في اليوم الواحد يواجهك السؤال ذاته: كيف يمكن احتمال جحيم الحر هذا في الامارات؟ وكيف احتمل الأهل قديما هذا اللظى بعيدا عن رفاهيات اليوم واختراعاته العظيمة في مجال التبريد والتكييف؟ هل كان الأولون أكثر صبرا واحتمالا من أجيال الهشاشة اليوم, أم ان المناخ لم يكن بهذه القسوة ؟ تدخل أي محل فيواجهك العامل العربي: الله يعينكم على هذا الحر! تنظر اليه بتعجب وتتساءل: من أين يظن نفسه قادم هذا العربي المغرور؟ القاهرة تقفز حرارتها الى الـ 41 درجة والاردن تقترب من الاربعين والخرطوم تتصبب عرقا وتضاعف أزمتها بأزمة كهرباء مزمنة, بيروت ساخنة سياسيا ومناخيا على الدوام, وأهل دمشق يبحثون عن مصايف منعشة و.. اذن لسنا وحدنا في الحر, نحن دائما (في الهم شرق!). تجلس في مكتبك فيفاجئك زميل قادم لتوه من الخارج: الدنيا نار في الخارج! الدنيا كأنها قررت الانتحار احتراقا, ثم يباغتك: كيف يمكن أن يعيش الانسان في درجة حرارة تقارب الخمسين؟ تتم: يجب ان يعيش, فهذا قدره. تخرج من عملك, لا تستطيع الامساك بمقود السيارة, تفتح المكيف فكأن الهواء قد مر على الجحيم قبل ان ينفث لظاه في وجهك, تعبر الشارع فاذا بشمس الظهيرة قد أقسمت على اتلافك حتى العصب الأخير! ولذلك فأنت تصل منزلك متلاشيا لا تريد حتى ان تسمع عبارة: حمدا لله على السلامة. وحين تنعشك نسمات مكيف الغرفة تتذكر اولئك الذين مررت بهم في طريقك دون ان تسأل نفسك ــ وربما سألتها ــ كيف يطيقون ويحتملون الاستمرار والعمل في طقس جهنمي كهذا الذي لا تطيقه انت برغم السيارة المكيفة, ومشوار لا يستغرق منك أكثر من نصف ساعة, بينما هم يتلظون في عذابهم من اول النهار حتى آخره؟ تفكر في هؤلاء الذين يعملون في رصف الطرقات كي يمهدوا لك طرقات اكثر تنساب بسيارتك عليها سريعا في المشاوير القادمة, تفكر في بائعي الصحف الذين يتقافزون من سيارة لأخرى كي يقدموا لك صحيفتك على طبق من (نار) بينما بامكانك ان تقوم بعمل اكثر تحضرا اذا اختصرت عذابهم بعمل اشتراك شهري أو سنوي في صحيفتك المفضلة, فتدفعهم للبحث عن اعمال اكثر انسانية. تفكر في عمال النظافة, وفي عمال الزراعة, في هؤلاء الذين يتم نقلهم بواسطة سيارات مكشوفة وفي ظهيرة لا تقل حرارتها عن 45 درجة مئوية فتتخيل نفسك مكان واحد منهم, ثم تستعيذ بالله من هذا الخاطر! تفكر في مهندسي وعمال البترول في الصحراء والجزر البعيدة, في عمال وموظفي الموانىء والمرافىء في .. وفي ... عندها تتمتم: الحمدلله رب العالمين. ويبقى كل من ذكرت افضل حالا اذا قارنتهم باولئك الذين يتصببون عرقا طوال النهار, لان الكهرباء مقطوعة عنهم لبضع ساعات في اجواء يشتكي الناس من تبريد مكيفاتها السيئة. الحر هو الدافع الاول للسفر صيفا, ولذلك فالعرب تعلموا الترحال, وعرفوا رحلتي الصيف والشتاء من طقسهم, ورغم كل شىء يبقى للصيف وللحر وجه آخر, هو انه يفتح لنا مرافىء السفر على مصراعيها, ويقدم لنا عواصم الدنيا مشرعة بكل اسرارها وعوالمها واغراءاتها. اخيرا: لابد ان يحتوينا سفر ويغيبنا طريق وتأخذنا مشاوير, كي نتجدد مع انفسنا ونتصالح مع كل طقوسنا وكي نبقى في حالة شوق لمن نكتب لهم ولمن يقرأون لنا ولفضاءات اخرى نطمح في ولوجها بسفر مستمر.