أي مجتمع ديمقراطي بحق يقوم على أساس مبدأ يعرفونه بأنه المراقبة والتوازنات المتبادلة بين السلطات بمعنى ان السلطة التشريعية (البرلمان) تراقب أعمال السلطة التنفيذية فيما تسهر السلطة القضائية (وخاصة عند ارفع مستوياتها الدستورية العليا) على الفصل وتحقيق التوازن بين سلطتي الحكم والتشريع, ثم يضاف في المجتمعات الحديثة كما هو معروف السلطة الرابعة وهي الصحافة التي تمثل كما هو مفروض ضمير الرأي العام وتعكس اتجاهاته وتعبر عن مطالبه وشكاواه ومن ثم فالادبيات السياسية الامريكية تطلق عليها وصفا قد لا يروق لنا رغم دقته بحكم ثقافتنا العروبية وهو (كلب الحراسة المراقب) كلما رأى لصا أو عايش متسللا او منحرفا فهو ينطلق الى نباح متواصل ينبه اهل الدار الغافلين في سبات الدعة ومن ثم يتحول هذا النباح الصحفي الى سطور في الجرائد والى صور متلاحقة ومعبرة على شاشة التلفاز والى نشرات واحاديث وتوعية على موجات المذياع. بيد ان السؤال الذي لا يفتأ يثور وقد ثار بالفعل مؤخرا على صعيد الصحافة الامريكية هو سؤال حيوي يقول: ـ من يراقب من؟ اذا كانت الصحافة تراقب جميع السلطات في المجتمع فمن يراقب الصحافة ذاتها؟ واذا كان الصحفي يملك كل هذا النفوذ بحكم سلطة النشر وسطوة العلانية وصولجان الاقتراب الشديد من الرأي العام ــ فمن يراقب الصحفي وماهي آليات هذه الرقابة؟ واذا كان قادة السلطة التنفيذية قابلون للعزل (حتى ولو كانوا رؤساء جمهورية) واذا كان نواب الشعب قابلين للنقد ولرفع الحصانة والمحاكمة وفقدان مقعد النيابة, واذا كان القضاة ــ على جلال قدرهم ــ قابلين بدورهم للاعفاء من المنصة الجليلة جبرا او باستقالة ــ فما السبيل الى محاسبة الصحافة والصحفيين؟ ونبادر مؤكدين اننا نقصد المحاسبة المهنية وليس القانونية اذ ان القوانين الوضعية تنظم محاسبة الصحفي بوصفه مواطنا ــ وان كنا نقصد تحديدا المحاسبة المهنية امام محكمة اشمل هي محكمة الرأي العام على الصعيد القومي وربما الدولي ايضا. ونحسب الا سبيل في هذا المضمار سوى النقد الذاتي بمعنى ان نحاسب الصحافة نفسها وتطهر صفوفها وتصطنع من الوسائل والآليات ما ينقي مهنتها وممارساتها من اوشاب الزيف والانتحال ــ ناهيك عن ادران الكذب المهني والتدليس من خلال تلبيس الحقائق بمعنى الخلط الغافل او المتعمد او المهمل او المتحيز او المغرض وكله سيان ــ بين الحقيقة والوهم, وبين الحق والباطل. وقد نشدد في هذا الصدد ايضا على حكاية الآليات... اذ لا يكفي ان يركن المجتمع, اي مجتمع, الى مناقبية الصحافة او الى ضمير الاعلاميين فيترك لهم ان يحاسبوا انفسهم بأنفسهم والسلام, او ان يمارسوا النقد والتقييم الذاتي, وكفى الله المؤمنين, ان الاعلاميين في التحليل الاخير هم بشر يخطئون ويصيبون ومهما بلغ بهم الحذق المهني فهم متحيزون او منقادون ناهيك ان يكونوا مغرضين بالنسبة لجانب بعينه من القصة