في البدء كانت الكلمة،خلقها الله شجرة قبل أن تظهر الخضرة.. خلقها نجمة قبل أن يولد الضوء ليبدد العتمة..وخلقها سبحانه قبل أن ينهمر المطر.عرفها الإنسان جسرا للاتصال قبل أن يعرف المطبعة والصحيفة والقصيدة..واجه بها الصمت قبل أن يعرف الصخب واستخدمها للاحتجاج على غياب العدل.. وسحق الحرية.. وسوء توزيع الثروة.. وعبر بها عن عصافير الحب التي تنقر قلبه وتحلم بتأشيرة سفر من صدره.. لتطير وتطير حتى يغلبها النعاس والتعب فتنام في فندق خمس نجوم اسمه (عيون المحبوب) . في البدء كانت الكلمة إن كلمة (المساواة) فتحت سجون العنصرية ليقضي فيها نيلسون مانديلا 28 عاما بعيدا عن النور.. وكلمة (الصبر) جعلته زعيما يحتل ضمائر البشر وينحني له العالم دون أن يراه.. وكلمة (الكفاح) قلبت حياة (البيض) في جنوب افريقيا إلى جحيم لا يطاق.. وكلمة (الديمقراطية) توجت مشواره بحكم بلاده.. وكلمة (المغفرة) وضعت جدارا سميكا من العزلة والألم والفراق والبعاد بينه وبين حب الأيام الخضراء.. زوجته (ويني) التي شاركته العشق والثورة.. وكلمة (طلاق) ألقت كلا منهما في طريق.. وكلمة (الحب) فتحت قلبه من جديد وهو في الثمانين من عمره لشحنات النبض والاضطراب في خضرة امرأة من طرازه.. هي جراسا ميتشيل أرملة رئيس موزمبيق السابق الذي قتل في حادث سقوط طائرة. لقد استسلم مانديلا للمعجزة الكبرى.. معجزة الحب في الثمانين.. احتضن زوبعة العبير التي هلت عليه دفئا.. انها جراسا التي انشقت عنها السماء فضربت مثل الطوفان شطآن حياته.. وألقت به في جزيرة من الدهشة يحاصرها البحر من جميع الجهات.. إن الدهشة هي التي تؤكد الحب والفرح لرجل في عمر مانديلا.. هي قطرات الندى التي تجعل ساعات العشق تدق من جديد.. وتجعل الخريف يعود ربيعا.. والحيوية تمتد إلى عمر الشيخوخة.. وتجعل فصول الإنسان تتغير.. فيأتي الحر في يناير.. وتتفجر الزهور بالألوان في عز نوفمبر. ولا جدال ان الحب الذي كان يفتقده مانديلا منحه الحماس لتجديد الحياة.. ولم تكن مفاجأة ان يبادر باعلانه بهذه الشجاعة.. فالرجل الذي تحدى العنصرية والقسوة ومرارة الوحدة في ليالي السجن الطويلة ليس من الصعب أن يخرج للعالم ويقول (انه يحب) .. والرجل الذي قدم كل ما يملك لوطنه حتى استرد هذا الوطن نفسه من حقه أن يعشق ويرقص ويقفز في الهواء ويرتدي قمصانه المشجرة ويتزوج ويهنأ ويهدأ... ولا يمكن أن نحاسبه أو نعامله كدون جوان يلعب في الوقت الضائع. انه رجل يحب.. وليس أروع من متابعة قصة حب عظيمة.. ولا سيما إذا كان بطلها افريقيا.. رومانسيا.. مثل مانديلا.. كانت بلاده العشق الأكبر في حياته.. والأنثى الخالدة التي تربعت في قلبه.. إن حبه لوطنه جعله لا يخجل من حب امرأة.. ثم.. إن الشجرة لا تخجل من ثمارها.. والسماء لا تخجل من بريق نجماتها.. والعيون المسكونة بالليل لا تخجل من لمعانها.. فلماذا يخجل مانديلا من عواطفه؟. وقد رفض مانديلا ان يصدر بيانا عن القصر الرئاسي في جنوب افريقيا يقول: إن الرئيس لا يحب. وقال لماذا نكذب والرئيس يحب! قالوا: ولكن.. الخصوم السياسيين قد يستغلون القصة في التشهير!. قال: أنا رجل أحب.. وسأتزوح من أحب.. ولست (بلاي