(حوار الثقافات) تلك نغمة اخرى تتعالى بين نغمات أيامنا هذه فعن طريق هذا الحوار تنفتح ابواب السياسة المغلقة, وتنفتح من بعد هذا ابواب الاقتصاد والعون التكنولوجي وارتياد باطن الارض والبحر والفضاء, وعن طريق هذا الحوار ايضا توصد فوهات براكين التخريب والتدمير وتتهيأ للشعوب المتحاورة فرصة التنعم بالهدوء والسلم والسلامة . اما (مربط الفرس) في كل ذاك, كما يقال, فهو ان جسور الحوار لا يمر فوقها ساسة ومسؤولون حكوميون بل هي مسالك تتلاقى عند محطاتها (الشعوب) انها الشعوب تتحاور ومن ثم تتصافح تحت رفيف أجنحة حمامات التفاهم والمحبة. ولا ضير ان يكون الحوار بين الاقدام والرؤوس في ساحات كرة القدم, او بين الايدي والاجساد في حلبات المصارعة, او القفز والنقز عند طرفي مائدة كرة المنضدة. وليكن حوار الافكار والاجتهادات مرحلة تالية. وقبل ذلك كله من المهم ان تولد النظرة فالابتسامة فالسلام فالكلام فالموعد فاللقاء على نحو ما رسمه خيال شاعر يحترف القريض ويتقفى خيوط الهيام. ان الذين ينشدون اقامة حوار الثقافات يستهدفون حركية (تثاقف) او (مثاقفة) غير مفروضة بالقوة وبسط النفوذ كما في الاستعمار وماله من دور في تهشيم حضارة الشعوب وسلخها عن هوياتها, كما انها ليست حصيلة تلاق لا يخضع الى توجيه او تحكم, ولكنها تنجز في اطار مراقبة تضمن, ما وسعها ان تضمن انتقال قيم جديدة لا تجتث الموروث بل تساعد على تفتح آفاق التعارف والمعرفة والتقارب, انها تلك الحركية التي تستبعد في تفاعلاتها (التماهي) و(الادماج) وتنفي (الاستلاب) و(الاقصاء) . لقد عشنا حركية (تثاقف) الاستعمار ورأينا كيف عملت على خلق نوع من التبعية في انماط العيش, وطرائق الفكر والاقرار بأن الاخر هو الاقوى والاذكى وما علينا الا الانقياد والاستشارة عندما يحين حين الاستشارة. ولقد عرفنا حركية (التثاقف) بتلقائيتها عندما تأثر الاخر بعلوم العرب خلال فترة ذهبية استنار فيها العالم بالانجازات العلمية على ايدي ابن حيان وابن سينا وابن الهيثم واضرابهم. ولم ينحصر تأثر (الآخر) بعلوم العرب فحسب بل اتسع ليشمل الاداب بألوانها. والحديث يطول عن تأثر الخيال الغربي بالانماط السردية التي توفرت في الف ليلة وليلة وكليلة ودمنة ورسالة الغفران, كما يطول عند الحديث عن تأثر ايقاع الشعر الغربي بما تفتحت عنه العبقرية الشاعرة لدى ابن قزمان, والفناحركية (تثاقف) معاصرة متميزة بتلقائيتها جسدها في مجال الهوس الجنسي المحموم قلم الطيب صالح في (موسم الهجرة الى الشمال) , وعكسها في مجال سطوة التقاليد وتحكم الماضي قلم يحيى حقي في (قنديل ام هاشم) , ورسمها في مجال الصراع القومي والعمل الوحدوي قلم سهيل ادريس في (الحي اللاتيني) . ولهؤلاء الثلاثة امثال واضراب. ولعل السؤال الملح الذي يطرح نفسه على ساحة الفكر هو ذلك الذي يرنو الى افق لم يتسن لنا بعد ان نجوس فيه. كيف يمكن ان نصنع حركية تثاقف (موجهة ومبرمجة) في اطار حوار ينتهي الى فهم اعمق في مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد؟ لقد كانت لنا تجربة حوار بين المجموعة الاوروبية والجامعة العربية. ولقد تهيأت لمسؤولين سامين من حملة الفكر ممن يعملون في الجامعة العربية ومنظماتها فرصة الحوار الثقافي, سافروا الى هناك الى (بلاد الآخر) واستقروا في فنادق هانئة واداروا محاورات وعادوا ليدونوا كما هو معتاد تقارير وانتهى الامر لنشرع مجددا من نقطة الصفر (وكأننا يا بدر, لا رحنا ولا جينا) . والحديث عن حوار الثقافات يعلو ويخفت وفقا لما تعانيه العلاقات مع الآخر من علو وخفوت وليس ثمة سر في علو وخفوت نغمة تدعو الى حوار ثقافي مع (الآخر الآخر) وصولا الى تناغم وانسجام مع الطرح الصهيوني. وتحقيقا لتطبيع سياسي واجتماعي وفكري بين دول العرب والكيان المزروع بين الصلب والحشايا. واذا ما اخذنا الامر كله في اطاره العام, لوجدنا امكانية لتبسيط آلية الحوار الثقافي الموجه والمبرمج من خلال طرح منطلق هذا الحوار وممراته. اما المنطلق فهو الانصراف عن التسليم بامكانية قيام ثقافة عالمية واحدة قد تكون ثقافة الماكدونالد والكوكاكولا, او ثقافة من نوع رفيع يسمو على النزاع الايديولوجي. وفي هذا الانصراف تأكيد لاجتهادات البنيوي الاشهر الفرنسي ليفي شتراوس التي ذهبت الى ان البشر لا يمكن حصرهم في وحدة متماثلة, كما لا يمكن تقسيمهم الى اجزاء ذات خصائص منكفئة على ذاتها. وهكذا يكون الطابع العالمي الانساني هو جوهر المنطلق واساسه الانساني. وربما يرى من يرى بأن ذلك يتضمن الالغاء لشأن لا يمكن الغاؤه. ويريدون بذلك الفوارق الثقافية, ونقاط الصراع التي كانت وسوف تستمر مع استمرارية الحياة الانسانية. ويعلق على هذا الرأي من لايرى في ذلك تناقضا مع الطابع العالمي الانساني الذي لا ينبغي له في اهتمامه بالمتشابه العام ان يغفل او يتغافل عن الفوارق ونقاط الصراع. ان التعرف على اوجه التباين هو الممهد للتصنيف والتحليل والانطلاق بعد ذلك الى ثراء التثاقف والانسجام على طريق التقدم البشري بعيدا عن اجواء التدمير والهلاك. واذا ما كان ذلك هو المنطلق فان في مقدمة الممرات المفتوحة هي تلك التي يخترقها المثقفون. وبشكل خاص اولئك الذين يعنيهم الشأن العام, ويرصدونه عن بعد. فلا تشغلهم الاحداث السياسية المتجددة, ولا تثنيهم عن التأمل والتبصر الاهتمامات بمفردات الحياة اليومية. انهم بشبه عزلتهم الحياتية اقدر على تحكيم العقل حتى ولو كان عقلا مغفلا, واجدر بالتصاعد فوق المؤثرات العاطفية ولو كان في ذلك اهدار لحس الانتماء للاهل والعشرة والعشيرة. ومن الممرات ايضا الجمعيات التي تتبنى الدعوة الى السلام العالمي والانطواء الى افعال الاحسان ومساعدة الجرحى والمرضى. كما تشمل الممرات الحلقات الدراسية, وتبادل الاساتذة وجلسات الحوار والنوادي العالمية, والتحادث بين البرلمانات والمهرجانات الاحتفالية من موسيقى ورقص وغناء وسينما وبرامج تلفزية. ومن خلال كل ذاك يتيسر للشعوب او على الاصح لمن يقوم مقامها ان ينظر بعضهم الى بعض من الداخل على طريق التكامل مع النظر المسبق من الخارج. ولي ولك ان نتساءل عن (الواقعية) في كل ذاك ونحن نعيش عصر التكنولوجيا الغربية. ان التكنولوجية ذات طابع شمولي كاسح متميز باللا توازن الذي تفرضه الحاجة الى التجديد والحرص على البقاء في عالم التنافس والصراع. وفي ذاك الامر ما يدعو الى (غزو) العالم النامي تعليميا واعلاميا وثقافيا واقتصاديا. وهنا اقف معك لنتأمل: انحن في صدد معايشة حركية تثاقف نابض بحب البشرية والتعاون الانساني ام نحن في ساحة نتخلى فيها عن مواقفنا ازاء تثقيف (موجه) و(مبرمج) يفرضه واقع تكنولوجيا العصر, واقع حياة (الآخر) و(الآخر والآخر) . ولتتذكر معي مقولة ابن الرومي امامك فانهج اي نهجيك تنهج…طريقان شتى مستقيم واعوج!؟