يجمع المراقبون على ان الزيارة التي قام بها الرئيس السوري حافظ الاسد الى باريس حققت هدفا مشتركا لسوريا وفرنسا بإرساء اساس متين لشراكة سياسية واقتصادية بين البلدين. وعلى رغم ان هذا الهدف بدا واضحا منذ زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى دمشق في اكتوبر 1996, الا انه كان يحتاج الى مزيد من الاختبار عبر خطوات مشتركة اتخذها البلدان خلال العامين الماضيين وأظهرت مدى حاجة كل طرف للآخر في مواجهة التحولات الدولية . وإذا كانت هذه الشراكة تعني بالنسبة لفرنسا, في جملة ماتعنيه, بناء قاعدة صلبة في المشرق العربي يتعزز من خلالها الوجود الفرنسي الاوروبي الفاعل, الى جانب ما تتيحه الشراكة الأوروبية ــ المتوسطية في هذا المجال, فهي تستجيب لرغبة دمشق ايضا بإيجاد بدائل قوية, ثابتة, يمكن الاعتماد عليها في مواجهة الخطر الاسرائيلي المستمر من جهة والتحديات الاقليمية الاخرى (أبرزها التحالف الامريكي ــ الاسرائيلي) من جهة ثانية. وفي تقدير دمشق ان ذلك يشكل بعض التعويض عن خسارة حليفها الاستراتيجي السابق: الاتحاد السوفييتي, وتراجع الوضع العربي تحت تأثير النتائج السلبية التي احدثها اتفاق أوسلو, ووصول مؤتمر مدريد كله الى طريق مسدود. ومن المفهوم, مع ذلك, ان موضوع الدعم العسكري الذي تحتاجه سوريا في صورة ملحة, سيظل خارج هذه الشراكة, في الوقت الحاضر على الاقل, مما يفرض على دمشق التوجه نحو روسيا, المصدر التقليدي لتسلحها, وهو ما تحاول ان تفعله الآن. لقد أعطت القيادة السورية فرصة كافية لاختبار امكانية المراهنة على نشوء علاقة مع الولايات المتحدة تقوم على اسس موضوعية, بيد ان هذه المراهنة سقطت كليا بفعل الانحياز الامريكي الكامل لصالح اسرائيل, وعدم بذل الادارة الامريكية محاولات جادة وصادقة لإنجاح العملية السلمية وفقا لمبادىء مدريد وفي مقدمتها مبدأ الارض مقابل السلام. وحتى موضوع رفع اسم سوريا عن اللائحة الامريكية للدول المتهمة بالارهاب ظلت واشنطن تستخدمه لابتزاز دمشق ودفعها الى مزيد من التنازلات للدولة العبرية, برغم اصرار الحكومة الاسرائيلية على تدمير العملية السلمية وإعادة المنطقة الى اجواء العنف, وربما الى ما هو اخطر من ذلك وفقا لتوقعات المصادر الامنية الاسرائيلية نفسها. وفضلا عن ان هذا الوضع حال دون تحقيق تسوية عادلة وشاملة للصراع العربي ــ الاسرائيلي وأدى الى ابقاء مرتفعات الجولان السورية تحت الاحتلال الاسرائيلي حتى اشعار آخر, فهو يزيد في ارهاق الاقتصاد السوري نظرا لمواصلة التركيز على المتطلبات الدفاعية, وعدم الانخراط في برامج جذرية, بعيدة المدى, تعالج مشاكل الاقتصاد السوري وتمكنه من مواجهة آثار التفاعلات السياسية والاقتصادية العالمية والاقليمية, الى جانب الحاجات الداخلية. لقد تبين لدمشق ان بقاءها اسيرة لحالة الجمود الراهنة, حيث يسود واقع (اللاسلم واللاحرب) , يجعلها اكثر تأثرا بالضغوط الاسرائيلية من جهة, وبالابتزاز الامريكي من جهة ثانية. فإلى جانب ان سوريا اصبحت محرومة من المصدر الذي كانت تتزود منه بالسلاح (الاتحاد السوفييتي) وبوسائل الدعم الاخرى التي تمكنها من الصمود, والتصدي العسكري عند الضرورة, غدا دورها السياسي والاقليمي مهددا ايضا. وقد حاولت هذه التداعيات كلها دون اتخاذ اجراءات رادعة في مواجهة التعنت الاسرائيلي, بل انها سمحت في وقت لاحق, للبرلمان الاسرائيلي (الكنيست) باتخاذ قراره الجديد بمنع الحكومة من الانسحاب من مرتفعات الجولان السورية المحتلة من دون اتخاذ قرار في (الكنيست) يحظى بموافقة اغلبية اعضاء البرلمان. وفضلا عن ان هذا القرار يشكل عقبة جديدة في وجه التسوية السلمية, التي تعاني من التعثر والتراجع, فهو يتسم بالاستفزاز والتحدي, كما يؤكد مرة اخرى رفض الرضوخ للارادة الدولية. وفي رأي المراقبين ان الشراكة السورية ــ الأوروبية, التي تنطلق عبر البوابة الفرنسية, تحقق لدمشق فوائد عديدة أبرزها: ـ أولا: إحداث توازن اقليمي ودولي في مواجهة الهيمنة الامريكية المتزايدة. ـ ثانيا: على رغم التأثير المحدود نسبيا للتدخل الاوروبي في دعم المسيرة السلمية, الا ان افساح المجال لهذا الدور الاوروبي, المتزايد الاهمية, حرم واشنطن وإسرائيل من الانفراد بالساحة الشرق أوسطية, وعطل المحاولات الرامية الى تغليب وجهات النظر الاسرائيلية بصورة دائمة. ومع ذلك فإن دمشق تعتقد بإمكانية ممارسة ضغط اوروبي أكبر على اسرائيل لحملها على الامتثال للارادة الدولية, وهو ما أكد عليه الرئيس حافظ الاسد خلال وجوده في باريس مؤخرا. ـ ثالثا: الحصول على مصادر جديدة للدعم الاقتصادي, وربما للدعم العسكري في المستقبل, في اطار برنامج واضح للتعاون يقوم على قاعدة المصالح المشتركة. ـ رابعا: إعطاء إشارة قوية من الطرفين للإسراع في إبرام اتفاق الشراكة الأوروبية ــ السورية الذي بدأت المفاوضات الرسمية حوله في شهر مايو الماضي. وهكذا يتبين انه اذا كانت فرنسا بحاجة الى شريك قوي في منطقة الشرق الاوسط, كما هي حاجة سوريا الى شريك دولي قوي يعوضها عن فقدان حليفها السابق: الاتحاد السوفييتي, فقد وجد الطرفان غايتهما في هذه العلاقة, التي يتوقع لها المراقبون ان تتطور بسرعة لتصبح, ومن خلال التجربة العملية, شراكة استراتيجية ذات امتدادات دولية وإقليمية غير محدودة.