اخبار وصور المجاعة والاوبئة والامراض التي تفتك بالآلاف في جنوب السودان اصبحت مادة يومية مأساوية في الصحف والاذاعات والقنوات الفضائية, ومشاهد الهياكل البشرية وهي تقتات بجذور النباتات واوراق الاشجار , وغيرهم ممن يفارقون الحياة على مرأى من عمال الاغاثة, لاتحرك ساكنا في ضمير النخب السودانية على صعيد السلطة او على صعيد المعارضة, فماتزال المعارك السياسية والعسكرية بين الجانبين محتدمة, وماتزال الحرب في الجنوب تنذر بمزيد من الضحايا واهدار الطاقات والامكانيات المدخرة للتنمية والرفاهية, في الوقت الذي لا تزال مساعي ووساطات رأب الصدع تراوح مكانها بلا امل في الافق القريب للتراضي والوفاق! ثمة بصيص من النور لاحت تباشيره مؤخرا وسط ظلمات اليأس المدلهمة, عندما وافقت الحكومة السودانية والحركة الشعبية التي تقود التمرد في الجنوب بزعامة العقيد جون جارنج على مبادرة تقدمت بها دول الايجاد بوقف اطلاق النار مدة ثلاثة شهور, حتى تتمكن منظمات الاغاثة من انقاذ زهاء مليونين ونصف مليون من الابرياء في جنوب السودان يتهددهم شبح الموت من المجاعة المروعة وشتى الوان الامراض وتدني الخدمات, ومن هنا تبدو ضرورات السؤال واهميته حول مدى قناعة النظام الحاكم والحركة الشعبية معا بتجديد فترة وقف اطلاق النار حتى تتحول الى هدنة دائمة, فربما تكون الفرصة سانحة لممارسة الاستقرار وضبط الاعصاب وتقييم المواقف ومراجعة السياسات, وقد تسفر تدريجيا عن نمط جديد للحوار ومد جسور الثقة المتبادلة, ولعلى اراهن كذلك ــ لو تم المراد من رب العباد ــ ان تؤدي الهدنة وتداعياتها الايجابية الى الاستجابة والتلبية من جانب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يضم فصائل المعارضة السياسية والعسكرية, وتفعيل مبادرات الوساطات المتعثرة! وترصد الاحصاءات السودانية والتقارير الدولية اكثر من مليون قتيل قبل اندلاع التمرد الاول لابناء الجنوب في بلدة توريت عام ,1955 مرورا بالتمرد الثاني لتنظيم (انيانيا ـ2) وحتى التمرد الثالث الذي انطلق من مدينة (بور) عام 1983 بزعامة جارنج, الامر الذي يؤكد عدم جدوى المساعدات الانسانية التي قدمتها منظمات الاغاثة وتستعد الآن لاستئناف تقديمها للمنكوبين من ويلات الحرب الاهلية, في حالة الاصرار على استمرارها نهاية فترة وقف اطلاق النار! والشاهد ان بارقة امل لاحت في الخطاب الذي القاه الفريق عمر البشير بمناسبة الذكرى التاسعة لثورة الانقاذ الوطني, عندما وعد بأن العام المقبل سوف يكون عام السلام, وقال ليس هناك ما يدعو ابناء السودان الى حمل السلاح ومقاتلة بعضهم البعض, لكن سرعان ما تراجع الامل وانزوى في خطابه للقوات المسلحة, حين اكد على ان الجيش قادر على تطهير الجنوب من المتمردين وتحرير كل شبر من الاراضي المحتلة, وبعدها وقعت حوادث الشروع في التفجيرات التي اعلن عنها النظام واتهم المعارضة بتدبيرها ووصفها الفريق البشير بأنها (رقصة مذبوح) , وفي اعقابها وقع الانفجار بالفعل في معسكر سلاح المدرعات بمنطقة الشجرة واعتبره المتحدث العسكري نتيجة خطأ فني, لكن المعارضة نفت ادعاءات الحكومة واعتبرتها عارية من الحقيقة واتهمت تيار اصوليا متشددا في السلطة بضلوعه في تلك الحوادث من قبيل الضغط على النظام ايذانا بفرض الاحكام العرفية, واجهاض مساعي التيار المعتدل الرامية للوفاق الوطني وتحول النظام من الشرعية الثورية الى الشرعية الدستورية! على ان الحرب الاهلية في السودان لا تقتصر على الجنوب فحسب, لكنها تتسع عبر الصدام المسلح بين النظام والميليشيات العسكرية التابعة