استطاعت السياسة الاسرائيلية التي ينتهجها بنيامين نتانياهو وحكومته تفريغ عملية التسوية من مضامينها وتجميدها عند الحدود التي وصلت اليها, بخاصة على المسار الاسرائيلي ـ الفلسطيني وكان بنيامين نتانياهو قد اكد منذ وصوله الى السلطة, صيف 1996, انه سيعمل على مواصلة هذه العملية ولكن, بعد اجراء التعديلات عليها, ذلك ان عملية التسوية بالشكل الذي كانت تسير عليه تشكل (من وجهة نظره) خطرا على اسرائيل ومصالحها ودورها في المنطقة. بناء على فهمه الأولويات الاسرائيلية ولمصالح اسرائيل, وبناء على فهمه لكيفية اعادة الاعتبار للصهيونية ومفاهيمها التقليدية المتعلقة بما يسمى (أرض اسرائيل الكاملة) , ومكانة القدس, ودور المستوطنين, قدم بنيامين نتانياهو أطروحته الثلاثية المعروفة: أمن اسرائيل أولا, التبادلية ثانيا, الديمقراطية وحقوق الانسان ثالثا, على أنها متطلبات اسرائيل للاستمرار بعملية التسوية! على خلفية هذه المتطلبات المعجزة والمعقدة, تفاقمت ازمة التسوية مع الفلسطينيين, وبات الوضع الفلسطيني اسير السياسات الاسرائيلية, بخاصة انه لا يملك موازين القوى ولا العوامل الاقليمية او الدولية الفاعلة التي تمكنه من وقف اسرائيل عند حدها ومنعها من الاستمرار في غيها. وبطبيعة الحال فقد طيرت هذه المتطلبات عملية التسوية وطيرت معها اوهام المراهنة على نمو نزعة التسوية في اسرائيل. فمبادىء نتانياهو الثلاثية تقوض عملية التسوية من اساسها وتجعل منها مجرد عملية جراحية تستهدف من ورائها اسرائيل استئصال الجسم الغريب العالق بها, اي الانفصال عن الفلسطينيين الذين فشلت في محاولاتها السيطرة عليهم او تغييبهم, من خلال منحهم (نعمة) حكم انفسهم بأنفسهم!, وبنفس الوقت الاحتفاظ بالاراضي الفلسطينية تحت السيادة الاسرائيلية!. وبهذا الحل تتخلص اسرائيل من تبعات المشكلة الديمغرافية والقضايا المتعلقة بمشكلة الهوية وتحسن صورتها في العالم الخارجي وترضي ذاته من الناحية الاخلاقية, فهي تتخلص من عبء السيطرة على شعب آخر!. ولا يكتفي نتانياهو بذلك فالمفارقة هنا انه يريد ان يحمل الكيان الفلسطيني المحدود السيادة والمحدود في الامكانيات مسؤولية الحفاظ على امن اسرائيل, وهي مسؤولية لم تسطع اسرائيل نفسها تحقيقها, بشكل ناجز, طوال المرحلة الماضية. وبذلك يبدو هذا الطلب من باب السخرية او التعجيز ففي الوقت الذي تطالب فيه اسرائيل بكيان فلسطيني ضعيف من حيث قدراته ومجالاته السيادية, ومن حيث عدد افراد الشرطة ونوعية تسليحهم, تطالب فيه من هذا الكيان الناشىء ان يقوم بمهمة عجزت هي عنها برغم امكاناتها الاستخباراتية وامكاناتها العسكرية الهائلة. اما بالنسبة لمبدأ التبادلية فتبدو الامور معكوسة تماما حيث تظهر اسرائيل وكأنها بمثابة دولة (محتلة) من قبل الفلسطينيين! فهي تظهر نفسها بصفة المطالب بتنفيذ التعهدات التي التزم بها الفلسطينيون في الاتفاقات الموقعة مع اسرائيل من مثل: تعديل بعض بنود الميثاق الفلسطيني, وتسليم بعض المطلوبين وتخفيض عدد الشرطة وتسليم قوائم بأسمائهم وتخفيف الانشطة في القدس والاقلاع عن نية الاعلان عن قيام دولة فلسطينية من طرف واحد مع نهاية المرحلة الانتقالية (1999) ! وكل هذه الشروط الواهية تضعها اسرائيل في كفة واحدة مع احتلالها للاراضي الفلسطينية وبنفس اهمية محاولاتها تهويد القدس, وعلى مستوى استمرارها بسيطرتها على الشعب الفلسطيني واغتصابها لحقوقه الوطنية, وكأن درجة تنفيذ التعهدات الاسرائيلية مساوية في اهميتها لهذه التعهدات الفلسطينية؛ والأنكي من كل ذلك ان اسرائيل وهي تتشدق بهذه الدعاية المكشوفة لا تجد حرجا في القيام بفرض الوقائع التي تتناقض تماما مع عملية التسوية, والتي تجعل منها مجرد حالة علاقات عامة لا اكثر!. اما المطلب الثالث فلا يقل في الغرابة عن سابقيه فقد جعلت اسرائيل من نفسها وصية على الديمقراطية وحقوق الانسان في المنطقة, وبحسب منهجها الانتقائي العنصري, فهي الدولة التي تمارس العدوان والاحتلال واعلى اشكال اغتصاب حقوق الانسان, الفردية والجماعية بمصادرة حق شعب في تقرير مصيره, هذه الدولة ذاتها تجد في نفسها الجرأة (بل الوقاحة) للمطالبة بالديمقراطية وحقوق الانسان! وتفسير ذلك ان اسرائيل كدولة عنصرية تطالب بحقوق الانسان التي تتلاءم معها والتي تتجاوب مع مصالحها ومع متطلبات فرض وجودها في المنطقة ومن الواضح ان اسرائيل تناقض نفسها في هذا الطرح, كما يتبين من مطالباتها المستمرة بوقف ما تسميه عمليات التحريض ضدها, (وهي الدولة المحتلة) كما يظهر من مطالباتها المتكررة باعتقال بعض الشخصيات لمجرد الرأي المخالف لعملية التسوية, في الوقت الذي تسمح هي فيه لمستوطنيها بالقيام بكل ما من شأنه تقويض عملية التسوية من مثل عمليات الاستيطان وتهويد القدس واحتلال المنازل, وفي الوقت الذي يشن فيه كثيرون من قادة اسرائيل حملة دعائية عنصرية ضد الامة العربية وضد الشعب الفلسطيني, بخاصة وان هؤلاء ضمن الوزارة ومن التيارات القومية والدينية اليمنية الحاكمة في اسرائيل!. من كل ذلك نستنتج بأن نتانياهو وحكومته تملصوا عمليا وواقعيا من عملية التسوية, وازاء هذه الحالة اصبحت الكرة في مرمى العرب, فلم يعد يكفي الترحم على الآمال التي عقدت على هذه التسوية التي حولها نتانياهو الى أشلاء, كما لم يعد مجديا الاثبات للعالم صدق تمسك العرب بهذه التسوية فهذه الدعاية كادت تصبح مسخرة بسبب سياسات نتانياهو وتبجحاته, بمعنى انه بات مطلوبا وقفة عربية جماعية وجدية لمراجعة السياسات العربية, ان لتخليصها من عوامل ضعفها, ولتعزيز عوامل قوتها, او لرسم السياسة الواجب اتباعها لمواجهة السياسات الاسرائيلية, وايضا لتصويب عملية التسوية وصولا لوضع متطلبات استعادة الحقوق العربية.