عندما طلب مني ان اتحدث في هذا الموضوع, الذي يصلح ان يكون مادة كتاب كبير لا محاضرة محدودة, طرحت على نفسي السؤال التالي: بأية صفة سأتحدث ؟ فأنا لست بأديب أو ناقد أو استاذ جامعي أو حتى مفكر. وقررت في الحال ان اتحدث بصفتي مثقفا عربيا ملتزما من بلدان الخليج العربي, كما تخيله الفيلسوف الانجليزي سنو في كتابه (الثقافتان) . وبصورة اوضح فإن خلفيتي العملية, كطبيب, وقراءاتي الشخصية في شتى حقول العلوم الانسانية, وممارستي السياسية كوزير للصحة والتربية عبر سنين طويلة من شأنها جعل رؤيتي الثقافية رؤىة عامة غير تخصصية وغير تفصيلية, منطلقاتها الاساسية, كما عند كل مثقف ملتزم, السياسة وحياة المجتمع. تعريف: هناك من يقول بأن عدد تعاريف الثقافة قد وصل الى حدود المائتين, وهو ما يؤكد اننا بصدد حقل يحيطه الغموض. لكن لم أقرأ قط كتابا أو مقالا عن الثقافة الا وأصر كاتبه على تعريف الثقافة حتى يعرف القارىء عم يتحدث الكاتب. ولما كان لابد مما ليس منه بد فإنني التزم بتعريف أعتبره معقولا لمحمد عابد الجابري وهو (ذلك المركب المتجانس من الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات والابداعات والتطلعات التي تحتفظ لجماعة بشرية, تشكل امة أو ما في معناه, بهويتها الحضارية, في اطار ما تعرفه من تطورات بفعل ديناميتها الداخلية وقابليتها للتواصل والاخذ والعطاء) . اذن فإنني اتحدث اليوم بحسب اعتقادي عن ثقافة عربية ملتصقة الى ابعد الحدود بالاسلام, لأمة عربية, في مجموعة من اقطار الوطن العربي تعرف بدول مجلس التعاون الخليجي. انني اقول ذلك على الرغم من المحاولات التي تسعى الى الخلق القسري لما يسميه رياض نجيب الريس بــ (ثقافة الكيانات الحضارية القروية) كجزء من المحاولات المعقدة, من الداخل والخارج, لإبقاء العرب ضعافا مجزئين. نعم, توجد خصوصية محلية في ما يحيط بالثقافة من ظروف مساعدة أو معاكسة, مغنية أو مفقرة, معمقة أو مبسطة, لكن تبقى المرجعيات التاريخية والايديولوجية وتبقى المنهجيات الفكرية والتعبيرات والرموز شبه واحدة ان لم تكن متماثلة. ان هموم الثقافة والمثقفين هنا هي من صميم هموم الثقافة والمثقفين عبر الوطن العربي كله. وفي رأيي الشخصي ان منطقة الخليج العربي هي من اكثر مناطق الوطن العربي تأثرا وتفاعلا مع مكونات وتعبيرات الثقافة العربية العامة كلها, بل مع كثير من تفرعاتها الخاصة. ولايوجد مفكر أو كاتب مهم, وتيار عقائدي مهم, وبرنامج تلفزيوني أو مسرح أو فيلم أو موسيقار أو مغني مهم, وحدث تاريخي قديم أو حديث مهم, في كل اقطار الوطن العربي تقريبا الا وقد تأثر به الشعب العربي في الخليج وتفاعل معه, وجعله جزءا عضويا من ممارساته الثقافية اليومية. وفي المدة الاخيرة اصبح العكس واقعا ايضا. ان كتابا وشعراء امثال عبدالرحمن منيف وخلدون النقيب ومحمد جابر الانصاري وعلي خليفة الكواري وأسامة عبدالرحمن وقاسم حداد على سبيل المثال لا الحصر... وإن عددا من الموسيقيين والمغنين... وإن مسرحا كالمسرح الكوميدي الكويتي... وإن عددا من محطات التلفزيون الفضائية... ان مجموعة من الصحف التي يملكها الرأسمال الخليجي... ان كل ذلك اصبح جزءا من الواقع الثقافي العربي العام وفاعلا فيه. وبالطبع فإننا عندما نتحدث عن شبه التماثل في المرجعيات والمنهجيات فإننا لا نقصد التماثل في مستوى الانتاج الثقافي