من المثير حقا ان تبتهج الجامعة العربية او تدعي نصرا لم يكن لها يد فيه . غير ان هذا ماحدث بالضبط. فما ان اعلنت كل من واشنطن ولندن عن استعدادهما للبحث في محاكمة المتهمين الليبيين في قضية لوكيربي (تفجير طائرة تابعة لشركة بانام الامريكية في لوكيربي باسكتلندا عام 88 واسفرت عن مصرع جميع ركابها الــ 270 راكبا, وبينهم 189 امريكيا و 35 بريطانيا) في بلد ثالث حتى انبرت الجامعة تنسب لنفسها افضالا, وتذكر العالم بمواقفها المساندة للقضية الليبية والتي ادت الى النتيجة الحالية. ولا شك ان الجامعة دعمت ليبيا في عدد من المناسبات. ومنها تبني المجلس الوزاري للجامعة في مارس 1994 اقتراح طرابلس بمحاكمة الليبيين عبد الباسط المقراحي والامين خليفة فهيمة من قبل القضاء الاسكتلندي وامام محكمة العدل الدولية. وكذلك مساندتها اقتراحا ليبيا جديدا في عام 1997 بمحاكمة الليبيين امام القضاء الاسكتلندي ولكن في بلد ثالث او امام مؤسسة تابعة للامم المتحدة. وهذه كلها امور ايجابية وطيبة دون شك, لكنها لم ترق الى مستوى الاجراء الجدي الذي دفع بالدولتين الى التخلي عن شروطهما السابقة. لو ان الجامعة العربية دعت دولها الى كسر الحظر المفروض على ليبيا, او وضعت جدولا زمنيا برفع العقوبات تقوم بعده بخرق الحظر في حال لم يرفع. لو ان الجامعة العربية ارسلت مثلا امينها العام عصمت عبد المجيد او بعض مسؤوليها الكبار الى ليبيا, متحدية الحصار والتعبير عن التضامن مع الشعب الليبي. لو ان الجامعة نددت حتى بالحظر واعتبرته غير شرعيا وضمنت هذا الموقف في قرارها او توصيات قممها لو ان الجامعة العربية فعلت اي من هذه الخطوات, لكنا حسبنا ما حدث بالنسبة لليبيا اخيرا انتصارا يحق لها ان تتباهى به. غير ان شيئا من ذلك لم يحدث بل ان الجامعة والدول العربية تعاملت مع الحظر على ليبيا وكأنه عمل شرعي وجزء من قرارات دولية ينبغي احترامها وتنفيذها حرفيا. لهذا استكثرنا ونستكثر على الجامعة فرحتها الغامرة بقرب الافراج عن ليبيا. ليس انتقاصا من دور الجامعة او قيمتها ولكن لاحقاق بعض الحق وانصاف العاملين الفعليين, وهذا الشيء الاخير بالذات هو الذي يدفعنا الى البحث عن اصحاب الفضل الحقيقيين في هذا الامر. والفضل هنا يمكن ان ينسب الى جهتين اساسا, الاولى هي ليبيا نفسها, اما الثانية فهي منظمة الوحدة الافريقية واعضاؤها. من الامور الهامة ان ليبيا لم تستكن الى منطق الغاب الامريكي والبريطاني طوال السنوات التي مضت منذ 1992 وهي لم ترفض محاكمة اثنين من مواطنيها المتهمين بتفجير الطائرة الامريكية لكنها اشترطت لذلك ان تتم محاكمتهما في بلد محايد. وهو امر ظلت لندن وواشنطن ترفضانه على طول الخط, وتعلنان ضرورة تسليم المشتبه بهما اليها لتقوم هي بمحاكمتهما. ونتيجة لذلك قامت باستصدار قرار من مجلس الامن الدولي يقضي بفرض عقوبات على طرابلس تراوحت بين الحظر الجوي وحظر تسليمها اسلحة وتجميد ودائعها المالية. وكان يمكن فهم ذلك وتقبله لو ان المحاكمة جرت وتم اثبات ضلوع ليبيا في الحادث, لكن المسألة برمتها لم تتعدى الاشتباه وهو امر يمكن فيه قول الكثير. الامر الاخر هو ان ليبيا سعت الى كسر الحصار المفروض عليها بنفسها من خلال تسيير رحلات جوية الى عدد من الدول العربية والافريقية ابرزها زيارات العقيد القذافي نفسه, وكذلك رحلات الحج الى مكة المكرمة. وكان لذلك قيمة معنوية كبيرة, ثبت معها مع الوقت ان الحصار هو مجرد حاجز وهمي يعتمد في تنفيذه واستمراريته اساسا على التزام الدول المحيطة. الجانب الاخر هو انتصار ليبيا في محكمة العدل الدولية التي اعلنت في وقت سابق من هذا العام اهليتها للنظر في قضية لوكيربي رغم الاعتراضات الامريكية والبريطانية. في موازاة ذلك قامت ليبيا بحملة اعلامية كبيرة ناجحة لتبيان حجم الخسائر التي تسبب فيها الحظر والمآسي الانسانية التي تعرض لها شعبها بسببه. وقد قدرت الخسائر المالية التي تكبدها الاقتصاد الليبي منذ بداية الحظر في عام 1992 وحتى نهاية 1996 بحوالي 23.5 مليار دولار. كذلك نجحت السلطات الليبية في ابريل الماضي في الحصول على موافقة عائلات ضحايا البانام من البريطانيين على خطتها والمتمثلة في اقتراحها بقبول محاكمة المتهمين في بلد محايد من قبل قضاة دوليين يرأسهم قاض يعينه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير. هذه الاجراءات والعمل المتواصل والدؤوب هو الذي مكن ليبيا اخيرا من الظفر باعتراف غريميها بحقها في اجراء محاكمة عادلة ونزيهة لمواطنيها. وقد جاء دور منظمة الوحدة الافريقية مكملا وداعما ضمن هذه المسعى. فهي حذرت اثناء قمتها التي عقدتها في يونيو الماضي في واجادوجو من انها سترفع من طرف واحد جميع العقوبات المفروضة على ليبيا اذا لم تلتزم الاسرة الدولية بقرار محكمة العدل الدولية. بعد هذا قام عدد من القادة الافارقة بانتهاك الحظر الجوي والتوجه مؤخرا الى ليبيا بالطائرة في حين ذهب عدد اخر منهم الى ليبيا معبرين عن وقوفهم الى جانبها وتضامنهم معها رغم تحذيرات واشنطن ولعل ابرز شخصية في هذا المجال هي رئيس جنوب افريقيا نيلسون مانديلا, الذي اعلن بوضوح للامريكيين انه لايستطيع ان ينسى افضال ليبيا بحق شعب جنوب افريقيا ابان حكم الفصل العنصري. خلاصة القول هي ان ليبيا تمكنت من انتزاع التأييد الدولي لموقفها واجبار الولايات المتحدة على الاستماع لصوت العقل والموافقة على مقترحاتها لحل المشكلة, من خلال مثابرتها وجهودها اولا, ثم من خلال قناعة الدول الافريقية المجاورة لها بعدالة الموقف الليبي ثانيا. اما الجامعة العربية فأمامها ان تحقق انجازا حقيقيا تستطيع ان تفخر به, لو احسنت الاستفادة من التجربة الليبية في العمل على رفع الحصار عن العراق. فهنا يوجد حصار لا انساني يمثل عملية ابادة جماعية للسكان وهو حصار لاشرعي يستمد قوته ليس من قرارات مجلس الامن كما يزعم وانما من خلال التزام الدول العربية وغير العربية المحيطة بالعراق بتنفيذه.