تبدو الوقاحة الامريكية في اعلى مستوياتها وهي تتعامل مع قضية الاقباط المصريين وتحاول استغلالها في ابتزاز مصر والضغط عليها. ورغم الفشل المتوالي للمحاولات الامريكية في هذا الصدد, فانها لم تتوقف ولن تتوقف... فاضعاف مصر سوف يظل على الدوام هدفا اساسيا للسياسة الامريكية في المنطقة, واي اضعاف لمصر من ان تضرب وحدتها الوطنية.. سلاحها الاساسي في معاركها الطويلة والمستمرة. وقد بدأت امريكا حملتها الوقحة بالحديث عن (مذابح) الاقباط في مصر, مستغلة في ذلك بعض حوادث الارهاب التي تصاعدت في بعض الفترات وخاصة في صعيد مصر, ولكن الحملة لم تصمد طويلا... فمن ناحية كانت الحقائق تؤكد ان ضحايا الارهاب من المسلمين اضعاف الضحايا من الاقباط, ومن ناحية اخرى كانت اسلحة الارهابيين موجهة في الاساس الى الشرطة بهدف ضرب هيبة الدولة, ومن ناحية ثالثة كانت الاحداث تكشف عن ان الارهاب في النهاية هو صناعة امريكية, وان الخيوط تبدأ من افغانستان حيث تم استدراج الشباب المسلم بحجة محاربة الشيوعية, ثم اعيدوا بعد ذلك الى البلاد العربية لينشروا الفساد والارهاب في انحاء الوطن العربي مستهدفين تحويل كل بلد عربي الى جزائر اخرى او افغانستان جديدة. ولعل ذلك يفسر انه في كل حوادث الارهاب في مصر لم يسقط امريكي واحد. ولعله يفسر ايضا استمرار الاتصالات بين الامريكان وجماعات الارهاب في مصر حتى الآن. ومع انحسار الارهاب في مصر ونجاح الجهود لتطويقه, تراجع الحديث عن المذابح المزعومة للاقباط في مصر, ولكن الحملة الامريكية لم تتوقف وان اتخذت مسارا آخر, وبدلا من الحديث عن ذبح المسلمين للاقباط, اصبح الحديث عن اضطهاد الدولة للاقباط ومحاولة خلق ما يسمى بالمسألة القبطية, واتخذ العمل في هذا المجال طريقين... فمن ناحية بدأ تجنيد بعض المهاجرين المصريين الذين اكتسبوا الجنسية الامريكية وارتبطوا بعلاقات مع المخابرات الامريكية او تم اختراقهم من المنظمات الصهيونية... ليقوموا بحملة دعائية واسعة ومدعومة لم تقتصر على الهجوم على الحكم في مصر, بل تعدت ذلك الى مهاجمة الكنيسة المصرية والتشكيك في رأس الكنيسة البابا شنودة الرجل الوطني العظيم الذي لن تنسى له امريكا ولا اليهود موقفه الحاسم ضد التطبيع ومع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومنع اقباط مصر من زيارة القدس حتى تتحرر من اسرها وحتى يدخلها المسلمون العرب اولا. على الجانب الآخر بدأت محاولات لاختراق الاقباط داخل مصر, ارتدت احيانا ثوب حقوق الانسان, وارتدت احيانا اخرى ثوب البحث العلمي, وبأموال ومعونات مشبوهة بدأت بعض المنظمات تشارك في اللعبة. وتفجر الوضع حين آراد احد مراكز البحث العلمي (المدعومة بشدة من الخارج) تنظيم مؤتمر عن الاقليات في الوطن العربي والمشاكل التي تعانيها, فاذا به يضع الاقباط ضمن هذه الاقليات وثار الرأي العام في مصر, وكان الاقباط انفسهم اشد الثائرين, واكد البابا شنودة ــ باسم اقباط مصر ــ انهم ليسوا اقلية تختلف مع الاغلبية المسلمة, وانما هم جزء من نسيج وطني واحد يتسع للجميع, وان اي محاولة لضرب هذه الوحدة