صدر مشاكلك إلى الخارج. هذه هي النظرية أو العقيدة التي يؤمن بها العديد من حكام الشرق الأوسط, وهي نظرية لازال معمولا بها رغم فشلها رغم النكسات التي دفعناها ثمنا لتطبيقها, ولعل أفدحها وأشدها أثرا هي التجربة العراقية التي صدرت أزماتها مرتين متتاليتين, في الأولى شنت حربها الشعواء ضد ايران وفي الثانية ضد الكويت, ولعلنا ونحن نخطو إلى شهر أغسطس نتذكر مدى الثمن الذي مازلنا ندفعه حتى الآن . فتصدير المشكلات الداخلية أكثر سهولة ويسرا من محاولة ايجاد حلول لها, خاصة إذا كانت مزمنة, وهو أيضا طريق سهل لتأجيج المشاعر الوطنية البدائية وحشد طاقات المجتمع في رأي هذه الأنظمة ـ تجاه مشكلة خارجية, وهو طريق (يوحد) الصف الداخلي ويرجئ محاكمته للقضايا الداخلية أو يطفئها, وان كان هذا التوحيد والارجاء هو مؤقتا وظاهريا واصطناعيا. وهي نظرية في الحكم ليست جديدة , فقد جربتها دول عديدة في أمريكا اللاتينية حتى عيت, ثم وجدت أنه لا سبيل أمامها غير اعادة توجيه بوصلتها في مواجهة هذه المشاكل, وانه لا مفر من قبول التعددية الداخلية والالتفات إلى التنمية واطلاق الحريات للوصول إلى مجتمع متوازن, لأن تصدير المشكلات الوطنية إلى الخارج قد يكون سهلا في البداية, ولكنه مكلف في نهاية الأمر, وكل التجارب تدل على ذلك. والتجربة العراقية هي أكبر برهان وأفضل دليل على خطأ هذه النظرة, فمازال الشعب العراقي يدفع ثمنا باهظا من جراء مغامرات نظامه, ليس من قوته فقط ولكن من حرياته أيضا وهي الأهم. ولعل المثال الأفدح والسابقة التي تتضاءل بجانبها السوابق, هو ماجرت عليه القيادة الفلسطينية عندما اعتقدت ان تحرير فلسطين يمر تارة من عمان وتارة من بيروت وتارة أخيرة من الكويت, ثم اكتشفت بعد خراب كبير انها يجب ألا تغادر الأرض الفلسطينية ان كان هناك حل يرجى. وحتى التجربة المصرية لم تفلت من هذا المصير, وهي تجربة كانت دائما نموذجا وعنوانا للعمل العربي, فعندما سارعت بارسال قواتها إلى اليمن وساقتها إلى حرب الجبال التي لا تدري عنها شيئا. دفعت الثمن غاليا في يونيو 67 حين هاجمت اسرائيل جيشها المتعب في سيناء وقيادتها المشوشة الفكر التي خلطت بين حرب المتمردين البدائية وحرب الجنرالات النظامية. لقد تبنى الفكر الاستراتيجي المصري بعد تلك التجربة نظرية هي عدم المجازفة بارسال الجيش المصري إلى أي مكان, وحتى عندما تم ذلك في اطار حرب تحرير الكويت تم في اطار الشرعية الدولية وخارج أي اطار للتفكير المغامر. ولأنه من الصعب في عالمنا العربي الاستفادة من تجربة سابقة فقد حملت إلينا أخبار هذا الأسبوع ثلاث قضايا حية, هي في جوهرها محاولة بشكل ما لتصدير مشكلات ـ بعضها مستعصي الحل في الداخل, أو مكلف ديمقراطيا ـ إلى خارج الحدود الوطنية, وإلى الجيران بالتحديد الذين هم أولى بكل معروف, بعض هذه المشكلات مختلف في الشكل, ولكنها كلها واحدة في الجوهر, وهي من الشمال تركيا, ومن الشرق ايران ومن الجنوب اليمن. فقد صعد رئيس الوزراء التركي مسعود يلمظ على نحو مفاجئ في مطلع هذا الأسبوع الموقف السياسي مع سوريا عندما وجه تحذيرا مما أسماه (أطماع توسعية لدى دمشق في لواء الاسكندرونة) وقال (ان من يرنو ببصره إلى الأرض التركية مصيره العمى) وهو تصعيد غير مبرر في الموضوع, ولكن له خلفيات ودوافع داخلية, فيلمظ وحكومته يتعرضان لضغوط داخلية تدفعهما إما الى الاستقالة أو تنظيم انتخابات مبكرة, وليس هناك مفر من تفريغ هذه المطالبات الداخلية باتجاه استقطاب شعبي لقضية (وطنية) خارجية, هي ما سمي أطماع الآخرين في الأرض التركية, تلك الصيحة التي اعتاد عليها بعض الحكام للاستمرار ـ ولو مؤقتا ـ في الحكم. ويأتينا المثال الثاني من ايران, فالمتابع للشأن الايراني لا يخفى عليه الصراع المستعر بين المجددين والتقليديين, وقد استقطب وتبلور هذا الصراع في قضية واحدة مؤخراً أصبحت رمزا له وهي قضية غلام حسين كرباستشي رئيس بلدية طهران الاصلاحي المقال, الذي أدخل أفكاراً اصلاحية استطاع بها على مدى عقدين من الزمن تحويل العاصمة الإيرانية من مدينة مثقلة بآثار الحرب وقلة الانفاق إلى مدينة مزدهرة, كما أصبح أيضا ـ من جراء تأييده الواضح والمعلن لانتخاب الرئيس خاتمي ـ محط نقد واستهداف رمزي لكل اتباع المدرسة التقليدية, فبعد محاكمة استقطبت الكثير من الأضواء وشغلت الرأي العام الإيراني والعالمي وفي موعد صدور الحكم تقريبا اختارت ايران ان تختبر صاروخا متوسط المدى (شهاب ـ 3) قادراً على الوصول إلى كل جيران الجمهورية الاسلامية من مصر إلى روسيا, مما أثار الكثير من التعليقات وصرف النظر ربما جزئيا عن نتاج المحاكمة وذلك الحكم العنيف الصادر بحق مدير البلدية السابق, وهي محاولة لا تخلو من لفت الأنظار بعيدا عن ذلك الصراع الداخلي المتأرجح بين قبول التعددية وتطوير ممارسات الثورة, أو السير باتجاه الصوت الواحد والوجه الواحد, وان تم ذلك قسرا لكل قوى المجتمع. ولكن تبقى ثالثة الأثافي وهي ما يحدث في جنوب الجزيرة العربية بين اليمن والمملكة العربية السعودية, وفي يقيني ان هذه هي القضية الأخطر والأكثر حضوراً لنا نحن في الخليج والتي كانت متوقعة منذ أسابيع على خلفية الأحداث الداخلية في اليمن, وقد تناولت شخصيا في مقال نشر منذ ثلاثة أسابيع الموضوع, وقلت وقتها بالنص: (الاضطراب الذي صاحب الفورة الشعبية (في اليمن) توجهت الحلول لمعالجته وجهتين, الأولى أمنية, وذلك أمر لا يجادل فيه أحد وان ناقش في مستواه وحدته, والثانية وهي التي أقلقتني وربما آخرين هو وضع أسباب الاضطراب على كتف (قوى خارجية) وبعض التصريحات اليمنية شبه الرسمية لم تتوان عن تسمية هذه الجهات بالاشارة إلى دول بعينها, وإلحاق بعض القوى اليمنية المعارضة في الخارج من جملة الأسباب, وقد تحول القلق إلى حقيقة بعد التصريحات المتكررة والعرض التلفزيوني اليمني الذي استمر لعدة أيام. لقد جرى تصعيد هذا الأمر بعد ذلك من خلال تعبئة شعبية وإعلامية لم نلحظها منذ الاحتلال العراقي للكويت قبل ثماني سنوات, فقد ظهرت من خلال وسائل الاعلام اليمنية مجموعة من وسائل الحشد والتعبئة والتصريحات اللاهثة صعدت الأمر إلى قمته, ثم نقلت وكالات الأنباء ما حدث في جزيرة الدويمة المشتركة في البحر الأحمر فجأة, وليت