المثقف العربي ايا كان توجهه, فإنه في كل خطاباته, ونتاجه الفكري يلح على طلب لا يتنازل عنه مطلقا, الديمقراطية بكل آفاقها. وآفاق الديمقراطية , تركة ثقيلة لا يقدر على تبعاتها من لم ينشأ على تعاليمها ومن لم يتشربها حرفاً حرفاً, في المنزل والمدرسة والشارع والمؤسسة. آفاق الديمقراطية هي: التعددية, الحوار,قبول الرأي الاخر, حرية الاختلاف وحرية الرأي والتعبير. مجموعة من اساتذة علم النفس بجامعة عين شمس المصرية, طرحت السؤال: هل العقل العربي منفتح ويقبل الآخر المخالف فعلا, ام أنه تسلطي وقمعي ومتعصب في حقيقته؟ فريق العلماء في جامعة عين شمس, طرح السؤال حول (احادية الرؤية وتعدديتها) للكشف عن مدى انتشار الرؤية الاحادية او التعددية الديمقراطية بين طبقات عريضة من المثقفين, وجاء المقياس الذي وضعه الفريق مكونا من 165 سؤالا, وشمل فئات واسعة من المثقفين بدءاً من رجال القضاء, واساتذة الجامعات, انتهاءً بالفئات العادية من المواطنين. فكيف كانت النتيجة؟! مجلة (الجيل) التي اوردت الموضوع قالت ان اخطر ما كشف عنه المقياس من نتائج هو ان كلا من الجانبين: الاصوليون اصحاب الاحادية تجاه مخالفيهم وخاصة الاسلاميين منهم, والتعدديون من بين المثقفين الليبراليين, واليساريين, والعلمانيين, اي اصحاب الرؤية التعددية, كلاهما ينفي الآخر, وكلاهما يدعي ملكيته المطلقة للحقيقة, وان الاخر على خطأ دائما!! اذن فنحن نرزح تحت ثقل موروث ومتأصل من ثقافة مزدوجة, ثقافة تطرح الاخر بدل ان تجتمع به, وتنفيه بدل ان تحتويه, ثقافة تطالب علنا بالديمقراطية, وتتكسر داخليا تحت مطارق التسلط والعبودية والاقصاء. اذن فليس صحيحا ان السلفي الاصولي هو المثقف المتعصب الوحيد كما يتهم دوما, فحتى اولئك الذين يتهمونه ويذهبون سريعا يقفون تحت ظلال الديمقراطية ويرفعون شعاراتها, هم كذلك متعصبون وقمعيون حتى النخاع! العقل العربي اذن مريض بالتعصب واحادية النظرة والقناعات, ولعل الموروث الثقافي الذي توارثناه احقابا, عن المجتمعات البدوية والزراعية, مسؤول عن هذا التكوين التسلطي لعقولنا, وهذا ماتربى عليه الجميع, وما تربينا عليه نحن,ونحن بدورنا نربي عليه اولادنا. السمع والطاعة وبلا نقاش, هذا هو الدرس الاول الذي يتلقاه ابناؤنا في الاسرة, والدرس الاول الذي يبث في أدمغتهم في اول ايامهم المدرسية. ولذلك فالمدرس لا يناقش, والناظر لا يجادل والأب لا يرد كلامه, والمدير أمره على الرأس والعين.. الخ. ولا يهم ولا يناقش اذا كان هذا الامر وذاك والكلام صواب أم خطأ. اذن فما معنى كل هذا الارث المكتوب, والنضال المسجل من أجل الممارسات الديمقراطية ونشر الثقافة والوعي السياسي في المحيط العربي؟ معناه اننا نحلم بيوم نتخلص فيه من عاهاتنا العقلية, وخاصة حالة الازدواجية التي نعانيها سراً وعلنا, كي نتمكن من تحويل الشعار الى ممارسة, لانه حيث يسود الظلام يصبح من المضحك ان ترفع شعار (إقرأ, فالقراءة نور)! وعليه فلا بد من مواجهة الداخل, واختبار مدى سلامة وصلابة الشعار ومدى مصداقيتنا مع انفسنا اولا ثم مع شعاراتنا, ما لم يحدث نقد وتحليل ومواجهة, سنظل كرعايا الامبراطور الذين مجدّوا ثيابه الفاخرة مع ان الثياب لا وجود لها, والامبراطور كان عاريا!! ديمقراطيتنا كثياب الامبراطور تماماً.