الوطنية مرفوضة من الجميع. وفشلت اللعبة, ولكن المؤامرة استمرت, والتحركات الامريكية المشبوهة لم تتوقف, وانتقل مركز النشاط الى الكونجرس, وبدأ الحديث عن قانون جديد لمنع الاضطهاد الديني, يركز على اضطهاد المسيحيين في العالم ويفرض على الحكومة استخدام العقوبات الاقتصادية وغير الاقتصادية على الدول المتهمة بهذا الاضطهاد. وكانت المفاجأة ان وضعوا مصر بين هذه الدول ثم اضطروا لحذف اسماء الدول بعد ردود الفعل الواسعة التي واجهتها امريكا, واخيرا اضطروا لتجميد مشروع القانون كله... ولو الى حين. اما آخر الوقاحات الامريكية في هذا الشأن فكانت بعثة عضو الكونجرس الامريكي فرانك وولف الذي جاء الى القاهرة لينصب نفسه مبعوثا ساميا امريكيا للتفتيش على شؤون الاقباط في مصر. لقد امضى (المستر وولف) يومين في القاهرة قابل خلالها بعض المسؤولين... جامله بعضهم واسمعه بعضهم كلاما قاسيا, ولم يذهب الرجل الى الكنيسة المصرية ولم يقابل احدا من رجالها, ولكنه عقد بعض اللقاءات السرية مع بضعة اقباط في السفارة الامريكية بالقاهرة, ثم ذهب الى احد الاحياء العشوائية التي يسكنها جامعو القمامة في العاصمة المصرية, وعاد لامريكا ليعلن انه قد تأكد ان هناك اضطهادا دينيا في مصر, وانه سيخوض المعركة ضده حتى النهاية. وبالطبع سيجد هذا الـ (وولف) ابواقا تردد مزاعمه, واعلاما امريكيا تسيطر عليه الصهيونية سيهلل لاكتشافاته (!!) وادارة امريكية مشغولة بتغطية عورة رئيسها عن ورطته الجنسية, و(كونجرس) يتلقى اوامره من نتانياهو واستراتيجية ثابتة تريد اضعاف مصر بأي ثمن والاساءة لها بأية طريقة. ولقد اعلن هذا الـ (وولف) انه سيعود لمصر ثانية... لن يعود ليستدرك مافاته فيقابل زعماء الكنيسة المصرية, ولن يعود ليقابل احدا من رجال الاعمال الاقباط الذين يمثلون ما يقرب من نصف القوة المالية في السوق المصري, ولن يعود ليقابل أحدا من أغنى أسرة في مصر وهي أسرة (ساويرس) . ولن يعود ليعتذر عن وقاحته في التطاول على مصر, بل سيعود ليذهب إلى صعيد مصر ليواصل حملته الصليبية ضد مصر بأقباطها ومسلميها معا. ولا نريد أن نقف طويلا أمام السيد (وولف) وزياراته المشبوهة. فالرجل قد يكون مجرد سناتور جاهل بمصر أو مدفوع للعمل ضدها. وهو في النهاية جزء من ظاهرة يبدو أن أمريكا مصممة عليها... وهي محاولة خلق خرافة إسمها اضطهاد الأقباط في مصر. وبداية فإن التدخل الأمريكي في شؤون مصر الداخلية بهذه الصورة الوقحة أمر مرفوض, خاصة إذا لم يكن إلا مجرد ترديد لأكاذيب ومحاولة للتآمر ضد استقرار الوطن. وإذا كانت الحكومة ــ لأسباب معروفة ــ تتصرف بدبلوماسية شديدة, فإن الأمة بكل مؤسساتها ترفض أي تدخل أمريكي لزرع الفتنة الطائفية, والأمة ــ بأقباطها ومسلميها ــ هي التي حمت الوحدة الوطنية في مصر على مدى العصور. الأمة ــ بأقباطها ومسلميها ــ هي التي وقفت ضد الحملات الصليبية, وأدرك أقباط مصر يومها أنهم في قارب واحد مع إخوتهم المسلمين, وقاتلوا معا حتى هزموا من جاءوا لغرب مصر باسم المسيحية. والأمة ــ بأقباطها ومسلميها ــ هي التي هزمت محاولات