الخبرية او لفرد بذاته من القضية السياسية او لفئة او لآخرى من فئات المجتمع الذي يعيشون فيه. لامفر اذن من آليات بمعنى مؤسسات مادية تراقب الصحافة لا بمعنى فرض الرقابة التقليدية النمطية على ماينتجه الاعلاميون, ولكنها مراقبة مؤسسية بمعنى الرصد المنتظم والمنهجي والمنسق والمتبع لأساليب تستقي موضوعيتها من آداب المهنة ومواثيق الشرف التي توجه وترشد ممارساتها ونحسب ايضا انه قد آن الاوان بالنسبة لاعلامنا العربي في شموله المكتوب والمنظور والمسموع ان يعمل قادته وخبراؤه على بلورة الاداب والقواعد المهنية ــ الحرفية (بكسر الحاء وفتح الراء) التي تنظم ممارسة مهنة الصحافة وان يعملوا في هذا الاطار على مدى سنوات عديدة لا يبتغون سوى وجه الله والحق وشرف المهنة وكرامة الكلمة ومصلحة المستفيدين وهم الكثرة الكاثرة من جماهير أمتنا على امتداد واتساع وطنها القومي الكبير الناطق بلغة الضاد والمستوعب لثقافة العروبة, والمراجع في هذا الصدد أكثر من ان تحصى وهي الحاجة إلى ترجمة دقيقة أو إلى استيعاب يتمثل لمبادئها من ناحية ويجهد في تكييفها مع واقعنا الثقافي ــ المعرفي ــ الاعلامي العربي من ناحية اخرى. واذا كان الامريكيون قد سبقوا إلى تحقيق منجزات غير منكورة في مضمار الصحافة والاعلام حتى ان تنظيمهم الاجتماعي يجسد بحق وبجسارة تظل احيانا إلى حدود التجاوز بل والبجاحة ايضا, ويجسد معنى ان تكون الصحافة هي السلطة الرابعة في المجتمع, فان الامريكان يراجعون انفسهم في هذه الرحلة ويعيدون انتاج التساؤلات والتأملات والاجتهادات حول مسيرة الصحافة في بلادهم وحول دورها ثم حول سلبياتها وعثراتها واخطائها على وجه الخصوص, اننا ندون هذه الافكار وبين ايدينا كتاب صغير الحجم جم الفائدة كما نراه اصدره منذ اسابيع امريكي ممارس اسمه (بيت هايبل) ونشرته مكتبة الفكر الموحد تحت عنوان (الصحافة في ختام القرن العشرين) والرجل ينبه إلى ما آل اليه الصحفي في بلاده حتى كبريات الجرائد العملاقة التي تتحول احيانا إلى (تابلويد) ورغم ان التابلويد هو اصلا وصف موضوعي ـ كما هو معروف ــ لحجم اوراق الصحيفة وانه على صغر هذا الحجم ــ ورغم ان المصطلح قد تطور بصدق على الصحف الخفيفة وحتى صحف الاثارة الا ان تابلويد ــ كما يقول هاميل ـ قد اصبحت مرادفة لكلمة (زبالة) , كيف لا, ونحن قد بتنا, كما يضيف هذا الكاتب الامريكي في مرارة, نعيش عصر لقطة العشر ثوان في التليفزيون, وسطحية التغطية المثيرة للاخبار والاحداث السياسية باستخدام الكاميرا, واحيانا هستيريا الجري وراء اي خبر مثير ايا كان مصدره أو دقته ومهما بلغت ضحالته أو تفاهته من اجل اطعام التنين المتوحش المتمثل في شبكات الكابل الاخبارية العاملة على مدار 24 ساعة بغير انقطاع, ثم هناك ذلك الهدير المتواصل بدوره ليل نهار من احاديث المذياع, مليارات الكلمات من المئات واحيانا آلاف المتحدثين والمذيعين