كبار الاقتصاديين والخبراء المحليين, في الدول المتقدمة والدول النامية على السواء, يقومون حاليا بدراسة حقائق الأوضاع الاقتصادية في دول جنوب شرق آسيا للوقوف على الأسباب الفعلية التي ضربت اقتصاديات هذه الدول في شهور قليلة وإلى مستوى يقل عن نصف المستوى الذي كانت تعيش عليه قبل السنتين الاخيرتين ومنذ أواخر الستينات, حيث كانت هذه الدول خلال السبعينات والثمانينات وحتى أوائل التسعينات تحقق معدلات تنمية تصل في المتوسط إلى 8% مما أدى إلى تغيير مستويات المعيشة وصعود الفقراء إلى مستوى الأغنياء ولجوء عدد كبير من المهاجرين من الدول المجاورة, كالهند وباكستان, ومن بعض الدول الفقيرة الأخرى إلى هذه الدول بحثا عن فرص العمل والرفاهية والحياة الأفضل التي افتقدوها في بلادهم. لقد تأثرت دول عديدة من الأزمات الاقتصادية التي حدثت في دول جنوب شرق آسيا, من بينها بعض الدول الأوروبية, وحتى الولايات المتحدة الأمريكية التي أعلن رئيسها منذ أيام اهتمامه بهذه الأزمة ومطالبته بعقد مؤتمر دولي يضم كل وزراء الاقتصاد والمال في العالم لبحث كيفية معالجة الأزمة قبل استفحالها وقبل وصولها إلى حد خطير قد يدمر العالم بأثره, نظرا لأن الولايات المتحدة لم تعد في المستوى الاقتصادي الذي كانت عليه في الثلاثينات عندما ساهمت في علاج الأزمة الاقتصادية العالمية التي حدثت في ذلك الوقت, كما ان أزمة جنوب شرق آسيا ستضر فعلا الاقتصاد الأمريكي, وقد حذر تقرير أمريكي صدر منذ أيام من ان العجز في الميزان التجاري الأمريكي الذي بلغ 2000 مليار دولار أمريكي في العام الماضي سوف يتزايد نتيجة هذه الأزمة بحوالي 100 مليار دولار أمريكي, يضاف إلى ذلك ان المناخ الدولي اختلف كثيرا عما كان عليه خلال النصف قرن الماضي بعد ثورات عديدة قامت في كثير من الدول النامية, وبعد ظهور دول وطبقات جديدة تعرف حقوقها الاقتصادية وتعرف أيضا كيف تدافع عنها, الأمر الذي يؤدي إلى قلاقل اقتصادية واضطرابات سياسية. ولم تكن المنطقة العربية بعيدة عن هذه الأوضاع العالمية, حيث طالب أغلب رؤسائها منذ بداية الأزمة في الصيف الماضي وبعد انعقاد مؤتمر كوالالمبور, طالبوا بانعقاد مؤتمر اقتصادي قومي لدراسة تجارب الدول الآسيوية الصناعية التي حققت تقدما كبيرا في المجالات الاقتصادية, ثم أصيبت بنكسة نقدية ومالية قوضت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فيها, وعلى ان يحضر هذا المؤتمر عدد كبير من المفكرين العرب وأساتذة الجامعات لاجراء حوار حول دروس النجاح والفشل في تجربة هذه الدول, لكي يخرج المؤتمر بخطوط واضحة لسياسة اقتصادية وقائية ودفاعية لحماية الاقتصاد العربي من الهزات الاقتصادية مستقبلا. على أن التعاون الاقتصادي العربي, بالعمل وليس بالقول فقط, هو المشترك الأعظم الذي يمكن أن يقف حائلا دون تسرب الأزمة الاقتصادية والنقدية المقبلة من دول جنوب شرق آسيا, وهي التي تسربت فعلا إلى دول أخرى كإيران واسرائيل وبلجيكا, كما أثرت على البورصات المالية في نيويورك وفي لندن ووصلت أيضا إلى استراليا, وفي تعليق لأحد المسؤولين الاقتصاديين في أندونيسيا ذكر ان ضعف التعاون الاقتصادي الاقليمي هناك أو عدم توافر خطة تنفيذية للتكامل الاقتصادي بين دول جنوب شرق آسيا كان من أهم الأسباب التي أدت إلى الأزمة الاقتصادية في هذه الدول. وفي ضوء الاهتمام المصري بالأزمة ــ على سبيل المثال ــ ولمعالجة الأسباب التي أدت إليها, ولكي تكون هناك صحوة اقتصادية حمائية, وأمام اجتماع موسع ضم أقطاب الاقتصاد والمال في مصر, كانت هناك توجيهات رئاسية تضمنت ما يلي: ضرورة أن تراعي البنوك المصرية, عند تقديم القروض بالعملات الأجنبية, أن يكون المقترض قادرا على السداد بالعملة نفسها, وفي الوقت المطلوب, وأن يتوافر لديه تدفق من دخل العملات الأجنبية له صفتا الثبات والاستمرار. احترام استقلالية الجهاز المصرفي, وعدم فرض مشاركة البنوك في تمويل مشروعات حكومية أو خاصة, الا بناء على دراسات جدوى اقتصادية دقيقة وسليمة. احترام مبدأ الشفافية في التعامل والالتزام بمعايير إدارة المحافظ المالية. أن تكون البورصة المصرية مفتوحة تماما أمام المستثمرين المصريين أو العرب أو الأجانب. أهمية توسيع