هم الذين سمّو(السلام)خرافة! وهم الذين دعوا الى تفجيرها, ونحمد الله كثيرا ان الدعوة كانت هذه المرة اسرائيلية لا عربية, واليكم ملخصها حيث اعلن ناشط صهيوني من اليمين تأسيس منظمة جديدة اطلق عليها(معسكر اسرائيل)هدفه تفجير(خرافة السلام). هذا ما حدث في اسرائيل, اما الساحة العربية فقد شهدت وفي مفارقة غريبة, حدثا مناقضا تماما, حيث تم التوقيع على ما اطلق عليه (اعلان السلام) قام به مجموعة من المثقفين العرب وممثلو حركة (السلام الآن) الاسرائيلية وقد كتب كثيرا عن هذا الاعلان وملابساته ودوافعه ومقاصده, خاصة لدى الطرف الاسرائيلي. غير ان التوقيع على ذلك الاعلان, والذي تم الترويج له بحسبانه خطوة هامة نحو التقريب بين العرب والاسرائيليين في المسائل العالقة بين الطرفين, جاء في اطار السياسة الاسرائيلية الشاملة لاستدراج ساسة العرب ومثقفيهم ــ فضلا عن عامتهم ــ للقبول بالمفهوم الاسرائيلي للسلام المعروض, وهي السياسة التي تعتمد على مسألة هامة تتمثل في الغاء تاريخ وآثار الصراع بين العرب واليهود. مما يدعونا الى الجزم بأن هناك اغتيالا يستهدف الذاكرة العربية. التطبيع بعد اغتيال الذاكرة ما قام به نفر من مثقفي العرب في الاعلان المشبوه, ومن قبله, اعلان كوبنهاجن في العام الماضي, جاءا في سياق اللقاءات المكثفة التي جمعت (الصهاينة العرب) مع من يطلق عليهم (تيار الاعتدال) في اسرائيل و(حمائم السلام) فيها. والحقيقة ان هؤلاء جميعا ليسوا دعاة سلام ولا امان, وانما هم مغتالو الذاكرة العربية, والتي تحتفظ على مدى الخمسين عاما الماضية بشرائط تحوي مظاهر ومشاهد مأساوية اشد محطاتها بؤسا نكبة ,48 وعدوان ,56 ونكسة ,67 واجتياح لبنان وغزوه في 78 و82. واهم آثار تلك المحطات قتل شعب وتشريده, واغتصاب ارض وعدوان على المقدسات ونهب للمتلكات وانتهاك لحقوق الانسان, ومصادرة لحرياته.. الى آخر تلك القائمة المعروفة الحافلة بتلك المظاهر والتي اذا تم استحضارها تراجع ــ بلا شك ــ خط الالتقاء مع الطرف الآخر, خاصة بعد اعطائه وضعه الحقيقي باعتباره الطرف المعتدي, الذي مازالت يده ملوثة بدماء السكان الاصليين, ومازالت جناياته بحق العرب والفلسطينيين قائمة ومستمرة. وحيث ان الطرف الصهيوني لا يرغب في اعادة الحقوق المغتصبة الى اصحابها, فضلا عن الاقرار بعدم شرعية كيانه, فانه لا سبيل للاحتفاظ بتلك المكتسبات (المغتصبات) الارض وشرعية الوجود, الا باحداث انقلاب في المفاهيم, ولبس في المصطلحات المستخدمة في مسيرة التسوية, مع ما تتطلبه هذه العملية من غسيل للعقل العربي, والغاء لذاكرته. وذلك تمهيدا وتسهيلا لتمرير الصفقات, من قبيل الاعلان سالف الذكر. بسبب ذلك, تبدو ثمة ضرورة لاحياء الذاكرة العربية وإفساد محاولات تغييبها.. ولاشك ان تمحيص الواقع الاسرائيلي, وفرز تياراته وتحليلها من الامور المساعدة على تجلية حقيقته. إجماع على المشروع الصهيوني من السذاجة, بل من الخطأ الفادح, الاعتقاد بأن هناك تفاوتا بين الاسرائيليين على اختلاف احزابهم وآرائهم, حول المشروع الصهيوني وأهدافه, والذي يمثله حاليا الدولة العبرية القائمة. وقبل تأكيد هذا المعنى, اذكر عناصر الاجماع الصهيوني والتي اوردها الدكتور عبدالوهاب المسيري في موسوعته النفيسة حول اليهود