وكلهم في سباق غاية في الشراسة والضراوة على آذان المستمعين, وصولا إلى وافد العصر الجديد وهي شبكات الحاسوب العالمية التي تبث كل شيء وأي شيء بغير رقيب أو حسيب وذلك تحد لم يتوصل العالم إلى أسلوب ناجع لمواجهته بل ها هو يترك الابناء والشباب والبسطاء والساذجين نهبا امام سحره الذي يغوي الافئدة ويسلب الارادة ويعيد صياغة العقل البشري المفتون حسب ما تريده مصالح مغرضة واهواء. ولعل اخطر ما يشير اليه الكاتب الامريكي (هاميل) ويشاركه فيه كثيرون هو ان الاعلاميات في امريكا, وسوف تتبعها ولا شك اعلاميات اخرى في هذه البقعة أو تلك من عالمنا ــ قد سقطت في هاوية نسميها من جانبنا (القاء الكلام على عواهنه) بمعنى انهم اصطنعوا أو اخترعوا في العاصمة واشنطن لتعبيرات مطاطة كان يستخدمها الاعلاميون المحترمون من ابناء الاجيال السابقة, تعبيرات من قبيل (الحقائق المزعومة) أو مصدر تقريبي وحتى حكاية مصدر هذه التي يستخدمونها باسلوب التفكير لم يعد يعني شيئا له قيمة. لقد ظهرت كبرى صحف نيويورك في اخر يناير من العام الحالي تحمل عنوانا تكرر فوق صدر اكثر من صحيفة, العنوان يشير إلى الرئيس كلينتون على النحو التالي: ضبطوه بالجرم المشهود. أو بمعنى آخركمشوه وهو يقترف فعلته. وتحت العنوان المثير والخطير بالنسبة لاكبر رأس ومنصب في البلاد, كتبت الصحف مادة خبرية عبارة عن ايماءات وتلميحات واستنتاجات ظلت تنسبها عند كل نقرة إلى (مصدر) أو (مصادر) لم تحدد لا هويتها ولا مدى مصداقيتها. يضيف الصحفي هاميل قائلا: هكذا تحولت المسألة إلى صوب أوبرا, إلى تمثيلية مسلسلة فجة ومملة وممطوطة على طريقة التليفزيون وظللنا نحن محترفو العمل الصحفي نتساءل حول حكاية (المصدر) تلك الكلمة الهجينة في صناعة النشر وحرفة الصحفيين المحترمين. ان كلمة (مصدر) يمكن أن تصدق على أشياء وأفراد شتى: ما بين الغلام الذي يوصل طلبات الشواء إلى منزلك العامر من المطعم الصيني المجاور إلى أحد سعاة البريد المستعجل أو الممتاز من موصلي الطرود.. حتى تصل إلى أحد كبار المتبرعين للحملات الانتخابية الذي فاز بليلة قضاها في غرفة نوم لنكولن الشهيرة في البيت الأبيض ولعله كان مسهداً من فرط الفرحة في تلك الليلة فلم ير بأساً من أن يقوم بجولات بين أروقة البيت الرئاسي العتيد! وتلك في رأينا ظاهرة صحية. فها هم الصحفيون ينقدون الصحفيين ولا يقال عليهم انهم يسيئون إلى المهنة أو يكرسون محترفيها وكأنهم بمنأى عن النقد والتقييم والتقويم أيضا. وربما يزيد من هذه الظاهرة الصحية ــ ظاهرة ان الصحافة تنقد نفسها وتحاسب نفسها ما أمكننا في الأسابيع القليلة ان نرصده من سير الاعلاميات الأمريكية في هذا الاتجاه.. وقد أنتج هذا الرصد ملاحظات أساسية ثلاث نوجزها فيما يلي: الأولى : ان تتخذ صحف أمريكية كبرى اجراءات حازمة للتحقيق في اتهامات لبعض العاملين فيها الذين ترددت شائعات بأنهم