بوي) يلعب بذيله أو يتحرش جنسيا بسكرتيراته.. فيستدعيه (بوليس الآداب) لأخذ أقواله.. لا تطردوا الربيع من قلبي.. ولا من قصر الحكم. وفيما بعد صدر البيان الرئاسي الرسمي ليقول: ان الرئيس يحب.. وان الحب سيتوج بالزواج.. وان مهر العروس سيكون (60 ثورا) قويا.. جريا على عادة القبائل الافريقية.. ومنها قبيلة خوسا التي تنتمي إليها العروس جراسا ميتشيل. لقد رفض مانديلا الكذب السياسي.. والكذب العاطفي.. ورفض (مسرح العرائس) الذي يحركه مسؤولو البروتوكول والتشريفات والعلاقات العامة. ويقول مانديلا انه كان يتذكر جراسا في الفجر والطرقات مغسولة بالمطر فيخرج ليتمشى بعيدا عن الحراسة الخاصة بين الأشجار ويلتقط أوراقها.. منتهى البراءة والطفولة والشاعرية. ويقول أيضاً ان الارتباط بأمرأة يعني ولادة جديدة للدنيا, وحياة الرجل الحالية من الحب, هي حياة ملح واسفنج, تعطل فيها الاجهزة العصبية .. وتلغى منها الحواس الخمس. ويقول كذلك: ان (البيض) جاءوا اليه ذات ليلة كفوج من الذئاب الجائعة ليسرقوا حريته وليخصموا من عمره 28 سنة قضاها في الاسر, كانت احلى السنوات, لكنهم, اعتقلوا جسده ولم يعتقلوا قلبه, ظل قلبه في نفس عمره يوم دخل السجن في صيف ,1962 وعندما خرج من السجن وجده لايزال صالحا للحب, وبعنفوان, فطرد الاحزان, وراح يحلم بفرط الرمان, وعاد يتأمل ضوء القمر في ليالي السهر. أما اشد احزانه فكانت صدمته في زوجته وأم ابنتيه, (ويني) لقد احبها في عام 1956 وهو محام يدافع عن الناس قبل ان يصبح محاميا يدافع عن وطنه, وقد كانت مثل ماسة سوداء, وهو ما جعله يكتب فيها شعرا وان لم يعد يتذكره, ولكنه يتذكر انه ترجم ابياته إلى وردة حمراء جميلة من الغابات البرية كان يحملها لها كل يوم طول أربع سنوات تزوجها بعدها, وعندما دخل السجن مدى الحياة كان يكتب لها خطابات رومانسية ناعمة يفتقدها فيها ويفتقد الشمس التي انطفأت, والقمر الغائب عن زنزانته, والمذهل ان السلطة العنصرية التي كانت تراقب خطاباته لم تكن تسمح بتوصيلها إلى زوجته, فرجل بهذه المشاعر وهو في السجن هو رجل شديد اليأس, وشديد الخطورة, ولابد من كسره, وتحطيم معنوياته, وقد فشلوا في ذلك. وواصلت (ويني) مشوار الدم والنار الذي بدأه مانديلا, ونجحت كثيرا لسنوات طويلة, ولكنها لم تستطع الاستمرار في الاحتمال, ضعفت, اهتزت, اضطربت, انكسرت, خانها جسدها, فوجدت نفسها في حياة رجل آخر, تبادلت معه المشاعر والعواطف والخطابات الحارة, وتمادت اكثر, واكثر إلى ما هو ابعد .. والاخطر انها انشرخت وانقسمت بين رجل هو رمز لأمة حتى ولو كان في السجن, ورجل اخر قريب إلى انفاسها لم يحترم وطنه وهو في اصعب ايامه, ولعل هذا الفصام هو ما جعل (ويني) تتجاوز حدودها وتتصرف من رأسها بعيدا عما يقوله مانديلا, فاتهمت بجرائم قتل واختطاف بعض الخونة من ابناء جنسها الذين تعاملوا مع السلطة البيضاء التي استغلتها لصالحها وضد مانديلا, وقد كشفت هذه الجرائم أقرب الصديقات لها, مساعدتها (زوليسوا فيلاني) التي شهدت ضدها في المحاكمة, وارسلت بخطاباتها الغرامية إلى مانديلا وكان لايزال في السجن, وفي لقاء في السجن بين مانديلا وزوجته تبادلا نظرات