واليهودية والصهيونية, حيث ذكر ان الاجماع, في عالم السياسة, هو الاتفاق بين النخبة والغالبية الساحقة من الشعب بشأن عدد من المسلمات الفلسفية والاخلاقية والسياسة. و(الاجماع الصهيوني) هو اتفاق داخل الدولة الصهيونية بين التيارات والاتجاهات والاحزاب الصهيونية, التي تضم الأغلبية الساحقة من المستوطنين الصهاينة بشأن الامن, وحدود الدولة, والعلاقة مع الفلسطينيين, ومع يهود العالم ودول العالم, وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي ترعى الكيان الصهيوني. وقد تظهر اختلافات بين الوسائل والنهج, ولكنها لا تنصرف قط الى المسلمات النهائية. هذا الاجماع يمكن تلخيصه فيما يلي: اليهود شعب واحد, طليعته هم المستوطنون الصهاينة, وفلسطين أرض الميعاد, أو ارتس يسرائيل (وطن اليهود القومي) وليست فلسطين وطن اهلها, وحدود ارتس يسرائيل مراوغة ومطاطة, ولا يمكن تحديدها في الوقت الحاضر, حيث لابد ان تتوسع اسرائيل حتى تصل الى حدودها التاريخية (التي ورد ذكرها في التوراة), وعلى يهود العالم ان يهاجروا الى ارتس يسرائيل, وان يلتفوا حول دولتهم الصهيونية القومية, وان يقوموا بدعمها ماليا وسياسيا, فهي المركز وهم الهامش. هذه الدولة يجب ان تكون يهودية خالصة, تجسد الرؤى اليهودية, وبامكان اليهودي ان يحقق فيها ذاته وهويته. وجود الفلسطينيين في وطنهم فلسطين ــ حسب التصور الصهيوني ــ امر عرضي زائل, ومن ثم لابد من التخلص منهم بشكل ما (لتأسيس الدولة النقية المقصورة على اليهود). سياسة الامر الواقع هي الوحيدة التي يمكن اتباعها مع العرب, وذلك من خلال فرض واقع صهيوني جديد, لتحقيق السلام بالشروط الصهيونية من خلاله. لا يمكن تفكيك المستوطنات القائمة, لأن ذلك من شأنه ضرب صميم الشرعية الصهيونية ودولتها التي تضم الضفة الغربية, وحدودها نهر الاردن. القدس هي العاصمة الموحدة والأزلية للدولة الصهيونية (وليست موضوعا للمساومة). يذهب الاجماع الصهيوني, رغم كل ديباجات الاستقلال والاعتماد على الذات الى انه دون الدعم الغربي, وبخاصة الامريكي للمستوطن الصهيوني, فلن يقدر له البقاء والاستمرار. وهذا المستوطن يضطلع بوظيفة اساسية في الدفاع عن دولته وعن المصالح الغربية. ذلك ان الغرب تبنى المشروع الصهيوني, وضمن له البقاء والاستمرار, كي يدافع عن المصالح الغربية, ومن ثم, فانه مالم تقم الدولة الصهيونية بوظيفتها, فلن يكون هناك دعم لها. اذا تبين حقيقة المشروع الصهيوني وعناصر اجماعه كما ذكرها الدكتور المسيري, واضيف الى كل ذلك حقائق التاريخ منذ قيام اسرائيل وحتى اليوم, تأكد ان الرهان على فئات صهيونية توصف بالاعتدال واستعدادها القبول بالتنازل عن اي من عناصر مشروعه, وهم أو خداع, لا ريب في ذلك. ذلك ان من يطلق عليهم (الحمائم) في حزب العمل, هم الذين قادوا الحروب الكبرى ضد العرب في 56 و67. وهم الذين قادوا حملة الاستيطان, وفي عهدهم تمت مذابح الخليل والمسجد الاقصى وقانا. اما التعويل على اليسار الاسرائيلي في تحقيق السلام واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس, فذلك زيف آخر, أو خديعة كبرى. وأمر ثبت بطلانه ايضا بمواقف رسمية عبرت عنها كافة الاحزاب اليسارية الرئيسية في اسرائيل. منها على سبيل المثال حزب ميريتز