اصطنعوا أو زينوا ــ فبركوا كما يقول تعبير الصحافة القاهرية تقارير اخبارية وتحقيقات صحفية ونشروها في تلك المطبوعات. وبدلا من أسلوب التغطية على الخطأ والالتفاف حول المشاكل والمداراة أو التطنيش ــ أعلنت تلك الصحف عن تحقيقاتها وعن فصل المحررين أو الكتاب الصحفيين الذين ثبتت عليهم تهمة الفبركة أو خيانة الأمانة المهنية. صحيح ان الصحيفة كانت في مأزق من الحرج الشديد أمام قرائها وانها كانت مهددة بفقد مصداقيتها في عيون هؤلاء القارئين.. لكن الصحيح أيضا انها مارست نوعا من القصد أو البزل الصحي الذي طردت فيه الدم الفاسد وعلى رؤوس الأشهاد ثم خرجت لتنشر أكثر من اعتذار على صدر صفحاتها عما طالعت به قراءها من ترهات وأكاذيب فعلت هذا مجلة (نيوربيليك) وهي من أعرق الدوريات عندما حققت واكتشفت ان واحدا من أنجب محرريها الشبان قد (فبرك) نحو 27 تحقيقا صحفيا رغم ان الفبركة كانت محبوكة والمصادر تبدو مقبولة.. والمحرر الهمام كان موهوبا في فن التزييف. وفعلته أيضا مجلة (بوسطون غلوب) عندما حققت مع واحد من ألمع محرريها واستخدمت خبراء في المهنة وفي القانون لتأكيد مصداقية, أو عدم مصداقية, 364 مصدرا أحال إليهم ذلك الصحفي النجم ولك أن تتخيل الأموال الباهظة التي تكلفتها تلك التحقيقات. وفعلته أيضا ــ مؤخرا ــ بوسطون غلوب مع باتريشيا سميث المرشحة لجائزة بولتزر وهي حلم أي صحفي في الولايات المتحدة. وكانت تكتب عمودا في الصحيفة ينال احترام القراء واعجاب الصحفيين.. ثم اتضح انها كانت تخترع أحيانا شخوصا في العمود وتنتحل أقوالا لم تحدث وتكتب عن أحداث لم تقع.. وحوارات من اصطناع خيالها الخصب باعتبارها شاعرة موثوقا بها في كل الأوساط ثم هناك واقعة اعتذار شبكة سي. ان. ان عن التحقيق التلفزيوني الذي قدمته حول اتهامات ضد الجيش الأمريكي باستخدام الغازات ضد متمرديه في حرب فيتنام. وقد لا نقف كثيرا عما يتردد عن الضغوط الشديدة التي تعرضت لها الشبكة الاخبارية من جانب الدوائر النافذة في البيت الأبيض أو البنتاجون الا ان الأمر كله أصبح معروضا أمام الجمهور الذي قيض له ان يتابع رأي المحطة التلفزيونية التي تراجعت معتذرة عن برنامجها وظل يتابع أيضا ــ وبالتفصيل ــ الرأي المضاد الذي طرحه المسؤولون عن اعداد واخراج البرنامج وما زالوا متمسكين رغم استبعادهم من المحطة بالاستقالة أو الاقالة ــ بأن ما قدموه كان ولا يزال صحيحا. وأيا كان موقع الحق عند هذا الجانب أو ذاك فالذي ندريه ان الصحافة التي تشعر بمسؤوليتها أمام الرأي العام ــ لا تتورع عن تفنيد معايبها وانتقاد ذاتها ومحاسبة نفسها ولا تقصر في نشر هذا كله, بكل ما ينطوي عليه من ندوب وجروح على مرأى ومسمع من الرأي العام. ان محاسبة النفس ونقد الذات والتصحيح الذاتي ضرورة مهنية في دنيا الصحافة بالذات قبل أن تكون ضرورة أخلاقية. وإلى الجزء الأخير من هذا المبحث ان شاء الله.