أين تكمن الحقيقة وراء الحملة المحمومة التي بادرت الى شنها الاجهزة الدبلوماسية والأمنية والاعلامية الامريكية والاسرائيلية حول حيازة ايران صواريخ باليستية متوسطة المدى وماهي ردود الفعل العملية المتوقعة من جانب واشنطن وتل ابيب؟ وكذا انعكاسات الحدث على مستقبل الصراع العربي الاسرائيلي؟ والحقيقة انه منذ وصول التيار الاسلامي الى السلطة في ايران, والولايات المتحدة في حالة من الانزعاج والقلق الشديد, وذلك ان ايران ابان حكم الشاه كانت تمثل خط الدفاع الأول عن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية الحيوية في منطقة الشرق الاوسط في مواجهة الاتحاد السوفييتي سابقا! ورغم ان ايران ظلت على رأس قائمة الدول المشاركة في مختلف الخطط و الاحلاف العسكرية الغربية حتى الخمسينات, الا انه بعد وراثة امريكا للنفوذ البريطاني في المنطقة ونصب عينها ان تظل ايران بوجه خاص القوة الرئيسية والشرطي المؤهل لقمع حركات التحرر عن بعد, عبر تزويدها بأحدث الأسلحة وشبكة ضخمة للمخابرات, وحتى فاق عدد العاملين بسفارة امريكا في طهران تحت ستار النشاط الدبلوماسي زهاء 15 الف امريكي, ورغم ذلك لم يتمكنوا من التنبؤ بمصير نظام الشاه واندلاع الثورة الاسلامية بزعامة الخوميني! الرئىس أنور السادات الذي استضاف الشاه بعد ان لفظته أمريكا, وتصدر تشييع جثمانه في مسيرة عسكرية الى مثواه الأخير الى جوار أسرة محمد علي, قبل في نفس الوقت عن طيب خاطر نقل مركز ادارة النشاط الامريكي في الشرق الاوسط الى مصر, في الوقت الذي تصاعد الدعم الامريكي لاسرائيل التي أبدت استعدادها للقيام بالدور الايراني السابق في المنطقة, وهو ما يفسر استثنائها من اتفاقيتي منع انتشار اسلحة الدمار الشامل والتفتيش على المفاعلات النووية, اضافة لتزويدها بأحدث الاسلحة في ترسانة البنتاجون و... هذا الاسبوع أكدت مصادر عسكرية مطلعة خبر استثناء امريكا لاسرائيل دون أية دولة او بقعة من العالم من تصوير أقمارها الفضائية التجسسية ورصد مواقعها ونشاطاتها العسكرية! والشاهد ان ايران أدركت مبكرا الضرورة القصوى لتعبئة امكاناتها العسكرية والاقتصادية والشعبية ووضعها على أهبة الاستعداد لدرء المؤامرات الامريكية الانتقامية بعد احتجازها للرهائن الامريكيين في طهران ومحاولة فك اسرهم عبر عملية لوجستية فاشلة, والدفاع عن الثورة الاسلامية اثر الترويج الامريكي لمخاطر انتشارها واتهامها بالارهاب وقد تصاعدت التعبئة الايرانية اثر الوقيعة الامريكية بينها والعراق واستغرقت ثماني سنوات من الحرب الضروس, أدت الى تدمير الصواريخ الواقية للمدن والمنشآت النفطية في ايران! والمعروف ان ايران لم تضطر رغم كلفة الحرب الباهظة للاستدانة من الخارج, رغم تجميد أمريكا أرصدتها المالية المودعة في مصارفها منذ حكم الشاه, كما نجحت فيما يشبه المعجزة في اعادة تشغيل منشآتها النفطية بجهودها الذاتية في وقت قصير, خاصة بعد اصدار امريكا قانون (دوماتو) الذي يحظر على الشركات الامريكية والاوروبية التعاون مع ايران وليبيا في المجال النفطي! على ان ايران شرعت الى تصعيد وتيرة استعداداتها الدفاعية بالتزامن مع تداعيات أزمة او حرب الخليج الثانية, حين أصبحت قوات التحالف الدولي على مرمى حجر من حدودها, فكان لجوؤها الى شراء العديد من المفاعلات النووية من روسيا والصين, ورغم ان الهدف المعلن مجرد