كلنا في العالم العربي محترفو سياسة, لانحيازنا الشخصي الحر, ذلك لأن السياسة دخلت ليس فقط اوطاننا, بل بيوتنا وأجسامنا وأحلامنا وكوابيسنا من أكثر من باب , وانهالت علينا عبر كل سقف احتمينا به أو حاولنا الاحتماء. السياسة دخلت حياتنا قسرا بالجيوش الغازية بكافة الأسلحة بدءا بالسلاح الأبيض وانتهاء بأسلحة الدمار الشامل التي كنا ضمن من جربت عليهم, ودخلت السياسة حياتنا ارادات غريبة تفرض علينا بدءا من حكامنا ثم عبر حكامنا, ووصلت الى حد جراثيم وأمراض تفتك بنا في السر دون ان نعلم الا بعد فوات الأوان, او حتى بعد فوات الاوان, اذ اننا مازلنا نزدرد ونستنشق كل انواع الملوثات والمسرطنات التي تورد الينا من قمامة العالم الأول سواء في صورة غذاء نشتريه بعرق جبيننا او نفايات تدفن في ارضنا لتنبت لنا الموت بدلا من قوتنا مصدر حياتنا وأمننا... والسياسة دخلت حتى عقولنا حين بدأ يحظر علينا ان نفكر ونختار ونعبر عن ارادتنا, او حتى عن مشاعرنا وان لم تزد على الحزن او اليأس... فنحن, ومنذ قرون الامة التي يأمر حكامها بالسيف والنطع (لشاعر من اجل قصيدة!! كلنا محترفو سياسة, ولكن بعضنا يختار ان يجعلها مهنته الأولى او الوحيدة, لأسباب قد تبدو حالمة للبعض او دون كيشوتيه عدمية للبعض الاخر, ويتفهمها فقط البعض الباقي والذين هم من ذات النوعية التي مازالت تؤمن بأهمية كيس البذار المتزايدة في زمن القحط وأهمية الخميرة في زمن المجاعة وشح الخبز... وهكذا اخترت انا السياسة مهنة لي منذ عشر سنوات ــ اي بعد ولادة مارينا صغرى ابنائي وبناتي ــ وفتحت ابواب الجحيم على نفسي وعلى اسرتي واطفالي يوم ترشحت لأول مرة للانتخابات النيابية عام 1989. ومنذ بواكير عامها الثاني عاشت مارينا (الارهاب) بكل معانيه وتعاريفه المتفق عليها والمختلف عليها, مارينا عاشت الارهاب منذ استلزم عملي وسلامتها نزعها عن صدري وهي بعد ابنة عام واربعة شهور, وبدأ بالذات حين اقتحم الاصوليون بيتي, حاملين, تهديدهم الصريح وحكم الموت الذي اصدروه بحقي... عندها كانت مارينا على ذراعي ابنة عام واربعة شهور, وكنت اقف وسط غرفة المدخل محاطة بهؤلاء, وكان اول رد فعل لي هو ان ادعو خالتها ــ وكنا ثلاثتنا وحدنا في البيت ــ لتأخذ الطفلة بعيدا عني حماية لها من أي خطر قد يستهدفني وكان ذلك بداية نزعها المتكرر عن صدري وابتعادي وغيابي عنها معظم ساعات النهار والليل وأغلب ايام السنة للتصدي لمسؤوليات مهنة كانت في الاغلب حتى دون مردود مادي. ولم تكن حصة طفلي الآخرين من المعاناة أقل من حصة مارينا, بل ان وعيهم منذ اللحظة لحقيقة المخاطر التي احاطت بنا زاد من معاناتهم, ولكن احساسي بالذنب تجاه مارينا يظل هو الاكبر لشعوري بأنها زجت في هذا الميدان في وقت مبكر جدا, وكانت حياتها معي هي مجرد الفتات المتبقي ما بين الاجتماعات والقراءة لساعات طويلة والسفرات خارج البلاد والحملات الانتخابية. وحق لمارينا بالذات ان تكره كافة هذه الحملات بما فيها تلك التي فزت فيها بمقعد في مجلس النواب. فأثناء تلك الحملة كانت تأتيني بمطالبها وشكاويها, او حتى اشواقها, كما تلجأ أية طفلة ابنة خمس سنوات لأمها, وكنت أقول لها ان لا وقت لدي لأن عندي (انتخابات) ... وبعد فوزي تبخر ما تبقى لدي من الوقت ما بين احتفالات الفوز التي اكرمتني بها كافة فئات الشعب الاردني, وبين