رغم رحيلها يوم رحيله في سبتمبر 1970 وانصرام ثمانية وعشرين عاما على هذا الرحيل فان الذاكرة العربية الشعبية لاتزال تقاوم هذه الحملة التي لم تتوقف ضد ثورة 23 يوليو وصاحبها الراحل الخالد جمال عبدالناصر . ان ارشيف الصحافة الغربية, وبخاصة الامريكية يشهد ان ما من ثورة وما من تأثر تعرضا لما تعرضت له لهذه الثورة وصاحبها في تاريخنا المعاصر بما في ذلك الثورات الشيوعية وقادتها الشيوعيون. والحملة لا تزال مستمرة, وكذلك المقاومة ضدها. ولقد كان الاقبال المنقطع النظير على مشاهدة فيلم (ناصر 56) في العام الماضي اكبر دليل على ان عبدالناصر لا يزال ــ رغم رحيله ــ حيا في ذاكرة من عاصروه وموضع فضول واستفسار للجيل المعاصر. فما من حدث عصف بهذه الامة, ما بين محيطها وخليجها, بعد رحيل عبدالناصر, دون ان يثير على السنة الخاصة والعامة والسؤال الدائم التكرار عما يمكن ان يكون عليه الحال لو كان عبدالناصر حيا في منزله المتواضع في منشية البكري مثل الحارس الذي لا يغفل ولا ينام حرصا على هذا الوطن من اعداء الخارج والداخل. كانت آخر مآثره وأد الفتنة في الاردن وطي (ايلولها الاسود) وما كاد ان يستريح من وعثائها حتى كان القلب قد كل فتوقف عن الخفقان, تاركا هذه الامة لأن تقلع اشواكها بأيديها من بعده. واخذت الالغام الموقوتة تتفجر في ساحات هذا الوطن, لغما اثر لغم, من مشرقه الى مغربه ومن شماله الى جنوبه, دون ان تجد من يطفىء نيرانها او يخمد لهيبها. والناس ترقب ما يحدث وتتساءل: هل من الممكن ان يحدث هذا كله لو كان عبدالناصر حيا, وثورة يوليو لا تزال قائمة في عاصمة المعز؟ لقد طرح هذا السؤال وتكرر يوم اندلعت شرارة الشر في لبنان وتحول الصراع من قتال ضد العدو الصهيوني الى اقتتال بين الاشقاء واستمر وامتد وتشعب ليستلب من عمرنا اكثر من سبع عشرة سنة حصدنا خلالها تدمير وطن كان قائما ورحيل ثورة كانت واعدة. وبينما كنا نلملم جراح تلك المأساة ونعلل النفس بآمال اللقاء والتعاون مع طهران بعد ثورتها على الشاه, الحليف المشرقي الاوحد لاسرائيل, فوجئنا باعلان العراق الحرب على هذه الثورة التي امتدت ثماني سنوات عجاف راح ضحية لها الاف الشباب من عرب ومسلمين كان يفترض بهم ان يكونوا في سرايا مشتركة تحارب العدو الواحد. هل كان من الممكن لهذه الحرب ان تقع لو كان عبدالناصر حيا وثورة يوليو قائمة في قاهرة المعز؟ ومن قبل ان تمنح الفرصة للرد على هذا السؤال فوجئنا بكارثة اشد وأدهى عندما قام صدام حسين بغزو الكويت, وكان ما كان من اثار هذه المغامرة المجنونة المفتقرة للعقل والوجدان معا, وفي مقدمة هذه الاثار اننا رحنا ندعو الاجنبي لحمايتنا وحراستنا بعد نضال عقود من الزمن من اجل اجلائه وتصفية قواعده. بل رحنا ندفع ثمن هذه الحماية من ارصدتنا الراهنة التي عندما كلت عن الدفع, اضطرت بعض دولنا لرهان مستقبلها دفاعا عن حاضرها. هل كان ذلك ممكن الحدوث لو كان عبدالناصر حيا, وثورة يوليو قائمة في قلعتها القاهرية الشامخة؟ في الستينات حينما حاول عبدالكريم قاسم ضم الكويت واعلن من اذاعته ان الكويت اصبحت قائمقامية تابعة لبغداد, لم يتطلب ذلك كله اكثر من موقف اتخذه قائد ثورة يوليو اعلنه في خطاب عابر حتى اعاد كل ذي عقل الى عقله دون اراقة نقطة دم, ولا حتى نقطة حبر من مداد جامعة الدول العربية. وانتهى الامر. ويمكن القياس على ما هو قائم من مشاكل وتحديات في السودان كما في اليمن والجزائر وفلسطين المحتلة, وتكرار السؤال ماذا لو كان عبدالناصر حيا وثورة يوليو مستمرة؟ قد ينسب العديد من المرتدين الجدد, الذين تمكنت اسرائيل من هزيمتهم في انفسهم, كل ما قلته الى نوع من النوستاليجا او البكائيات على الاطلال او الوقوع في شرك (عبادة الفرد) وغير ذلك مما قيل ويقال كرها بعبدالناصر وثورته. ولكن هؤلاء وحتى هذه اللحظة لا يقدمون لنا من بديل عن المشروع القومي غير الاستسلام للمشروع الصهيوني. كما انهم عندما يفتحون دفاتر الماضي في محاولة للنيل من عبدالناصر وثورته لا يجرؤون على مقارنة ما يأخذونه عليه بما هي عليه الاوضاع في الانظمة التي يدافعون عنها سواء في مجال الحريات او حركة التنمية الاقتصادية ومحاولة توفير العدالة الاجتماعية. نحن لسنا ممن يؤلهون الفرد, ولا ممن يعبدون الاصنام, ولم نؤمن اصلا بعبدالناصر وثورته الا من خلال حركة الرجل وثورته وما اثبته على ارض الواقع من تغييرات لصالح الامة ومشروعها النهضوي. ولعل اهم مصادر اعجابنا وتقديرنا للرجل وثورته انه ومنذ البداية رفض الايديولوجيات المعلبة مؤثرا التجربة والخطأ بحثا عن الدرب الممكن لهذه الامة ان تسير عليه لتحقق اهدافها في الحرية والوحدة والتقدم. ولقد اثبت عبدالناصر, وفي مرحلة لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلا بالنسبة لمحاولات الاستقطاب الدولي, قدرته على المضي قدما دون الوقوع في احضان اي من المعسكرين. لم يثنه ارهاب الغرب ولا اغراء الشرق في الانحياز لاي من المعسكرين, رافضا لأية هوية غير هويته الحقيقية الاصلية, هوية العربي المؤمن بشعبه ووطنه وبقدرة هذا المواطن على تحدي الكبار وبناء مستقبله وفق مصالحه. لم يدع عبدالناصر ذات يوم انه صاحب فكر خاص او عقيدة مصنفة, بل كان اشد الرافضين لمصطلح (الناصرية) الذي اتهمه ذات مرة بأنه من اختراعات الصحف الموالية للغرب والاستعمار التي تستهدف تصنيف الناس وتقسيمهم وتجزءتهم. كان عبدالناصر من نتاج التجربة القومية التي بدأت مع بداية هذا القرن. وتتجلى قيمته بأنه استطاع ان يدرك اهمية هذه التجربة وضرورة اقحام مصر فيها لما لمصر من مكانة ودور. كان عبدالناصر, وبخاصة لمن عرفوه عن كثب, اكثر ديمقراطية وانفتاحا على الرأي الآخر ممن اسموا انفسهم رواد انفتاح وديمقراطية. كان مستعدا لمناقشة اي تجربة واي فكرة ولا شرط له ولا قيد الا ان يكون ذلك في مصلحة الامة والنهوض بشأنها وحل مشاكلها. لقد رحل عبدالناصر منذ ثماني وعشرين سنة حفلت بكل انواع التحديات ويدفعني الفضول, بعد كل هذه السنوات, الى طرح سؤال مغاير للسؤال الذي طالما تكرر حول (لو كان عبدالناصر حيا) او لعله مكملا لهذا السؤال. اني اتساءل, هل لو كان عبدالناصر حيا الآن, في اواخر التسعينات, سيكون هو عبدالناصر الخمسينات والستينات! لا اعتقد ذلك, ومن الاجحاف وعدم الانصاف الظن بأن رجلا في قامته يبقى اسير مرحلة عابرة او سياسة مؤقتة او اسلوب حددته ظروف معينة. واشارك الاخ احمد بن بله, الذي يعتبر عبدالناصر استاذا له, انه من الحرام علينا, والناصريون منا بشكل خاص, ان نحنط الرجل ولا نرى في فكره ونهجه ما يوحي بأنه القادر على التطور المستمر وعلى حسن الاختيار من بين المعروض من احتمالات. اذكر اني سألت الراحل الخالد ذات يوم, وكنت شابا في مستهل تجربتي السياسية: يقولون يا سيادة الرئيس انك اشبه بستالين وهناك من يقول انك اشبه بالمسيح. فأين انت من هذا او ذاك؟ (اشعر الآن بالحرج وبالسذاجة لطرح هكذا سؤال): فقال مبتسما: لا هذا ولا ذاك, انا جمال عبدالناصر حسين. وشعرت انه اضاف (حسين) هذا الى اسمه ليوغل في اتهامي بأنه انسان من عامة الشعب لا اكثر ولا اقل. رحمه الله, وغفر لنا