في أحيان غير قليلة يلاحظ انخفاض مستوى قسم لا يستهان به من كتابات المثقفين العرب. وتوجد اسباب مختلفة لهذا الانخفاض, منها ان تفكير الكتاب احيانا مقيد , وهذا الفكر المقيد لا يجاري انطلاق فكر القارىء, ولا يجاري انطلاق الفكر الذي يتأصل في مضمون الموضوع المتناول. في هذه الحالة ما يحدث هو ان الكاتب يفرض قيودا على انطلاق مضمون الموضوع, غير ان القارىء يدرك وهو يقرأ ان مضمون الموضوع أكثر انطلاقا من كيفية تناول الكاتب له. ويؤدي هذا الادراك بالقارىء الى ان يضيق ذرعا بالمادة المكتوبة. والسبب الثاني لهذه الظاهرة ــ ظاهرة انخفاض مستوى الكتابة ــ هو ان الكاتب احيانا لا يوفق في اختيار العبارات التي تعبر عن المعنى الذي يقصد الاعراب عنه بتلك العبارات, ويوفق الكاتب احيانا اخرى حتى في نفس الكتاب او المقالة في العثور على العبارة اللازمة للاعراب عن المعنى. وهذا يسبب في نشوء ظاهرة مهمة, ظاهرة تأرجح المعنى بين عبارات تعبر عن قسم منه تعبيرا ادق وعبارات لا تحقق التعبير الدقيق عن القسم الآخر, وبالتالي يأتي التعبير عن المعنى ناقصا, ويخفق الكاتب في نقل ما أراد نقله من المعاني عن طريق الكتابة الى القارىء. وثمة سبب ثالث لانخفاض مستوى قسم من الكتابات العربية, مما يؤدي الى السأم من قراءاتها, وذلك السبب هو اتسام تلك الكتابات بسمة تقريرية دون ان تبرر معرفة الكاتب للموضوع هذه السمة. وفي الحقيقة بالنظر الى نقص المعرفة البشرية الدائم لا يمكن ابدا ان تكون السمة التقريرية صالحة أو الاسلوب التقريري صالحا. التقرير يعني او يتضمن توفر المعرفة الكاملة. وبالنظر الى ان ذلك التوفر مستحيل في مجالات معينة من مجالات المعرفة البشرية تتنافى السمة التقريرية غير المبررة موضوعيا مع المنهج العلمي الذي يتوخى التوصل الى الحقيقة. وللتخلص من الصفة التقريرية المفتقرة الى الاساس المعرفي أو لاضعافها عند الكاتب يجب رفع مستواه الثقافي والتعليمي والفكري وتجب تنشئته على ادراك حدوده الفكرية الكامنة في المخلوق البشري. ولان اتباع الاسلوب التقريري يتناقض مع بعض الحقائق التي لا خلاف عليها يدرك القارىء او يستشف هذه الحقيقة ــ حقيقة التناقض ــ وتنحط بالتالي منزلة المادة المكتوبة في نظرة ويضجر من قراءتها. والسبب الرابع في انخفاض مستوى قسم من الكتابات العربية هو ان الكاتب غير مطلع على جوانب الموضوع المطروق بسبب جدة تناول هذا الموضوع او جدة تناول بعض جوانبه, هذه الجدة تجعل من الصعب على الكاتب ان يفهم ذلك الموضوع. ومما يزيد هذه المشكلة حدة ان الكاتب لدى كتابته عن موضوع من المواضيع يستعين احيانا غير قليلة استعانة كبيرة بالفكر الغربي او ينقل منه ويترجم الى اللغة العربية مفاهيم فهمها باللغات الغربية. وليس من السهل على الكاتب دائما ترجمة بعض المصطلحات من اللغات الغربية الى العربية في ميادين المعرفة البشرية, مما يؤدي الى تعثره في تحقيق الترجمة الدقيقة. وثمة سبب خامس لانخفاض مستوى بعض الكتابات العربية, وذلك السبب هو ميل بعض الكتاب الى استعمال بعض الصيغ العربية المتحجرة الجامدة المتخذة لقالب معين ثابت. ويعود هذا الميل الى اسباب منها اعتقاد قسم منهم ان استعمالها يسهل في نقل المعنى او تقريبه, ومنها ايضا اعتياد بعض الكتاب على استعمال مثل هذه الصيغ. غير ان استعمال بعض هذه الصيغ يعرقل نقل المعنى الذي يراد الاعراب عنه. ادخال تلك الصيغ قد يشوش مجرى الفكر, لان ذلك الفكر لتحدده أو تخصصه أو اتسامه بسمات معينة يتطلب استعمال عبارات معينة تعبر عن ذلك المعنى ذي السمات تلك. وبعض الصيغ اللغوية لا تصلح, بسبب تحجر وجمود معناها, لان تدخل في العبارات التي يراد بها الاعراب عن الفكر المخصص. وينطوي ادخالها على مضمون الاقحام في تلك العبارات, لان معاني تلك الصيغ لا تتسق أو لا تتسق تماما مع المعاني التي يراد الاعراب عنها.