مسؤوليات المهمة التي انتخبت لها, فلم تعد مارينا تراني الا فيما نذر. وبعد اشهر اتتني لتسألني: متى ستنتهي هذه الانتخابات. وعندما اجبتها بأنها انتهت, تساءلت في حيرة: لماذا لا اراك اذا!! فاجبتها بأن السبب هو فوزي في هذه الانتخابات وبالتالي مسؤوليات هذا الفوز وهذا المقعد, عندها أعلنت مارينا انها (تكره الانتخابات) ... ومن قبلها أعلنت شقيقتها الاكبر انها لن تعمل في السياسة طوال حياتها مهما حدث, ولا تزال تصر على هذا بعنف. لهذا كله ابتدعت وسيلة للتواصل مع ابنائي تعتمد نوعية العلاقة اكثر من كميتها, وتستثمر الوقت القليل المتاح على طريقة استثمار اليهودي لأمواله. ومن هذا الوقت فترات تنقلي في السيارة في مهام متفرقة متنوعة تنتهي بالعودة للبيت وليس باجتماع يمل فيه الصغار, وفي هذه التنقلات اصطحب دوما احد اطفالي ليتمكن من الحديث معي وفتح قلبه لي على انفراد وبما يناسب سنه واحلامه ورؤاه الخاصة دون اخوته, وفي هذه الاوقات بالذات يواجهاني اطفالي بالاسئلة الصعبة, ولكن من اصعبها ما دفعني لكتابة هذا المقال, فسؤال ابنتي كان بالنسبة لي مواجهة مع الذات والواقع, وانارة متميزة في عالم السياسة المظلم. سألتني مارينا عن رئيس دولة عربية ــ وسأحاول عدم ذكر الاسماء التي وردت في الاطار السلبي درءا لخلافات مع عدد من الدول العربية اعتقد ان (البيان) في غنى عنها ــ تعرف انني أؤيده في اكثر من حديث سياسي, فأجبتها بصراحة كي اساعدها على بناء وعي سياسي حقيقي متوازن ان الرجل ممتاز على الصعيد القومي العربي, ولكنه ليس كذلك داخل بلاده لأنه ينقصه قدر كبير من الديمقراطية ولا يلتزم كثيرا بمتطلبات الحريات العامة والتعددية. وسألتني عن زعيم عربي آخر استشعرت تراوحا في حديثي السياسي عنه مع زملائي او مع الصحافة, فأجبتها بأنه ليس سيئا جدا, ولكنه حتما ليس جيدا, لانه من ناحية يخدم الامة جزئيا, ويخدم وطنه جزئيا, ولكن عينه على امريكا بأكثر مما يجب ويهمه مقعده أولا... وسألتني عن ثالث, فقلت لها ان هذا فاسد وطنيا وقوميا ولا تغتر بمعسول كلامه... ولم انتبه الى انني وانا اعطي صورة واقعية لابنتي عن حالة السياسيين العرب, انني كشفت لها الصورة البشعة لواقع السياسة والسياسيين العرب, وهو واقع انا امتهنه وسياسيون اعمل معهم وتشاهد صوري وانا اصافحهم... وفي بحث يائس عن شيء ايجابي تتشبث به هذه الطفلة البريئة الحالمة المثالية, بادرتني بسؤال صعب نصه: هل هناك زعيم عربي جيد في تعامله مع شعبه في الداخل ومع العرب جميعا؟؟ وتوقفت عندها وقد ادركت ان ابنتي تبحث عن الاجوبة النهائية وان مسؤوليتي تضاعفت وان مهنتي التي من أجلها يحرم اطفالي مني ومن كل دواعي الاستقرار الاسري اصبحت موضع محاكمة او ربما موضع ادانة... وسرعان ما خطر لي وانا استعرض شريط الزعماء العرب اسم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وان كنت لا أريد فعلا ان اقول هذا في صحيفة اماراتية, مع ان حقيقة نشر الصحيفة الاماراتية لمقالاتي هو احد مؤشرات صدق ما أقول ــ وقلت لها ان هذا الرجل بعيد عن فذلكات وتنظير الزعماء الآخرين الذين نسمع اسماءهم بتكرار لكن شعبه يرتاح اليه بدليل ان ليس هنالك مشاكل كالتي نراها حوله في العالم العربي, وانني اكتب في بلاده مالا ينشر لي هنا, وانه رغم توفر كل وسائل الراحة والترف والامان له ولشعبه