قاعدة الملكية من خلال برنامج الخصخصة, وطرح أسهم الشركات سواء من قطاع الأعمال العام, أو الشركات المشتركة طبقا للبرامج الزمنية التي حددتها اللجنة الوزارية العليا للخصخصة. تطوير أداء البورصة المصرية والتعاون مع بورصات الأوراق المالية بالمنطقة. تشجيع الاستثمار في مجالات الانتاج بغرض التصدير. ضرورة بذل جهود أكثر بهدف فتح أسواق جديدة أمام الصادرات المصرية. كما ان هناك بعض النقاط الأخرى التي أرى أخذها في الاعتبار داخل المنطقة العربية في مجال الحماية الاقتصادية وحتى تكون الخطة شاملة: 1 ــ اعادة النظر في القواعد النقدية الموضوعة للتحويلات الرأسمالية مع الخارج لكي تتماشى مع صالح المنطقة وتمنع حدوث مشاكل اقتصادية مستقبلية, فلقد كانت هناك قواعد منظمة لتحويل رؤوس الأموال من وإلى الخارج منذ سنوات قليلة, غير ان هذه القواعد تم الغاؤها في أغلب الدول العربية تماشيا مع موجة تحرير النقد وبالرغم من معارضة كثير من الفنيين الذين يرون ضرورة الابقاء عليها, خاصة وان قواعد صندوق النقد الدولي تسمح بفرض الرقابة الدائمة على التحويلات الرأسمالية منعا لمثل هذه الكوارث الاقتصادية التي حدثت في دول جنوب شرق آسيا, كما تسمح بفرض قيود ادارية على المعاملات الجارية حتى لا تتسرب تحويلات رأسمالية عن طريقها. 2 ــ اعادة النظر في المجالات التي يسمح فيها باستثمار رؤوس الأموال الأجنبية وتحديدها في مجالات انتاجية وبشكل مباشر فقط بعيداً عن المجالات غير المباشرة والمفتوحة للأجانب دون قيد أو شرط وخاصة ان هدفهم الوحيد من الاستثمار يتركز في الحصول على أقصى ربح ممكن وبصرف النظر عما يقدمه المشروع المنشأ من زيادة للدخل القومي أو ما يقوم به من تشغيل العاطلين أو معالجة لمشاكل اقتصادية قد تواجهنا حاليا أو مستقبلا, وتجدر الاشارة إلى ان فتح الباب على مصراعيه للاستثمار في دول جنوب شرق آسيا كان أحد أسباب أزمة هذه الدول, حيث اتجه رأس المال الأجنبي في أغلب الدول العربية للاستثمار في قطاعات أقل أهمية للاقتصاد القومي مثل قطاع العقارات, وهو ما أدى إلى خفض حجم الصادرات وحدوث عجز في ميزان المدفوعات. 3 ــ اعادة النظر في تملك الأجانب بالكامل للمشروعات المحلية ودخولهم البورصة دون تنظيم ودون تحديد, فالعرب بوجه عام يتعين أن يكون لديهم الأولوية والنسب الغالبة في امتلاك المشروعات المنشأة داخل بلادهم, أما ان يسيطر الأجانب على بعض هذه المشروعات عن طريق امتلاكها بالكامل فهو وضع غير مقبول وغير معمول به في أغلب دول العالم وقد قاست مصر منه في الخمسينات, عندما امتنعت البنوك الأجنبية عن تمويل محصول القطن كما رفضت المساهمة في مشروعات التنمية, وأيضا عندما اتضح حينئذ ان الأجانب المصرفيين والنقديين خرجوا من مصر بكافة المعلومات والبيانات التي كان يمكن أن تساعد المصريين على إدارة واستمرار انسياب العمل في البنوك التي توقف العمل بها لعدة شهور بعد خروج الأجانب!! 4 ــ اعادة النظر في ربط قيمة العملات المحلية بالدولار الأمريكي أو بعملة أجنبية أخرى, لأن هذا الربط يؤدي إلى خسائر كبيرة للدول صاحبة العملة المحلية, خاصة في حالة انخفاض العملة الرئيسية المرتبطة بها, وقد كانت هذه الناحية من أسباب المشاكل النقدية التي واجهت دول جنوب شرق آسيا وأدت إلى انخفاض عملاتها بأكثر من خمسين في المائة, وكعامل مع عوامل الاصلاح النقدي قامت كل من اندونيسيا وماليزيا وتايلاند بالاتفاق على تنظيم نقدي اقليمي يقوم على اجراء مقاصة بين قيمة السلع المتبادلة بينها وعلى أن تتم المعاملات التجارية بينها من خلال العملات المحلية وأن ينشأ صندوق للمقاصة يتم تمويله من اليابان وبعض هذه الدول, وقد تم فعلا العمل بهذا التنظيم النقدي والذي أرجو أن ينشأ مثيل له بين الدول العربية يتم عن طريق المبادلات التجارية البينية ويساهم في إدارته بعض الفنيين الأكفاء في الدول العربية. ان ما حدث في دول جنوب شرق آسيا يدعو للتأمل ومراجعة الفكر واعادة النظر في كل الجوانب التي تحيط بنا, على ان حماية الاقتصاد العربي من أزمات دول جنوب شرق آسيا لا تتطلب فقط توجيهات وتوجهات ولكن يتعين أن يصاحبها قرارات تعاونية وخطوات عملية تتم في أقرب وقت ممكن وقبل فوات الأوان.