وغزارته. فالمنامة هي غير القاهرة, والدوحة هي غير بيروت. الانجاز المنقوص: من حق دول مجلس التعاون ان تفاخر بما أنجزته في حقول عدة تعتبر روافد ومنشطات للحياة الثقافية في اي مجتمع. فانتشار التعليم على نطاق واسع ومذهل, والزيادة الكبيرة في عدد الجامعات والمراكز الاكاديمية والبحثية, وتوفر الكتاب والصحف بشكل معقول للجميع بما في ذلك وجود عدد كبير من المكتبات العامة, والنهضة المسرحية التي نهضت من العدم, والنمو الهائل في النشاطات الفنية من رسم ونحت وموسيقى وغناء, والكم الوفير في الوسائل السمعية والبصرية من محطات إذاعية وتلفزيونية... كل انجاز ساعد بقوة وعمق على تنشيط الحياة الثقافية في كل مدينة وقرية. ان كل ذلك يجب ان يحسب لكل من قاد الحياة العامة في هذه البلدان طيلة ما يزيد على نصف القرن من الزمان. الا ان كل ذلك كان منقوصا, فلقد انصب الاهتمام بالكمية مع اهمال واضح للكيفية, وتغلبت المظهرية وحفلات التباهي على حساب مستوى المضامين والجوهر, واستعملت منجزات العصر الحديثة بوسائل وعقليات متخلفة. وعلى سبيل المثال ظل التعليم, حتى ولو انه تم في ابنية حديثة واستعمل الكمبيوتر وتبنى النظام الغربي, تعليما تلقينيا يسكت عن اللا عقلانية ويبتعد عن الابداع, ويمارس الاستبداد. ولم تسلم الجامعة من ذلك, وجعلت استمرارا للتعليم الثانوي وترسيخا لنقاط ضعفه. وبدل ان يستفاد الى ابعد الحدود من وسيلة بالغة الخطورة والتأثير كالتلفزيون انقلب هذا الى وسيلة لتمجيد المنجزات الرسمية والتسلية السطحية الطفولية وأحيانا لنشر الفكر المتخلف. اما الصحافة والمطبوعات فأخضعت لسلطات الاعلام بشكل افقدها استقلالها, وبالتالي مصداقيتها. وعلى العموم فإن التنمية في الخليج ركزت على التنمية الاقتصادية والعمرانية اكثر بكثير من تركيزها على التنمية الانسانية العليا لتحرير العقل وتشجيع الابداع الفكري وبناء الشخصية المستقلة الحرة المسؤولة. وبالطبع لا تعني هذه الملاحظة غياب بعض المحاولات والتجارب المضيئة كمحاولة بناء نظام تعليمي معقول أو تكوين بث تلفزيوني محرض وواع, أو كسر بعض الصحف والمطبوعات لقيودها وممارستها لمسؤوليات التوعية والتثقيف. لكنها كانت محاولات محدودة ولم تنجح في تكوين تيار عام ثابت وصامد. كانت تلك النقاط والملاحظات الايجابية منها والسلبية, ضرورية لندخل من خلالها الى ما نعتقده القضايا المفصلية في حاضر الثقافة ومستقبلها في دول مجلس التعاون. وبالطبع فإن الكثير منها ينطبق على كل بلدان الوطن العربي بصور متفاوتة وبحدة متدرجة. أولا: الحرية لا تغيب الحرية في المجتمع الا ويصبح الانتاج الثقافي حبيس الاجترار والخوف. هذه ظاهرة عرفتها جميع المجتمعات الانسانية. وفي عصرنا ارتبطت قضية الحرية بالديمقراطية كأحد مكوناتها الاساسية. لكن مشكلة المشاكل في الارض العربية ان الديمقراطية, كمفهوم سياسي, لم يفصلها ثراثنا. وككل المشاكل التي لم يحسمها تراثنا بقيت مشكلة مجتمعية معلقة تنتظر حسم مشكلتنا الشهيرة الكبرى المعروفة بثنائية التراث (الحداثة أو الاصالة) المعاصرة. في الواقع يدور المجتمع العربي في حلقة مفرغة, فمعضلة الثقافة والمثقفين تنتظر حل المعضلة السياسية, وهذه تنتظر بدورها حل معضلة الحرية التي تنتظر بدورها حل معضلة الديمقراطية, التي كما رأينا تنتظر بدورها حل الثنائية الشهيرة, والتي هي