الانجليز على مدى 65 سنة لزرع الفتنة الطائفية, وفي ثورة 1919 تعانق الهلال والصليب ضد الاستعمار, وفي حرب اكتوبر امتزجت دماء المصريين جميعاً على شاطئ القناة.. ولن تختلف الاحوال في أي معركة وطنية قادمة. إن ذلك يعني أنه لا توجد مشاكل, ولكنها مشاكل الشعب الواحد الذي يسعى للتقدم في أصعب الظروف.. قد لا يكون الوجود القبطي في مجالس الشعب كما نأمل جميعا, وكذلك تواجد المرأة وتمثيل الشباب... وكلها أمراض تعاني منها الحياة السياسية المصرية نتيجة للظروف التي تعيشها, وهي تعبير عن مشاكل سياسية وأزمة ديمقراطية... وليست تعبيرا عن أزمة في العلاقة بين الأقباط والمسلمين كما تردد المزاعم الأمريكية. وهي مشاكل يحلها الحوار الدائم بين مختلف التيارات السياسية والفكرية في مصر, بعيدا عن أي تدخل أجنبي لا يمكن أن يكون استقرار مصر بين أهدافه. ثم... من الذي أعطى للأمريكان حق التدخل في مثل هذه الأمور, وهم آخر من يتحدث فيها. لقد كان التسامح الديني يرفرف على ربوع مصر, في الوقت الذي كان البيض في أمريكا يقيمون المذابح للسود, ويمارسون أبشع صنوف الاضطهاد والعنصرية, ويكتبون على مطاعمهم الفاخرة غير مسموح للكلاب والسود أو اليهود. وإذا كانت أمريكا قد أصبحت الأم الرحيمة للعالم كله التي لا هم لها إلا نشر الفضيلة والتسامح, فلماذا كان الصمت على مذابح المسلمين في البوسنة والهرسك ثم في كوسوفو, ولماذا التواطؤ في أحقر جريمة شهدها العالم والسماح بتشريد شعب فلسطين على يد الصهاينة وبالدعم الأمريكي الذي ليس له حدود؟! أمريكا آخر من يتكلم في هذه القضايا, وإذا تكلمت فبالاحترام الواجب, أما الوقاحات التي تأتي من أمثال السيد (وولف) فمرفوضة, وأما التهديدات التي تأتي من الكونجرس أو الإدارة فإنها لا تخيف أحداًَ ... ولكنها تفتح العيون على حجم التآمر على مصر والعرب, وحجم العمل المطلوب من كل القوى الوطنية لمواجهة هذا التآمر وفضح المشاركين فيه, وسد الطريق عليهم. أمريكا آخر من يتكلم في هذه القضايا, ومصر آخر من تتهم بالاضطهاد الديني, وعلينا جميعا ــ حكومة ومعارضة وأحزاباً وهيئات ــ أن نقولها واضحة: إننا لن نقبل أي تدخل في شؤون مصر الداخلية, وأننا نعرف مشاكلنا ونحلها معاً, وأن أمريكا أو غيرها ترتكب أفدح أخطائها إذا تجاوزت الخطوط الحمراء في علاقتها بمصر واستمرت في التآمر في هذه القضية التي لا تهاون فيها... قضية الوحدة الوطنية التي كانت في مصر ــ وستظل ــ مثلا يحتذى بها. و.. يقول هذا الـ (وولف) الأمريكي أنه سيأتي مرة أخرى وسيذهب للصعيد ليتفقد الأحوال وكأنه قد عين مفتشاً عاما ً لشؤون أقباط مصر, وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلا. وإذا كان للحكومة اعتباراتها السياسية والدبلوماسية في هذا الشأن التي تجعلها تسمح لـ (وولف) الأمريكي بالحضور.. فليأت ضيفاً غير مرغوب فيه, وليسمع بأذنيه ويرى بعينيه إجماع الأمة ــ بمسلميها وأقباطها ــ على رفض الوقاحة الأمريكية, وليدرك أن وحدة مصر الوطنية فوق أي اعتبار.. ومن أرادها بسوء قصمه الله, أو أعطاه شعب مصر الدرس المطلوب.