مبهمة فيها الاسى والاسف, ولم يجدا مبررا للاعتذار والعتاب, واتفقا على الطلاق, وعندما خرج مانديلا من السجن منتصرا لم يكن احد يعرف انه كان مهزوما في قلبه, مطعونا من المرأة التي احبها. لقد جاءت الضربة لمانديلا من حيث لا يتوقع, جاءت في الظهر, حيث الحماية والامان, جاءت من المرأة وهو يقود الثورة, ولكن لم يتوقف عن الثورة, ولم يفقد ايمانة بالمرأة, واعترف بان زوجته احتملت ما لم تحتمله امرأة اخرى, ولكن الحب الذي خرج من قلبه, وكان لابد ان يخرج. ان الثائر مثل الشاعر يحلم بتغيير الكون, ويحلم بكنس القبح من حوله, ويوم فقد الثائر رومانسيته يفقد صنعته وخصائصه ويصبح رجل اعمال أو ضابط شرطة أو اي انسان اخر مهمته الابقاء على الامر الواقع. وقد كان مانديلا يقول انه شاعر لا ثائر, وان قلبه المفعم بحب وطنه لا يستطيع الاستغناء عن المرأة, فالوطن والمرأة هما (مشروع قومي واحد) . لقد تابعت حياة هذا الرجل الاسطورة, وغصت فيها, وقلبت وجوهها السياسية والعاطفية, وزرت بلاده في الوقت الحرج الذي كانت السلطة فيه تنتقل من (البيض) إلى اصحابها (السود) , الذي قتل منهم 5 ملايين شخص خلال 50 سنة من الكفاح المسلح, واعترف بانني لم اعرف حقيقة الحكمة الشائعة التي تقول: (لا يموت حق وراءه مطالب) , الا هناك في جنوب افريقيا التي تعرفت عليها في شتاء 1992 بعد رحلة طيران استغرقت 9 ساعات من القاهرة إلى جوهانسبرج. انني لم اسقط في هوى جوهانسبرج أو بريتوريا, أو اي مدينة اخرى في جنوب افريقيا, انها مدن حديثة, نظيفة, عريضة, لكن العلاقة مع المدن لا تقاس بالطول أو بالعرض, ولا تحسب بالمواصفات الهندسية وقوانين التنظيم, العلاقات مع المدن تقاس بالنبض, بالقلب, بالمقاييس العاطفية. ان جوهانسبرج هي عاصمة المال والاعمال, وبريتوريا هي العاصمة السياسية, لكن الحكومة لا تمكث فيها سوى ستة اشهر وتنتقل في النصف الثاني من السنة إلى كيب تاون, اما جلونفتين فهي العاصمة القضائية, حيث المحاكم والسجون, ولا فرق بين مدينة وأخرى هناك, انها كانت مدن بيضاء في جزء من قارة سوداء, شوارعها خالية من الرحمة, والسطو والخطر عند كل منحنى, وراء كل جدار مطواة لامعة في يد شاب اسود تجدها في ضلوعك أو ظهرك أو رقبتك.. انه فقير معدم يريد ان يتذوق طعم الترف الذي يراه حوله والذي يشعر في اعماقه انه صاحبه.. وانه حرم منه. لقد سلخ الرجل (الابيض) جلود (السود) وصنع منها احذية وحقائب ووسائد وقبعات للاطفال واستخدم عظامهم في تكرير (السكر) الذي يشرب به شاي الساعة الخامسة, على الطريقة الانجليزية ــ وهو يتمشى ويتسلى باطعام النسانيس الفول السوداني وثمار الفاكهة التي حرم منها (العبيد) الذين يزرعونها تماما مثلما حرمهم من الذهب والماس والمعادن الخام التي كانوا يستخرجونها من عيونهم قبل أن يستخرجوها من باطن الارض وكان البيض يكسبون من وراء ذلك 60 مليار (راند) سنويا والراند يساوي الجنيه تقريبا اما السود فكانوا يموتون من الجوع والنهب والرصاص والاوبئة. لكنهم لم يستسلموا ومشوا وراء مانديلا وهم مؤمنون بانالحق الذي وراءه مطالب لايضيع ولا يموت والغريب ان هذه الحكمة صاغها العرب ورددوها لكنهم