بدورها تبقيها معلقة دون حل ثقافة الاجترار والخوف المتخلفة التي نعيشها ونعيد جيلا بعد جيل انتاجها. ولا يمكن لمثل هذه الدائرة الجهنمية ان تقود الى غد, بل يصبح الغد سرابا لا يتحقق, كما وصفه وصفا بليغا شاعر العراق الراحل محمد الجواهري: قالوا غدا فوجدت الامس يفضله (والصبر) , قالوا وكان الشهم من جزعا ولقد حاولت بعض الاقطار العربية ان تخرج اثناء مرحلة الحكم الوطني من هذه الدائرة من خلال الانقلابات العسكرية والثورات فلم تفلح, وحاولت اقطار اخرى من خلال التطور الطبيعي لأنظمتها فلم تفلح ايضا, ذلك انه في كلتا الحالتين كانت المحاولات فوقية أو قسرية أو مزيفة غيبت المجتمع المدني وهشمته, فغاب الفرد محرك المجتمعات وبانيها, فبقيت المحاولات كلاما وحبرا خارج عقل الانسان العربي وقلبه وروحه. وبعيدا عن الغايات بعيدة المدى في جعل الحرية جزءا من العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم في كل جزء من الوطن العربي, هل يمكن بدون وجود فضاء معقول للحرية, بحث مأزق حالي مثل اشكالية اختلاط مفهوم التراث بمفهوم السلفية, أو مثل اعادة كتابة تاريخ المنطقة بصورة حداثية تعتمد التفكيك وإعادة التركيب لإنهاء كثير من توترات الحاضر الناتجة من توترات الماضي, وكذلك لإعادة الاعتبار لبعض حركات المعارضة في التاريخ العربي الاسلامي, أو مثل التعرف على مصادر افساد الثقافة العربية التي استفحلت إبان حقبة النفط بما فيها اخضاع الثقافة لسلطان المال والاستهلاك والامن ومتطلبات الدولة, أو مثل مقاومة الانتعاش الجنوني لظواهر الطائفية والقبلية والعائلية على حساب المواطنة... الخ. اذن فالحرية ليست مطلوبة لتقويم بعض أوضاعنا السياسية, وإنما لتقويم ثقافة المجتمع أي كيانه الحضاري برمته. ومن جهة أخرى فإن نوعا خاصا من الحرية يحتاج إلى تأكيد مشدد ونعني به الحرية الأكاديمية في جامعات دول مجلس التعاون, ذلك ان التطبيقات العملية الثلاثة لهذه الحرية تعاني الكثير من المحدودية, فحرية العلم والتفكير والبحث العلمي تلجمها العديد من السلطات الرسمية من خارج الجامعة وداخلها, وتقهرها بعض قوى الضغط الأهلية المتخلفة المستبدة, والأستاذ الجامعي نفسه مهدد في حقوقه ورزقه وامتيازات مهنته بحيث يحتاج إلى ان يقرر الاستشهاد قبل أن يمارس تلك الحرية, بينما تعاني الجامعة تحديدا شديدا لاستقلاليتها المالية والأكاديمية والنشرية والثقافية. ومن هنا فقدت الجامعة قدرتها على قيادة المجتمع التنويرية, واقتصرت مهمتها حتى الآن على تأهيل الكوادر الفنية والوظيفية. ولم يقتصر الأمر على قلب الجامعة إلى مكان تدريبي جاف, خال من روح المبادرة والأحلام الكبيرة وأفراح الاكتشاف ونشوة المغامرات في عالم المجهول, بل تعداه إلى عزل الجامعة عن نبض الحياة الثقافية في المجتمع, ففي مجتمعات لا تزال في طريقها إلى النمو كان الإنسان ينتظر أن يرى أساتذة الجامعات في كل مكان, يستفاد بعلمهم وفكرهم وتطلعاتهم, لكن ذلك لايحدث وكمثال على ما أقول, كم عدد الأساتذة الجامعيين الذين يظهرون على شاشات تلفزيون المنطقة للتحليل والتوضيح والنقد والتوجيه ومقارعة حجج التخلف واستعراض المستجدات ومناقشة الكتب الجديدة؟ إن ذلك نادر الحدوث عندنا في حين وأنا قادم من فرنسا, أستمع إليهم يومياً يتحاورون مع مجتمعهم ويدفعون بثقافته وفكره وفهمه إلى أعلى قمم التذوق والإدراك. ثانيا: سياسة الاحتواء لقد أبرز الكثيرون ما أصاب المثقف العربي إبان الحكم الوطني في كل أقطار الوطن العربي, لقد التزم بقضايا أمته فتبنى تحررها من الاستعمار وتطلعها إلى وحدتها القومية وحاجتها إلى تصحيح الظلم الاجتماعي والاقتصادي, لكنه في حماسه هذا نسي مسؤولياته, فعندما انخرط في الحزبية نادى بالحزب القائد الواحد, وعندما دخل لعبة السلطة برر الحكم الدكتاتوري باسم شعارات الثورة, وعندما رأى المجتمع المدني مهمشا برر ذلك بالضرورات التاريخية المؤقتة, لقد أخذ من مثقفي فرنسا الوجوديين واليساريين صفة الالتزام ومارسها, ولكنه نسي صفة الحرية التي لم يفرطوا هم بها وتنازل هو عنها, وسيكتب التاريخ ان فضيحة المثقف العربي عبر أكثر من ثلاثين سنة كانت في هذا التنازل المفجع عن الحرية وفي إهماله لموضوع الديمقراطية. وما إن انقشعت الغشاوة إثر تراكم الهزائم القومية والوطنية وإخفاق تحقق الأحلام الكبرى حتى وجد المثقف نفسه, وهو يراجع نفسه في العراء, فالمواطن لم يعد يثق به والسلطات لم تعد تخافه, بل تعرف أنها قادرة على أن تشتريه أو تحيده بالاحتواء, ومن هنا طرح العديدون التساؤل فيما إذا كانت الأزمة الآن أزمة ثقافة أم أزمة مثقفين. في الخليج, كما عبر الوطن العربي كله, تمارس سياسة الاحتواء من خلال ممارسات وقنوات لاحصر لها ولا عد. فالسلطة التي تملك وسائل نشر الثقافة من تلفزيون وإذاعة, والتي لها سيطرة غير مباشرة على الصحافة والمسرح والنادي وكثير من المنابر المدنية عن طريق الدعم المادي والهبات, قادرة على إبقاء المثقف الذي لايلتزم بخط سيرها معزولا عن قرائه أو مستمعيه أو مشاهديه, وبالتالي غير قادر على تحقيق ذاته الفنية والفكرية أو الاجتماعية. فإذا أضفنا أن دخول المطبوعات غذاء المثقف, يخضع للرقابة الرسمية, وأن حضور المؤتمرات مجدد المثقف, يتطلب موافقة جهة رسمية ما وان اختيار الأشخاص يعتمد على مدى ولائهم لجهة ما, أدركنا حجم الحصار وسياسة الاحتواء القسرية. إلا ان هناك ايضا سياسة الاحتواء الترغيبية, بالتقريب في المجالس, وبالتعيين في اللجان والمؤسسات, وبالتلويح بمختلف الامتيازات المعيشية, وفي المدة الأخيرة بمنح امتياز التفرغ مع المحافظة على كل ميزات الوظيفة. إن المشكلة بالطبع لاتكمن في الاجراءات نفسها, فبعضها حسن ومطلوب, لكنها تكمن في مدى تأثير تلك الاجراءات في إقصاء الثقافة الرفيعة المعبرة عن آمال الناس وطموحاتهم, والمجتمع في التحرر والتقدم والعدالة, وإحلال الثقافة المنحطة المتزلفة النفعية مكانها. إن بدايات نتائج الاحتواء نراها الآن في انتعاش قصائد المديح خصوصا النبطية منها, وفي نشر كتب السير الملفقة ومطبوعات التاريخ التي تمحي جهود الشعوب من الوجود, وفي الدفاع عن المنجزات دون مس ولو خفيف بنواقص تلك المنجزات. إن من يريد أن يعرف التغير المذهل في أنماط تفكير المثقف وعمله في منطقتنا سيجده في إجراء مقارنة بسيطة بين صحافة الخمسينات والتسعينات, لقد اختفى المثقف الواعي الملتزم المجدد الساخط على تخلف مجتمع ليحل محله المثقف الذي يبرر كل أنواع العلل والممارسات المحبطة باسم الواقعية والتدرجية, إن سياسة الاحتواء, ومعها بالطبع سياسة العصا إن لزم الأمر, قد غيرت من طبيعة دور المثقف في مجتمعه تغييرا جذريا, فبعد أن كان يمارس مهامه الثقافية, من علم وبحث وتنوير