الذي اعلن في العام الماضي رفضه خطة لجعل القدس عاصمة لدولتين, فلسطينية في قسمها الشرقي, واسرائيلية في قسمها الغربي. وعارض رئيس الحزب يوسي ساريد هذا المشروع معتبرا ان تعديلا من هذا القبيل من شأنه ان يعزل الحزب لدى الرأي العام الاسرائيلي. اما موقف عامة الاسرائيليين والمستوطنين من القبول بالتعايش والتطبيع مع العرب, فإليك ما ذكره المخرج السينمائي الفلسطيني محمد سوالمة الذي قال انه أصيب بالذهول عندما القى نظرة على مستوطنات يهودية (محصنة) في الضفة الغربية. وقد امضى سوالمة ستة اشهر يتجول مع طاقم تصوير تلفزيوني في مختلف انحاء الضفة الغربية حيث سأل مستوطنين عن رأيهم في الفلسطينيين واحتمال التعايش السلمي بين الجانبين, وانتهى سوالمه بعد تلك الفترة الى القول انه لم يجد مستوطنا واحدا من بين 27 اجرى معهم مقابلات بقول كلمة طيبة عن الفلسطينيين. بل انه حذف عبارات بذيئة وهجوما حادا على الفلسطينيين من تسجيلات امضى خمسين ساعة في جمعها. واضاف: كنت آمل ان اجد مستوطنا واحدا يقول لي انه على استعداد للعيش سويا مع العرب, ولكني لم اجد احدا. كانت جولة سوالمة في العام الماضي, وذلك عندما كان يعمل على اخراج فيلم (النار القادمة) والذي يسلط الاضواء على موقف 100 الف مستوطن يهودي يعيشون بين مليون فلسطيني في الضفة الغربية. واثناء تلك المهمة, واجه سوالمة العديد من الادلة المؤكدة لحقيقة التطرف الاسرائيلي في اوساط المستوطنين اليهود. وسمع الكثير من العبارات التي تعكس مدى صعوبة تحقيق سلام (حقيقي) بين العرب والاسرائيليين في ضوء مشروعين مختلفين تماما. فحتى يتحقق السلام, حسب وجهة نظر احد المستوطنين, فانه يجب على العرب ان يعيدوا اليهم ــ اي الى اليهود ــ جنوب لبنان ودمشق والاردن وسيناء! ويستبعد مستوطن آخر احتمال التوصل الى سلام مع الفلسطينيين الذين يصفهم بأنهم: (رعاع لا يجيدون الا السرقة والقتل) . وأظهر الفيلم الفلسطيني يهوديا يملك مطعما, وقد سئل عن احتمالات التعايش السلمي مع الفلسطينيين, فرد بحدة قائلا: (تعايش) ؟! يجب ان نطرد العرب من اسرائيل, وانا اقول: نطردهم بدون اي تعويض, انهم قتلة. بينما اقترح مستوطن آخر على طاقم التصوير الفلسطيني زيارة قبر الارهابي باروخ جولد شتاين الذي حصد ارواح اكثر من ثلاثين مسلما اثناء سجودهم في صلاة الفجر في رمضان عام 94. وقد كان تقديم هذا الاقتراح من قبل المستوطن الصهيوني بعد ان توجه الى الطاقم بالسؤال التالي: هل زرتم قبر هذا الشهيد؟ اتمنى وجود عشرة آلاف مثله! هذه الاقوال ما هي الا نماذج لحالات صهيونية تتفق على المشروع واهدافه الثابتة وبحيث لا تحيد عنها, والا فانها لا تحمل الصفة الصهيونية ولا هويتها. والتي من لوازمها تلك النظرة العنصرية التي رأت في ارض الميعاد وطنا خالصا لليهود, لا يشاركهم فيه احد, بل ان الوجود الحالي للعرب على تلك الارض وجود شاذ يسبب تلويثا لها ولسكانها اليهود, ومن ثم, ووفقا لذلك الاعتقاد, وجب تطهير تلك الارض من دنس غير اليهود! اقول هذا القول, وارجو ان يكون في الاشارات السابقة دليلا على فساد ذلك الاعلان التطبيعي وشذوذ اهله, وتأكيدا لثبات المشروع الصهيوني واجماع الصهاينة عليه, واثباتا لجرائمه في الذاكرة العربية.. على الاقل حتى لا ننسى.