ماذا كانت ستكون النتائج لو ان الجانب العربي في مؤتمر مدريد للسلام والذي تعامل مع الكيان اليهودي على طاولة واحدة وأجندة موحدة ورغبة مشتركة في الوقوف صفا واحدا في وجه العدو الصهيوني بقي متمسكا بسياسته الموحدة وأصر على عدم قبول أي اتفاقات ثنائية قبل الانتهاء من وضع اتفاقات لكافة المسارات العربية ؟ ان كان هذا السؤال منطقيا إلى حد ما من منطلق وطني وقومي إلا انه كان صعب التطبيق من الناحية العملية ولذلك تفرقت المفاوضات العربية المتعددة الأطراف وبات كل طرف يوقع اتفاقا منفردا مع الكيان الاسرائيلي كل على حدة باستثناء المفاوضات اللبنانية ـ الاسرائيلية, إذ ان الحكومة اللبنانية ترفض قطعيا ابرام أي اتفاقات سلام قبل الخروج بالمفاوضات السورية ــ الاسرائيلية إلى خط النهاية. وللحق فإن قدر كبير من اللوم يقع على الفلسطينيين كونهم أول من انفصل بمساره سرا وانفرد بالمفاوضات الثنائية مع نظيره الاسرائيلي في العاصمة النرويجية أوسلو بينما كانت جلسات المفاوضات المعلنة تعقد في واشنطن, إلا ان ملابسات المفاوضات المعلنة وسوء التخطيط لها والضغوطات الاعلامية والدبلوماسية العالمية التي كانت أطقم المفاوضين تعاني منها كانت وراء الدافع لعقد مفاوضات (حقيقية) من خلف الكواليس في عاصمة بعيدة ومحايدة ودون أي ضغوطات. ويضاف إلى ذلك ان المفاوض الفلسطيني كان يتعامل في مؤتمر مدريد وملحقاته من خلال الوفد الأردني إذ ان الحكومة الاسرائيلية آنذاك كانت ترفض الاعتراف باستقلاليته والتعامل علانية مع منظمة التحرير الفلسطينية إلا ان أعلنت الأخيرة اعترافها باسرائيل مسبقا. وقد نجحت الوساطات النرويجية في اقناع الاسرائيليين بعدم جدوى سياساتهم وما تجلبه لهم من مخاطر أمنية وسياسية جسيمة, وكان ان استفاد كلا الطرفين من هذه المغامرة السياسية التي لو اتضح أمرها قبل ان تحقق أية نتائج لكانت بمثابة الكارثة السياسية ونهاية حتمية للعملية السلمية قبل ان تبصر النور. ونتج عما سلف ان نهجت الحكومة الأردنية نهجا مماثلاً أدى في النهاية إلى توقيع اتفاق سلام عام 1995 مع الحكومة الاسرائيلية, وقد استفاد الأردن من توقيع الاتفاقات الفلسطينية ــ الاسرائيلية المتعددة سواء اتفاق القاهرة أو أوسلو أو واشنطن إذ انها فتحت المجال بمصراعيه أمام المفاوض الأردني للوصول إلى نتائج مماثلة وبسرعة. إلا ان وصول حزب الليكود المتصلب إلى سدة الحكم وجه المفاوضات في مسار مختلف بل أدى في نهاية الأمر إلى توقفها كلية في مارس 1997, ولذا فإن الوضع الجديد يتطلب اعادة النظر في السياسة التفاوضية العربية ككل, ذلك ان الاتفاقات التي أبرمها الفلسطينيون والأردنيون لم تكن اتفاقات نهائية اضافة لكون تنفيذ بنودها يتطلب المزيد من المفاوضات والاجتماعات في المستقبل. ولم تستطع الدول العربية وضع استراتيجية موحدة وقوية للتعامل مع مرحلة الليكود, بل ان الدول العربية فشلت مرارًا بالرغم من اعلان اسرائيل مضاعفة مساحة مدينة القدس وزيادة نسبة سكانها اليهود الذين يتكون غالبيتهم من اليهود الأرثوذكس والأصوليين الذين سيكون من الصعب اقناعهم بأي انسحاب في المستقبل. وقد كان الفشل العربي في وضع خطة وآلية تنفيذها سببا مباشراً في استرسال الحكومة الاسرائيلية في تنفيذ مخططاتها التي نعلم جميعا انها موضوعة لابتلاع الأراضي العربية بل ان هناك خطط تنفيذ مسبقة ومحكمة. وقد