وتحريض والتزام بقضايا الناس وطموحات أمته النهضوية, من خلال ولوج أبواب السياسة المتعددة, أصبح الآن يمارسها من خلال عمله الفني أو الفكري أو المهني البحت, وشتان ما بين قيمة وتأثير الممارستين, وإن المثقف بالطبع ليس وحده مسؤولا عن هذا التغير الجذري, فالسياسة في المجتمع العربي كله, أصبحت مهمة أو لعبة لا يمارسها في كل بلد عربي إلا بضعة أفراد لايزيد عددهم على أصابع اليد, إن التوجه الجديد هو أن تمارس القلة القليلة أو حتى الفرد الواحد السياسة ويتحمل المجتمع تبعات تلك الممارسة وأهوالها, هل كان لكوارث عام 1967 أو عام 1990 أن تحدث, بما خلفته على الأخص من تأثيرات ثقافية عميقة, لو كانت المجتمعات العربية هي التي مارست السياسة بمفاهيمها المبنية على الحوار الحر العام والتعددية والمساءلة؟ والواقع أنه حتى في الغرب, الذي جاءت منه فلسفات المثقف الملتزم والمثقف العضوي, أخذت صورة المفكر المثقف الذي يفكر وينير ويستشهد نيابة عن الناس في الاختفاء, لكن ذلك يحدث بعد قرون من تأثيره الكبير العميق في تكوين مجتمعاته ودوله وأنظمته الحياتية, ولكن أن نصل نحن إلى هذه الحالة, نحن المجتمعات المتخلفة المحتاجة إلى التنمية, فإننا نهيئ لكارثة حقيقية في المستقبل. يرى قسطنطين زريق أن خلاص المجتمعات العربية يكمن في توليد القدرات العقلية ــ الخلقية, ثم نشر ثقافة العقل والأخلاق ثم عيشها بصدق لتكوين مرجعية يحتذى بها, فهل يستطيع المثقف في الخليج وغير الخليج أن يقوم بهذه المهمة التاريخية دون حريته واستقلاليته وكرامته؟ لذلك فإن المشكلة الآن ليست مدى القدرة على التعبير أو مواضيع التعبير, وإنما على كسر كل قيود الاحتواء القسرية والترغيبية. ثالثا: القطرية والعولمة قد يبدو الجمع بين مشكلة القطرية ومشكلة العولمة جمعا للأضداد, لكنهما في اعتقادي مترابطتان, تسند إحداهما الأخرى على حساب الثقافة القومية. أما بالنسبة لترسيخ الثقافة المحلية القطرية, فهي ظاهرة موجودة في كل أقطار الوطن العربي, لكنها اشتدت ونمت عندنا بشكل ملحوظ بعد حرب الخليج الثانية واحتلال الكويت. آنذاك حدثت ردة فكرية وعاطفية أدت إلى وضع جميع الثوابت القومية موضع الشك, ولقد اضطررت آنذاك لإلقاء محاضرة في نادي العروبة في البحرين تحت عنوان (الردة أمام الثوابت في الخليج) بينت فيها الكارثة القومية التي يمكن أن تنتج بتحميل ثوابت الأمة مسؤولية الأخطاء التي يرتكبها بعض المسؤولين المغامرين أو ترتكبها بعض الأنظمة اللا مسؤولة, لكنها كانت صرخة في واد, لقد استطاعت قوى داخلية وخارجية كثيرة أن تستغل هذه الفرصة لترسيخ التوجهات القطرية وشعارات الخلاص الفردي التي كانت تطل برأسها بين الحين والآخر حتى قبل ارتكاب تلك الحماقة المأساوية. وما كان يهمنا كثيرا أن ينتشر مثل هذا التوجه في السياسة, فهذا أمر طبيعي تقوم به كل دولة لتثبيت حقيقتها وشرعيتها, لكن الأمر أصبح خطيرا عندما طالت هذه المسألة الساحة الثقافية. إن الأمثلة على ذلك كثيرة, كتب التاريخ المدرسية بدأت تتوسع في تفاصيل التاريخ المحلي, وتركز على المنجزات المرتبطة بالسلطة الحديثة, مع إصرار على تقديم التاريخ القومي بإيجاز, بل حتى حذف أجزاء منه إذا خدم هذا الحذف أو الإيجاز إخماد جذوة الحلم بالفضاء العربي الواسع. البرامج الإذاعية والتلفزيونية, الأخبارية منها والفنية, سعت إلى