لتجمع المعارضة لتشمل شرق السودان وجبال النوبة, وكلاهما (الحرب والصراع المسلح) ادى الى اجتزاء مناطق شاسعة خارجة عن سيطرة السلطة المركزية, وتسعى عبر القوات المسلحة والتجنيد الاجباري للشباب وطلبة المدارس والجامعات لاستردادها او تحريرها بكلفة بشرية ومادية باهظة! ويكاد لا يختلف اي من ابناء السودان على ان الخيار العسكري لم يكتب له النجاح ازاء حل مشكلة الجنوب سواء في عهد الفريق ابراهيم عبود او جعفر نميري, كما لا يستطيع اي من المراقبين الرهان الآن على فرصة السلام والوحدة الوطنية نهاية الشوط الرابع للحرب الاهلية والصراع الراهن بين النظام والمعارضة, بينما يشهد تاريخ السودان المعاصر بالنجاح دوما للخيار السلمي في معالجة مشكلة الجنوب وغيرها من المعضلات السياسية عبر الحوار الديمقراطي وتقاليد (الاجاويد) السودانية في التراضي والوفاق, على نحو ما تشهد به تجربة المائدة المستديرة ولجنة الاثنى عشر في اعقاب ثورة اكتوبر 1964 وكذا اتفاقية اديس ابابا التي وقفها نميري مع المتمردين عام ,1972 استجابة لمطلب ابناء الجنوب في الحكم الذاتي الاقليمي في اطار السودان الموحد, ونعم السودان خلال فترة سريانها بالاستقرار والوحدة الوطنية والتنمية المتوازية والقسمة العادلة للسلطة والثروة بين كل ابنائه, حتى انقلب نميري عام 1983 على اعظم انجازاته او انجازه السياسي الوحيد, عندما قرر تقسيم الجنوب الى ثلاثة اقاليم وفقا لأسلوبه المعروف (فرق تسد) لضمان بقائه على قمة السلطة, ثم اتبع هذا الخطأ السياسي الفادح بخطأ افدح عبر اصداره قوانين الشريعة المعوجة التي يصفها اهل السودان بـ (سيئة السمعة) ! واذا كانت الاخفاقات المتكررة في حل مشكلة الجنوب بمثابة الخميرة التي تولدت عنها فطريات وبكتيريا الانقلابات العسكرية التي حكمت السودان ثلثي تاريخه منذ الاستقلال عام ,1956 بينما حكمت الانظمة الديمقراطية بنسبة الثلث فحسب, فقد بات من المتعين تخليق صيغة سياسية عبقرية, تؤمن التمازج والانسجام والتفاعل بين آلية السودان السياسية وآليته العسكرية, في اطار التعددية الديمقراطية, ولعل هذه الصيغة تجب او تبطل من سلبية مسلسل تبادل السلطة الثلاثي. العبثي, والذي بدأ مع فجر الاستقلال بنظام ديمقراطي منتخب من الشعب, تولد عنه انقلاب عسكري مغامر, ثم انزاح عن السلطة بثورة شعبية و.. هلم جرا! ومما لاشك فيه ان الشعب السوداني قد خلص في النهاية الى اهم الدروس المستفادة من كم والوان معاناته التي تجرعها تباعا عبر هذا المسلسل الثلاثي العبثي, واصبح على قناعة بأن مشكلات السودان لا يستطيع تحمل اعباء حلها اي من آلياته السياسية والعسكرية او فصائله القبلية والعرقية والجهوية, بمعزل او نفي الآخر او ادعاء الانفراد بالمصداقية! وربما لذلك كان خطأ الاجتماع الاخير الذي دعت اليه دول الايجاد مؤخرا في نيروبي عندما قصر الحوار على الحكومة السودانية والحركة الشعبية فقط, بينما لم تعد مشكلة الجنوب وحدها سوى احد جوانب النزاع بالسودان وفي كل الاحوال لم تعد دول الايجاد وحدها المؤهلة لحل تلك المشكلات, ومصر في مقدمة تلك الدول وفق ثوابت التاريخ والجغرافيا والاواصر الاجتماعية والثقافية والنضال المشترك والمصير الواحد, وليس من المقبول ان تفرط مصر او تتقاعس عن القيام بدورها الحيوي بحكم استراتيجيتها ومصالحها الكامنة في حتميات الحفاظ على وحدة السودان, مما يفرض تنحية خلافاتها مع النظام السوداني جانبا واللحاق بركب الوساطة الافريقية على وجه السرعة, لانقاذ السودان من الوقوع في هاوية الخلافات وبراثن التقسيم والضياع!