ينظر البعض الى اخبار اضرابات عمال السكك الحديدية في بريطانيا وموظفي شركات الطيران في باريس, وعمال المناجم وسائقي الشاحنات, وموظفي مكاتب الشحن والبريد . الخ على انها شكل من اشكال مقاومة الظلم او القهر او تسلط الحكومات, بمعنى انها تعبير مشروع للحصول على الحقوق او للمطالبة بحقوق اكثر. هذا هو رأي الجمهور المتعاطف, اما رجال الحكومة والاقتصاد فينظرون الى الاضرار المترتبة على مثل هذا النوع من المقاومة حيث يصنفونها ضمن السلوكيات العدوانية التي تقود دائما للقيام بأعمال تخريبية: مثل اتلاف مخرجات المؤسسات, تضييع وقت العمل, تدمير المباني والاجهزة احيانا, وتأخير الانتاج.. الخ. علماء السلوكيات والادارة في امريكا واوروبا وضعوا اسس علم جديد في مجال الادارة يعرف بعلم (ضغوط بيئة العمل) وهو علم لا علاقة لنا به في عالمنا العربي, لأننا نتعامل مع ضغوط بيئة العمل, وبيئة الاسرة والبيئة كلها على انها قدر من رب العالمين لابد من الاستسلام له وبرضى وقناعة مرددين: (الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه)!! مظاهر الاحتجاج او المقاومة بالاضراب او التخريب هي آخر ابجدية الصبر والاحتمال لدى العمال والموظفين, وحين ينفجر الصبر الذي له حدود تكون النتيجة غير سارة ابدا, ولذا تهتم ادبيات الادارة في الغرب بما يعرف باحباطات بيئة الوظيفة او الاحباط الوظيفي. واحدة من المجلات الكويتية اجرت استطلاعا مثيرا حول موقف الكويتيين ازاء قيم العمل والاداء والانتاجية على عينة قوامها (218) موظفا من قطاعات الحكومة والقطاع الخاص والمشترك وكانت النتيجة جديرة بالدراسة. فقد افاد 97% منهم بأن عدم تقدير الرؤساء لهم في العمل يؤدي الى شعورهم بالاحباط, كما اعرب 71% من القطاع الحكومي و66% من القطاع الخاص و51% من القطاع المشترك عن ان التقاعد المبكر يعد الدليل الاكبر على احباط الموظفين في العمل. اذن فلا توجد بيئة عمل خالية من الاحباطات, ولا يوجد موظف لم يمر بهذه التجربة خلال حياته الوظيفية ان لم نبالغ فنقول خلال يومه الوظيفي وهذا استاذ ادارة الاعمال في جامعة (دايتون) بالولايات المتحدة (بيدويل) كثيرا ما يطرح على طلبته في الجامعة او على رجال الاعمال والادارة العليا في العديد من حلقات النقاش التي يجريها السؤال التالي: هل هناك اي شخص من بينكم لم يصب بالاحباط يوميا؟ ثم يردد ببرود: انني اصاب بالاحباط في اليوم الواحد عشرين مرة! ماذا يعني ان تكون محبطا؟ ان ذلك معناه انك تعاني من حالة الشعور بالعجز تفقدك توازنك النفسي نتيجة عائق يحول بينك وبين تحقيق اهدافك وطموحاتك ويحد في الوقت نفسه من اشباعك لحاجاتك ورغباتك الشخصية. ان نقص فرص الترقية, وغموض الدور الذي يتوجب عليك القيام به وبشكل محدد في بيئة العمل, اضافة للتغيير التنظيمي, وعدم كفاية التعويضات المالية, وفقدان الامان الوظيفي, جميعها كما يذكر الاستاذ (آدم غازي العتيبي) في دراسته القيمة (عوامل دافعة للسقوط في دوامة الاحباط) . عندما يصل الموظف الى الدرجة التي يعمل فيها تحت راية الاجبار والاكراه, دون رغبة او وازع داخلي, فانه يؤدي اي عمل ليملأ وقت دوامه فقط, ويتلاشى كل حديث ساعتها عن الابداع والتطوير.. الخ. وهذا ما يتلافاه الآخرون في الغرب, وما نعمل على تكريسه في بيئاتنا الوظيفية.