اعطاء مساحة كبيرة, حتى ولو كانت مملة أو تافهة, للنشاطات والنتاجات المحلية, التمثيليات والمسرح فضل أن يجتر تاريخ حقبة اللؤلؤ والغوص, أي ما قبل النفط, بصورة لافتة للنظر, وذلك من أجل إيجاد مناخ يشد الناس للتميز المحلي, المنتوجات الشعبية المحلية وحتى ما تظهره التنقيبات والحفريات الأثرية جرى التسابق في الخليج لإعطائها صفة الانتماء للدولة القطرية لتحديد الهوية والذاكرة الشعبية ضمن مساحات جغرافية وتاريخية محدودة, بل جرى سباق محموم حول ما إذا كانت تسمية الأشياء نفسها يجب أن تكون قطرية أو بحرينية أو عُمانية .. إلخ حتى الحياة العربية المشتركة في الخليج, قبل وأثناء الاستعمار, أراد لها بعضهم أن تنسى في سبيل ترسيخ شرعية الدولة القطرية الحالية. وبالطبع هناك نشاطات, كالمسرح مثلاً, اضطرت اضطرارا مفروضا للتوجه نحو التراث للتعبير عن مآسي الإنسان وأحزانه وما تعرض له من ظلم من أجل أن تلتف حول ممنوعات الحاضر ومعالجة قضاياه بصورة مباشرة لكن المشكلة أننا كلما سرنا في مثل هذه الطرق, أنشأنا جيلا يمتد فضاؤه الثقافي الى ابعد من حدود جغرافية الجزء العربي الذي يسكنه مما ساعد وسيساعد, التأثير الثقافي السلبي للعولمة كما سنرى. ان مشكلة العولمة في الخليج العربي مركبة فإضافة لما تعانيه ككل دول العالم من آثارها السلبية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية يعاني سكان الخليج الوجود العسكري المكثف الذي يذكر بالاستعمار القديم والذي يحمل اخطارا طبيعية ونفسية وفكرية ان وجود المئات من الطائرات والعشرات من السفن الحربية والآلاف من الجنود لابد من ان يجعل المواطن يعيش وكانه يقف على حافة كارثة محتملة فما ان خرج المواطن من مثل هذا الجو غير الصحي بعد حرب الخليج الاولى التي استمرت ثماني سنوات, حتى دخل المرحلة الحالية التي انهت سنواتها الثماني دون ان يوجد في الافق مايبشر بنهايتها. ان الشعور بالخوف والقلق وبأن المصير والمستقبل في يد قوى غريبة وطامعة كاف لادخال كل مظاهر الحياة بما فيها الثقافة انفاق اليأس والاحباط فإذا اضفنا الى ذلك ان ما هو واضح كوجود استعماري قد تداخل مع مايعرف بالحاجات الامنية الوطنية وما يصر على تسميته بالضرورات السياسية الوطنية العليا من قبل السلطة ادركنا حجم حياة الانفصام التي يحياها المثقف والتمزق الداخلي الذي يجمد عطاءه الثقافي او حتى يشوهه. ولما كان هذا الوجود العسكري بكل معطياته لا يستطيع احد التكهن بنهايته وزواله فإن اثنين من روافده الثقافة, الحرية والامل مرشحان للتعطيل الطويل الامد. هذا ما يخص الوجود الاستعماري الذي لايختلف عما عرف بالاستعمار القديم اما موضوع الاستعمار الجديد اي ما يعرف اليوم بالعولمة او الكوكبة فإن توجهاته قد بدأت تغزو مجتمعات الخليج العربية في وقت مبكر, اي منذ بدايات الثمانينات فما ان بدأت آنذاك اسعار النفط بالهبوط حتى طرح شعار العولمة المفضل: شعار الخصخصة او الخوصصة كما يسميه البعض الآخر في البداية اقتصر الحديث على بيع بعض الشركات العامة وعلى الاخص غير المربحة, وبسرعة انتقل الحديث الى حقلين كانت حكومات بلدان مجلس التعاون تعتبرهما من منجزاتها المقدسة, واعني بهما حقلي الصحة والتربية, وسمح للقطاع الخاص ان يقتحمهما شيئا فشيئا, وشيئا فشيئا اخذ بعض المسؤولين بالتصريح بأننا يجب ان نقتدي بالطريقة