فانه لا يقفل ابوابه على الشأن القومي بل يبادر الى طرح مالا يجرؤ غيره على طرحه من ضرورات المصلحة العربية, وحدثتها عن موقف الامارات ورئيسها من قضية المصالحة العربية مع العراق ورفع الحصار كونه مثالا قريبا من ابنتي وعاشت الكثير من تفاصيله. ولم أكد التقط انفاسي واهنئ نفسي على النجاح في ذلك السؤال الصعب, حتى فاجأتني ابنه العشر سنوات (بل وأقل) بالسؤال الاصعب وبالتقييم النهائي لتلك المهنة التي سرقت منها امها او كادت... سؤالها كان: هل هنالك زعيم في العالم يخدم وطنه ويخدم قومه ويخدم العالم والبشر جميعا؟؟ عندها شعرت بالاحباط والعجز, وظننت لأول وهله أن علي أن أبحث عن شخصية في التاريخ الغابر, أحالتها الدعاية أو الاساطير أو الإسقاطات اللاحقة إلى حالة من الكمال هي منها في الأغلب براء. وبدأت أوازن بين ضرورات قول الحقيقة لابنتي وضرورات انقاذ ماء وجهي بإنقاذ صورة مهنتي .. وفجأة ثبت لي ألا داعي لأن أكذب, وبقدر ما شعرت بأن بامكاني أن أمدّ ابنتي بأمل حقيقي في مستقبل العالم الذي تديره السياسة شعرت أنا نفسي بالأمل يتجدد في وأجبت ابنتي بثقة: أجل, هنالك نيلسون مانديلا. واستغرق الحديث عن مانديلا وسجنه ومبادئه التي لم تتزعزع, وقدرته على الصمود بقدر قدرته على الغفران, وتغليبه المصلحة العامة على الخاصة, ووقوفه بحزم ولكن بأدب ودماثة تستدعي خجل واحترام الطرف الآخر, أمام دكتاتوريات العالم المعاصر, وقوله: (لا) لهم جميعا مهما استدعى الأمر, ومنهم كلينتون الذي تنحني له الزعامات دون مبرر وطوعاً وبمبادرة غير مقدّرة من الأمريكان .. وحدثتها عن انسانيته وحبه للأطفال, وقلبه الدافق بالحب والتواق للألفة والعشرة الإنسانية, والذي جعله يعيش قصة حب حتى في شيخوخته .. وحدثتها عن الطفل البرئ في داخله والذي ما زال يصله بالأطفال في حين لا يزيد سياسيو العالم على استثمارهم بأكثر من طريقة بشعة. حدثتها باعتزاز أكثر عنه لأنه بالذات ابن العالم الثالث, الأفريقي الأسود الذي تحمل بشموخ وليس برضوخ عنصرية الرجل الأبيض, وعندما جاء زمانه وانتصر لم ينتقم, ولكنه علم عدوه وجلاده الحب والتسامح والمساواة الانسانية الحقيقية. وطوال حديثي الذي كان ممتعا لي كما هو لابنتي, كنت أقول في داخلي: شكرا مانديلا, فقد انقذت ماء وجهي أمام ابنتي , وساعدتني على التخلص من الكثير من الشعور بالذنب تجاه أطفالي, بل واعدتني طفلة مثلها في العاشرة أجلس أمامك مع آلاف الأطفال الذين يحيطون بك ويستمعون إليك لنتعلم من جديد حقيقة السياسة وجوهرها, وليس ما آلت إليه, وأعدت لي ثقتي بأن المبادئ ليست فقط مرغوبة, بل هي ممكنة في هذه المهنة التي لوثتها العديد من الأيدي والمسماه السياسية, والتي هي مهنتي وقدري شئت أم أبيت. قبل أيام احتفل مانديلا بعيده الثمانين وبزواجه ممن يحب معاً, وقريبا سيعتزل السياسة, ورغم فقدان جنوب أفريقيا والعالم كله لرئيس دولة فريد من نوعه, إلا ان قرار الاعتزال هو اضافة نوعية أخرى للدروس التي تعلمها العالم على يد مانديلا. ومقالتي هذه هي بطاقة تهنئة أبعثها للزعيم العالمي في عيد ميلاده واحتفال زواجه. وهي رسالة وداع له يوم اعتزاله.. ولكنها قبل هذا وذاك رسالة شكر شخصية من أم تمتهن السياسة دون أطفالها الثلاثة. وإذا لم يتح لي الحظ ان ألتقي بهذا الرجل العظيم فإنني سعيدة على الأقل بأنني عاصرته.