك. لذا فان طرح هذه الفكرة يحتاج الى فتح أبواب النقاش حولها, سواء في متنها أو في هوامشها, فاذا ادلى الناس بآرائهم ومر بهم الصواب عرفوه! النموذج الاطلسي ولعل من الضروري الاشارة الى تنظيم حلف شمال الاطلسي, كنموذج لفكرة القوات المقترحة, وكنمط للتعاون العسكري بين عدد من مجموعات الجيوش والاساطيل البحرية والقوات الجوية التي تجمعها مصالح واهداف مشتركة, وتتلخص هذه الاهداف في تأمين المصالح العليا للمعسكر الغربي والتصدي لأي عدوان على أوروبا الغربية تحديدا, ومصالح العالم الغربي تعميما, ويتبع الحلف نظام القيادة المتحالفة التي تضم عدة قيادات تمثل دول الحلف كافة, ويتولى قيادة كل منها قائد معين من اقوى دول الحلف في منطقة اختصاص هذه القيادة الفرعية, واكثرها مساهمة في قواتها المتمركزة داخل حدودها. ونظرا الى اعتماد الحلف على القوات المشتركة من دوله, فانه ينص على طريقة تحقيق التعاون المشترك بينها وتأمينه من خلال اجراء تدريبات مشتركة وزيادات متبادلة, ومناورات في وقت السلم, ومن خلال وضعها تحت الطلب في وقت الحرب, والفكرة في تبني نموذج حلف شمال الاطلسي للتعاون العسكري العربي, تعود الى عدة عوامل, اهمها: وجود دولة متميزة في قوتها الشاملة, من الناحية العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية, الى جانب القوة النووية التي تملكها, وهي الولايات المتحدة, وعلى الرغم من ذلك كان من الضروري ان تشرك دول اوروبا الغربية في قيادة الحلف لمساهمتها بقسط كبير فيه. في المقابل, ليس في النموذج العربي المقترح, من هو امريكا وأقوى واكبر واقدر, فالدول العربية, التي قد تشارك في قوات الاطلسي العربي, قد تكون متساوية في القدرات العسكرية, وان كان مصر اكثرهم سكانا, والسعودية اغناهم مالا, وبالتالي ليس هناك فرص للهيمنة على هذه القوات بين دولة عربية واخرى, وليس هناك (الدولة القائد) , عندما تتوزع القدرات, بين بشرية وعسكرية وتسلحية واقتصادية ومالية وسواها, فتتوازن القوى بشكل شبه متساو, ومن المعروف عن حلف شمال الاطلسي هو بطء عملية صنع القرار واتخاذه, وهذا امر يناسب العرب اذا حذو حذوه, وحتى في حال تراكم حدة الخلافات بين بلد عربي وآخر, فانه لن يبلغ حدة الخلاف بين تركيا واليونان, العضوين في حلف شمال الاطلسي, لانه لو طلب منهما الاستجابة لخطر يهدد الواحدة أو الاخرى, فلن يستجيبا بعضهما لبعض, حيث لن يتلقى جنرال تركي أوامره من جنرال يوناني, والعكس صحيح. ظروف التطبيق صحيح ان معاهدة الدفاع العربي المشترك لم توضع قط موضع التطبيق منذ تأسيس جامعة الدول العربية قبل حوالي خمسين سنة, وقد مرّ الوطن العربي بأحلك الظروف, من الحروب العربية ــ الاسرائيلية إلى الحروب العربية ـ العربية إلى حروب الخليج, وكان كل ظرف من هذه الظروف يستدعي تطبيق هذه المعاهدة, ولو في جانب من جوانبها, ولكن لم يكن هناك حياة لمن تنادي. اذا ما الذي يجعل هذه المعاهدة اليوم ممكنة التطبيق, حتى لا تبقى من (المستحيلات العربية) على حد تعبير زميلي العزيز؟ الجواب: ان في هذه المعاهدة آلية جاهزة وكاملة لتحقيق فكرة إنشاء قوات اطلسي عربية, ولكن كما كان ينقصها في الماضي العزم على تنفيذها والايمان بجدواها والجرأة في الاستفادة منها, مازالت هذه الامور كلها تراوح مكانها بعد نصف قرن من الكوارث, ومن الممكن القول, من دون أدنى تفاؤل, ان لا شيء قد تغير, لكن اليوم غير الامس, فالوجه الاخر لامكانية ايجاد بصيص نور في نهاية النفق العربي المظلم, هو انه قبل خمسين سنة, كانت الدول العربية وحكامها يعيشون زهو الاستقلال بعد نضال طويل في سبيله, في زمن انكفأ فيه الاستعمار, وفي جو من الثقة بالنفس وبالآخرين, وتداعت عقود الزمن وحصلت الهزائم الخارجية والانهيارات الداخلية, وتغير الزمان كما تغير السلطان, ووصلنا إلى ما وصلنا اليه اليوم. ولابد من أن نحمل هذا اليوم الذي وصلنا اليه بعض التفاؤل (وان كان التفاؤل ليس مهنة الكتاب) لان ثقل الاستعمار الجاثم على صدر الوطن العربي وظروف النظام العالمي الجديد المكبلة والمسيطرة عليه, قد تعيد شيئاً من الصحوة إلى اذهان اصحاب الانظمة, فيتنادون جميعا, بان كفى ما حدث لنا حتى الآن, وان كان بعضهم مدينا للاستعمار بالبقاء, وليس هناك من معتصم يستصرخونه. قد يهتف من يستمرىء الحياة في زمن الاستعمار, بأن فكرة تشكيل قوة اطلسي عربية, هراء في هراء, لا بأس, شرط الا يرفعوا اصواتهم عندما تزول مصلحة الاستعمار في حمايتهم اذ يصبحون غير قادرين على حماية مصالحه, وهذا احتمال على قاب قوسين أو أدنى. إن كل الافكار البعيدة عن الاذهان في زمانها, قد تبدو ضبابية ومستبعدة, وككل دعوة خيّرة قد يمكث شيء منها في الارض, ولا صاحب لها الا الريح. * كاتب وصحافي وناشر بالاتفاق مع مجلة (المستقبل العربي) الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت عدد اغسطس 1998