الامريكية في هذا الشأن وليس هنا مجال مناقشة هذا الموضوع المعقد سوى بالقول بأن ذلك التحول يتم في الوقت الذي تتصاعد فيه الزيادة الهائلة في مشتريات السلاح وما ينفق على الامن الداخلي والامن الخارجي. هل يحتاج الانسان الى شرح ما سيؤدي اليه وجود نظامين ومستويين مختلفين في هذين الحقلين المهمين على القيم المجتمعية, وبالتالي على الثقافة في المستقبل يكفي ان نذكر مثلا واحدا في حقل التربية لنرى ماينتظرنا من مشاكل في المستقبل, ان اغلب المدارس الخاصة تركز في مناهجها على اعطاء افضلية ولو مستترة للغة الاجنبية وعلى اعطاء اهتمام كبير بتاريخ وجغرافية البلدان التي تسعى للحصول على اعترافها الاكاديمي للشهادة التي سيحملها خريجوها فإذا ضعفت اللغة القومية واختلط الحابل بالنابل في التربية الوطنية فكيف لنا الا نخاف على ثقافة جيل المستقبل خصوصا اذا وضعنا في الاعتبار ان القادرين على دخول المدارس الخاصة وغدا الجامعات الخاصة, هم ابناء الطبقة التي تتحكم في حقول السياسة والاقتصاد والمال والأمن؟ وفي الوقت نفسه بدأ العد التنازلي لفائض النفط المالي, سواء بسبب الهبوط المتلاحق في اسعار النفط, او بسبب الحروب التي أكلت الاخضر واليابس او بسبب الوجود العسكري الاجنبي الذي تدفع دول مجلس التعاون قسما كبيرا من نفقاته مما اضطر دول مجلس التعاون كلها للتسابق لاجتذاب الاستثمارات الاجنبية والتي اغلبها تابع للشركة المتعددة الجنسية, اي رأس حربة العولمة, ومن جديد ارتهن المستقبل الثقافي, الموضوع الذي يهمنا اليوم, ولو بصورة غير مباشرة, فالثقافة التي تدفع الرأسمال الجديد وشركاته للخوف او الهرب ستكون معرضة للاضطهاد او المراقبة. اما الجانب الثالث من هجمة العولمة على المنطقة فقد بدأ بانسياب الرسائل الاعلامية والثقافية من المركز. لقد بدأ الانسياب من خلال الفضائيات التلفزيونية الشهيرة مصاحبا هجمة شرسة من خلال افلام الفيديو, ثم تبعتها شبكات الكمبيوتر والانترنت, ومع الجميع سيل لاينقطع من الاعلانات الامر الذي حقق عدة اهداف بالغة الخطورة فالمجتمع الذي كان ينعم افراده بسبب ثروة النفط بمدخرات معقولة استعمل كل مدخراته, بل استدان اضافة لها, للدخول في دوامة جهنمية من الاستهلاك لكل ما انتجه الغرب والشرق على السواء. وجاءت فترة وصل فيها الترف الى مستويات الهوس والجنون, وذهب المترفون الى كل ماهو نقيض للبساطة الاسلامية. وكما في كل المجتمعات الاستهلاكية تأثرت قيم العام وخصوصا قيم الشرف والكرامة والتعفف والروابط الاسرية والرابطة الوطنية, واصبح الانسان منهكا يركض وراء السراب الذي ترسمه الاعلانات فيعيش لنفسه وبنفسه فكان ان تسطحت الثقافة وضعفت الرابطة القومية, خصوصا بين الشباب, بعد ان ترسخت اعراض الفردية والخلاص الفردي والحياد تجاه السلطة والمجتمع والقبول بالسباحة مع التيار دون مقاومة. وكرد فعل لهذا الوضع, وللانحلال الخلقي بصفته العامة في مجتمعات الخليج, وللفساد المالي والاداري الواسع, تفجرت مظاهر الرجوع الى السلف والتراث والزهد والتصوف, وبالطبع استغلت هذه المشاعر لاغراض سياسية وطائفية وقبلية. ان الملاحظ ان رد فعل المسؤولين في منطقتنا وعلى الاخص الاعلاميين والتربويين جاء مشوشا ومتناقضا وكمثال على ذلك مافعله التلفزيون الرسمي فمن جهة ركز على برامج دينية كانت في منتهى التخلف من حيث التركيز