لم يؤمنوا بها وهم يقاتلون اويفاوضون اسرائيل. ان الناس في جنوب افريقيا الذين يمثلهم مانديلا واقعيون في حياتهم العامة.. رومانسيون في حياتهم الخاصة وقد تمنيت ان نستوعب تجربتهم ونتخلص من براءتنا التي صورت لنا ان سمكة القرش الاسرائيلية تنازلت عن انيابها المفترسة ونسيت رائحة الدم وشمت بدلا منها رائحة الفل وانها اهتدت وآمنت بالله وكتبه ورسله واليوم الاخر وانها ستعيد الحقوق الى اصحابها وكل الدنيا تعرف اننا واهمون... الا نحن. لقد كان موقف السود في جنوب افريقيا أسوأ مليون مرة من موقف الفلسطينيين في اسرائيل فهناك كان 350 قانونا للعنصرية قوانين مكتوبة وموافق عليها في البرلمان قوانين جعلت الاوروبي الابيض الذي يعتبر نفسه رسول الحضارة كائنا شرسا متوحشا لايعرف سوى الاذى مثل العقارب والافاعي وغيرها من الكائنات التي تعض. بالقانون... كان من حق البيض سلب الاراضي والاستيلاء عليها ولذلك كان حوالي 87% من مساحة البلاد (1221000 كليو متر مربع) ملكية خالصة للاقلية البيضاء وبالقانون حق المواطنة للبيض فقط وليس للسود او الهنود او الملونين فلا يسجل غير البيض في مكاتب البيض وليس للسود هوية اوجنسية اوجواز سفر.. وعندما حصل القس الاسود ديزموند تولو على جائزة نوبل للسلام في عام 1984 كان من الصعب عليه السفر الى السويد لتسلم الجائزة فليس من حقه استخراج جواز سفر وعندما قامت قيامه العالم على الحكومة العنصرية استخرجت له جواز سفر وفي خانة الجنسية كتبوا: (غير محدد بعد) . وبالقانون كان السود يعيشون في مناطق خاصة معزولة عن مناطق البيض تسمى البانتوستانات انها احزمة من المساكن والاكواخ العشوائية قريبة من الغابات والمزارع ولا يوجد في احياء البيض سوى الخدم ومحرم عليهم البقاء في هذه الاحياء بعد غروب الشمس الا بتصريح خاص والا وضعوا في السجون. وبالقانون لم يمكن من حق السود الانتقال من عمل الى عمل او من مدينة الى مدينة الا بتصريح خاص. وبالقانون لم يكن السود ليتعلموا في مدارس البيض او ليأكلوا في مطاعمهم او ليشتروا من محلاتهم وقد روى لي رجل اعمال مصري انه ذهب الى كازينو على نهر الغال في جوهانسبرج كان مخصصا للبيض.. وفوجىء بمدير الكازينو يقول له انه كان يتمنى ان يموت ولايعيش اليوم الذي يدخل فيه السود اوا لكلاب محله.. انه يوم اسود ان يخدم فيه شخصا اسود. لقد تغير ذلك كله بعد ما فعله مانديلا.. لقد جعل بلاده بالنسبة لاهلة كالزهرة التي تتفتح تماما كما وصف مافعلت به جراساميتشيل التي احبها في ربيع 1996 وقرر ان يقضي بها على وحدة نهاية العمر بعد مشوار طويل من المعاناة والالم وهي بالقطع امرأة تناسبه فقد كافحت مع شعبها من اجل تحرير موزمبيق ولعبت دورا في الحياة العامة فيما بعد. اما زوجة مانديلا السابقة فقد انفصلت عن المحامي الشاب الذي احبته ولم تتردد في الدفاع عن نفسها (انني لم اعش مع مانديلا سوى ثلاثة اعوام وافتقدته 30 عاما) واختفت (ويني) بعد ذلك لفها الصمت والنسيان في اليوم الذي قرأت فيه خبر زواجه فتحت كتابا قديما تحتفظ به وشمت وردة كان قد قدمها لها وحنطتها بين الاوراق الصفراء ولم تكن لها رائحة فقد فقدت عطرها القديم.