استخدامها في الاغراض السلمية, الا أنه بالامكان عبر نقل التكنولوجيا النووية تحويلها لانتاج الرؤوس النووية, وزاد من مخاوف امريكا واسرائيل تعاون ايران مع كوريا الشمالية وبعض الدول التي انفرطت عن عقد الاتحاد السوفييتي في تصنيع الصواريخ الباليستية, بل ان اسرائيل طلبت عدة مرات من امريكا تفويضها في توجيه ضربة اجهاض للقوة العسكرية الايرانية, خاصة بعد شراء ايران من روسيا غواصتين تروبينيتين وثالثة يتم تشغيلها بالطاقة النووية, قادرة على حمل صواريخ بعيدة المدى ما يرجح استخدامها لاغلاق مضيق هرمز في حالة تعرض ايران لتهديدات عسكرية من قبل امريكا او اسرئيل! واذا كان من حق المضطر ـ كما يقولون ــ ان يركب الصعب, فان من حق ايران ومسؤوليتها في الدفاع عن سيادتها وخياراتها السعي ما وسعها الجهد والامكانيات لحيازة اسلحة الردع التي تمكنها من تسليم خصومها بحقوقها المشروعة, عبر قيامها بتطوير صاروخ باليستي ارض ــ ارض يحمل اسم (شهاب ــ 3) يصل مداه الى ثلاثة آلاف كيلو متر بالتعاون مع كوريا الشمالية بامكانه ان يصل وقت الظروف الحرجة إلى اسرائيل وحتى قلب اوروبا, بل ان الخبراء العسكريين يتوقعون ان تستمر ايران في عملية تطوير (شهاب ــ 3) ما بين سنة وثلاث سنوات الى (شهاب ــ 4) بمدى اكبر وقدرة اوسع على الانتشار, وذلك محور المناقشات التي بدأت مؤخرا في الكونجرس الامريكي وممارسة الضغوط على الرئيس بيل كلينتون لاصدار قانون يحظر مساعدة ايران على انتاج هذا السلاح الاستراتيجي بعيد المدى (3600 كيلو متر) . ومما لا شك فيه ان الصواريخ الايرانية التكتيكية متوسطة المدى او الاستراتيجية بعيدة المدى لا ترقى الى فاعلية وخطورة ترسانة اسرائيل النووية, واذا كانت هذه الطرز من الصواريخ قد استخدمت في الماضي من قبل السوفييت ابان تهديد امريكا لكوبا بضربة نووية او ضربة اجهاض لقوتها العسكرية, وخرجت بعد ذلك من الخدمة العسكرية السوفييتية والروسية, الا انها بالنسبة لايران تمثل قدرة فائقة على الردع والهجوم, خاصة وانها لاتزال تفتح مفاعلاتها النووية للتفتيش الدولي دوريا, فيما تعترف امريكا بعدم قدرات ايران على انتاج رؤوس نووية الا بعد مضى ما بين ثماني الى عشر سنوات! في كل الاحوال فقد تحقق للمرة الثانية فشل المخابرات الامريكية في التنبؤ بالتطورات الايرانية, خاصة وانها كانت تستبعد نجاح ايران في تطوير سلاح الصواريخ قبل عشر سنوات, وان المفاجأة اذهلت امريكا واسرائيل وحلف شمال الاطلسي على نحو الاجتماعات والمشاورات المشتركة والمحمومة لمواجهة المتغيرات الطارئة على موازين القوة الدولية والاقليمية, وخاصة في ضوء التجارب والتفجيرات النووية التي قامت بها كل من الهند وباكستان مؤخرا, وكذا المعلومات المتواترة عن حيازة كوريا الشمالية وسوريا وليبيا لأنواع غير معروفة من الصواريخ, وهو ما دعا وزراء دفاع حلف شمال الاطلسي الى التفكير الجدي في دعوة كل من مصر والسعودية والاردن واسرائيل لحضور اجتماعهم المقبل لمراجعة خطط الدفاع والامن الاستراتيجية في المنطقة, الامر الذي يؤكد على ان الصواريخ الايرانية ربما يكون لها تأثيرها السياسي الايجابي غير مباشر ازاء تحريك جمود عملية السلام في الشرق الاوسط, ومحاولة احتواء ايران سياسيا بعدما فشلت مختلف الاساليب التي مارستها امريكا لردعها عسكريا او تركيعها عبر العقوبات الاقتصادية!