الأمر توقف عند هذا الحد, ولكن لأن الأساليب الدعائية ليس لها حدود فقد تصاعد الأمر إلى الحديث عن جزر أخرى. ما حدث ويحدث في اليمن من مشكلات معيشية واقتصادية صعبة, يثير الحزن في نفس كل عربي, والوضع الاقتصادي الصعب في هذه الفترة هو بمثابة القدر المفروض على كل اقتصاديات المنطقة النفطية وغير النفطية, كما ان الخلافات الحدودية هي بمثابة القدر المسلط من جهة أخرى على هذه المنطقة, وعليها التعامل بالحكمة مع القدرين, وتغليب المصالح العليا بدلاً من تأجيج المشاعر الوطنية, وللأخوة في اليمن سابقة هي خلافهم مع اريتريا على جزيرة (حنيش) التي لجأ الطرفان فيها إلى التماس حل دولي ودي وسلمي, دون تعبئة وتحشيد شعبي أو تصعيد إعلامي. ولعله مما يثير دهشتي تلك الغضبة المضرية التي قامت بها اليمن تجاه جزيرة تحكمها المعاهدات الدولية مع أخ وجار وشقيق, وذلك البرود الغريب الذي تلقت به نبأ ضياع جزر حنيش الكبرى والصغرى. ففي قضية جزيرة الدويمة جرى تصعيد الخلاف الحدودي فجأة إلى درجة الاشتباك المسلح والتصعيد الاعلامي غير المسبوق في حدته, وهو أمر في نهاية المطاف لا يمكن ان يكون في صالح اليمن, ولا المنطقة بأسرها, كما انه وهو الأهم لا يقوم بتنفيس المشكلات الداخلية وان أجلها إلى حين. ان العراق ما زال يدفع ثمن تصدير مشكلاته الداخلية إلى الجيران وما دخله من حروب, هذه الأثمان ما زالت تدفع نازفة في الجرح العربي, وتفوت الفرص للحد الأدنى من الوفاق, وفي نهاية المطاف سيضطر العراق الى ان يدفع الثمن لشعبه حرية وتعددية وحوارا مدنيا مهما طال الأمد, فالهروب من مثل هذه الاستحقاقات هو هروب مؤقت إلى الأمام ومهما طال الزمن سيعود الجميع من جديد لمواجهة الحقائق المرة. وبالمثل فإن أي عاقل لا يرى في التصعيد اليمني الأخير إلا هروبا مؤقتا من دفع فاتورة المشاركة وقبول التعددية والسلام الاجتماعي الداخلي, وإرساء القضية الوطنية اليمنية على ساحة من الوفاق والتراضي الواسع, ومواجهة الشعب بالحقائق الاقتصادية وان كانت صعبة, حيث ان زمن التصعيد تجاه مشكلات عالقة داخلية وتوجيهها إلى الخارج قد يؤدي إلى تسكين الألم لفترة وجيزة, ولكنه لا يحل المشكلة الداخلية بل يفاقمها على ما فيها من قبح. ونحن في الكويت إذ نتذكر العدوان العراقي في هذا الشهر منذ ثماني سنوات لدينا الدليل المادي القاطع على تصدير المشكلات الوطنية الملحة وتعليقها على مشجب خارجي استجداء لموقف داخلي (موحد) يتجاوز هذه المشكلات, ما هو إلا ترياق مؤقت وحل خطير سرعان ما ينجلي مفعوله ليعود الألم الوطني أكثر إحقاقا بالتراضي والقبول على قاعدة الاتفاقات البينية والدولية هو أيضا لا يؤدي إلا الى الدمار الشامل وقد كفانا دماراً وعدم تعقل. ان الدرس المستفاد من كل ذلك مؤداه ان الهروب من التعايش الوطني إلى (صراع الأوطان) قد يشعل فتيل الحروب , وهذ الحروب لا تقود إلى انتصارات, وإنما تقود إلى اهمال متعمد في المطالب الأهلية وارجائها, تقود إلى صراع أهلي خفي أو معلن يورث عدم الاستقرار الطويل لأنه سلب آلية التعايش الداخلي. رئيس تحرير مجلة (العربي) الكويتية