اسرعت الحكومة الاسرائيلية في تنفيذ مخططاتها بعدما رأت مدى ضعف ردود الفعل العربية التي لن تتمكن من الوقوف ضدها أو افشال مخططاتها. وقد كانت أول هذه الخطوات اقرار الكنيست لقانون يحظر على الحكومة التفاوض على أو التنازل عن أي جزء من هضبة الجولان السورية التي تم ضمها رسميا إلى الدولة العبرية, ثم جاء افتتاح النفق من أسفل الحرم القدسي الشريف وبعده القصف المتواصل للأراضي اللبنانية وانتهاك سيادتها اضافة لهدم المنازل الفلسطينية والتصدي لقبول عضوية السلطة الفلسطينية في الأمم المتحدة ورفض تنفيذ اتفاقات السلام المبرمة كلية واقامة المستوطنات الجديدة وتوسيع المستوطنات الحالية وأخيرا ولكن بالتأكيد لن يكون آخراً توسيع مساحة مدينة القدس. وبعد استعراضنا المشاكل التي تترتب على عدم وجود تنسيق عربي متكامل, فإن المطلوب منا الآن هو وضع تصور شامل لشبكة تعاون عربي توطد من التعاون العربي وتخدم مصالح حكوماته وتحقق آمال وطموحات شعوبه. ان أهم أنواع التعاون يجب ان تكون تعاونا اعلاميا مكثفا وشن الحملات الاعلامية الصريحة والمنظمة لترسيخ ونشر القناعات العربية القومية المشتركة وفي نفس الاطار يتوجب توجيه حملات اعلانية واعلامية في أجهزة الاعلام الغربية على غرار ما تقوم به التنظيمات اليهودية والصهيونية العالمية. كما يتوجب تشكيل لجنة عربية دائمة من كافة الدول العربية تشكل على مستوى وزراء أو وكلاء وزارة معنيين يقومون بوضع خطط لحملة دبلوماسية تنسيقية عربية موحدة وقوية تتمتع بدعم قوي وصلب من الحكومات العربية المختلفة, وتم اعتماد آلية تطبيق هذه الخطة وبنودها وتنسيق حيثيات تنفيذها بحيث يسهل التعرف على القنوات الدبلوماسية الدولية المستهدفة وطرق التشاور معها وامكانيات تدخلها لصالح المصالحة العربية وتحديد أهدافها القريبة والبعيدة المدى. كما يتوجب على هذه اللجنة وضع أسس التعاون العربي المشترك وارسال مبعوثيها للتشاور مع الحكومات العربية لوضع سياسة مدروسة تجاه القضية, ومن المفضل لمثل هذه اللجنة الا تندرج تحت سلطة جامعة الدول العربية التي فشلت في الماضي في عدة أحداث ساخنة ان تمسك بزمام الأمور وتفرض حلولا ملزمة على أعضائها عند الحاجة, كما ان الدخول في متاهات السياسات الداخلية للجامعة والتنسيق معها كلها اجراءات ستطول وربما تقتل أية مبادرة دبلوماسية محتملة وستصعب وتزيد من اجراءات أعمال اللجنة. لقد أصبحنا في أشد الحاجة إلى قوة سياسية مشتركة وان كانت رمزية, فعدو الأمة العربية الآن يحتل أراضي من أربع دول عربية أعضاء في الجامعة العربية والأمم المتحدة, ولا يزال شعار علمه وشعار مدخل الكنيست يعلنان نية اقامة دولة اسرائيل التاريخية من النيل إلى الفرات أي احتلال أراض من ثلاث دول عربية أخرى حسب الخارطة المعتمدة لديهم (من العراق والسعودية ومصر). ومن يدعوه تقصيره وخيبته إلى التشكيك في نوايا اسرائيل المستقبلية عليه ان يتساءل لماذا مثلا لا تنسحب اسرائيل من جنوب لبنان؟ ان الاجابة عن هذا السؤال بالتأكيد هي ان اسرائيل تتخوف من هجمات تشن عليها من الأرض اللبنانية, ولعله من السذاجة ان نعتقد ان الهاجس الأمني الاسرائيلي سيزول في يوم من الأيام مهما قدمنا لهم من ضمانات ومهما كانت أعداد الاتفاقيات التي توقع معهم, فهم يدركون جيدا مدى العداوة التي بيننا وبينهم ولن يثقوا بنا اطلاقا. كاتب فلسطيني