على الموضوعات الهامشية وتجنب الموضوعات الاساسية ومن حيث تقديم حلول لا ارتباط بينها وبين الواقع, ومن حيث تجنب محاورة المفكرين الاسلاميين المستنيرين القادرين على ابراز حيوية وغنى ديننا الاسلامي الحنيف, ومن جهة اخرى كانت الاعلانات والافلام والرقصات والاغاني الخادشة للحياء العام في مجتمع محافظ لتملأ شاشات تلفزيونات المنطقة وما جاء من خارج المنطقة عبر الاقمار الصناعية. ولتأخذ مثالا اخر, ان فكرة (الهجمة الثقافية) بالنسبة للكثيرين من مسؤولينا, ليست تلك الهجمة المتعلقة بالاعلان والخصخصة واضعا مسؤوليات الدولة الاجتماعية وبناء نمط استهلاكي شره لتصريف منتجات الشركات الكبرى والتوكيد على الخلاص الفردي والانانية والحياد تجاه قضايا الوطن والامة. ان ذلك لايهم الكثيرين منهم, بل ان بعضهم يرى في ذلك ولوج العصر والتحديث, ويرى فيه خدمة كبيرة لابعاد الناس عن السياسة, وبالتالي اراحة المسؤولين السياسيين وملوك الاقتصاد الجدد وعزل الناس عن قضايا أمتهم القومية المفجرة لمشاعر الغضب وطرح الأسئلة الصعبة. إن فكرتهم عن الهجمة الثقافية هي في عالم آخر غير هذا. انها في انتقاد بعض صحف المجتمعات الغربية ومفكريها واعلامييها لبعض مظاهر الاستبداد وفي ممالأتهم لقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية. ولذلك يلاحظ الإنسان ان الخطط التي توضع لمواجهة ما يعرف بالغزو الثقافي تنحو في مجملها لتحسين صورة الدولة عند الآخرين ولمنعهم من التدخل فيما يسمى بشؤونها الداخلية, ولاقناعهم بأن لنا خصوصية يجب ألا تمس, وأن هذه الخصوصية تمنعنا حاليا من الاستجابة لمتطلبات روح العصر الأخرى الايجابية المتمثلة في قيم حرية وكرامة الفرد والمساواة في المواطنة وفي المجتمع المدني الديمقراطي والتعددية وحكم القانون. وهكذا فبدلا من الاستفادة من الجوانب الايجابية للعولمة لتحييد جوانبها السلبية, وهو ما تحاول أن تفعله أوروبا أو بعض دول آسيا حاليا من أجل أن تكون في قلب العالم, وفي الوقت نفسه لأن تحافظ على هويتها وتميزها الثقافي, أفسحنا في المجال للجوانب السلبية لكي تخترق مجتمعاتنا وتترسخ فيها. إن متطلبات حقل الثقافة في دول مجلس التعاون هي متطلبات حقل الثقافة العربية نفسها في عمومها, وألخصها في الآتي: ــ إن أم القضايا الثقافية هي حق المواطن في الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة وممارسة المواطنة. ــ أمام ثقافة اجترار التراث وعدم تجاوزه هنالك الثقافة العقلانية ــ الأخلاقية وديننا الإسلامي الحنيف سيساعدنا للانتقال إليها. ــ أمام ثقافة العولمة بكل قيمها السلبية هنالك العالمية التي تفسح المجال لتلاقي الثقافات وتفاعلها. ــ محل مثقفي الاحتواء هناك مكان للمثقف القدوة الملتزم. ــ على الرغم مما نعرفه عن التآمر الدائم على النظام التربوي في كل بقاع الدنيا, الا انني أرى فيه الأمل المنطقي لتجديد حيوية الثقافة. ــ لكن المحصلة النهائية ما لخصه محمود أمين العالم عندما كتب ان (لا سبيل إلى ثورة ثقافية, ولا سبيل إلى تغيير الهياكل الثقافية في المجتمع دون تغيير لهياكله السياسية والاقتصادية) . ذلك هو الموضوع, وتلك هي المجابهة. عضو مجلس امناء مركز دراسات الوحدة العربية بالاتفاق مع مجلة المستقبل العربي الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية عدد اغسطس 1998