ان اشد المبادىء روعة وتواصلاً هو ان تظل وفيا لمنظومة من القيم الاخلاقية والانسانية, وأعتقد ان من الاشياء التي اعتز بها شخصياً هي انني وأنا في الخامسة والثمانين من العمر اشعر أنني ظللت وفيا لأحلامي عندما كنت شابا في العشرين . وليس هناك في الساحة الثقافية من يشكك في هذا التواصل ما عدا بعض ادعياء الفكر الذين يبثون سموم حقدهم عندما يتحولون الى مؤرخي ما يسمونه (تقلباتي) مدعين انني انتقلت من المسيحية الى الماركسية ثم الى الاسلام, ولكن المهم عندي يبقى في هذه المراحل الثلاث دفاعي عن المضطهدين والمظلومين وكم مرة اقصيت من حزب او منظمة لأنني رفضت الأمر الواقع ورفضت التخلي عن مبادئي. وتظل سعادتي الكبرى في أنني أبلغت رسالتي ولقيت حظي عند رجال عمالقة من مشاهير السياسة والفكر والادب والدين, ولم ينكر كفاحي الا المتطرفين في جميع الاديان والمذاهب. وقد خصصت كتابا صدر لي في العام الماضي عن مؤسسة (اكنتر نوي) الفرنسية بعنوان: (شهودي) اي هؤلاء الأعلام الذين راسلتهم وراسلوني في مرحلة من مراحل حياتي الفكرية وأدوا في حقي ولفائدتي شهادة صدق أعتز بها. ولعل اقدم هذه الشهادات وأعرقها رسالة الكاتب الفرنسي الكبير (رومان رولان) التي أرسلها لي وهي مؤرخة في 11 مايو 1939 (أي منذ ستين عاماً) وهذا الكاتب المعروف بجهاده الطويل في سبيل الوحدة الاوروبية وعودة الروح للعلاقات بين فرنسا وألمانيا كتب كتابه الشهير (جون كرستوف) وقال لي حرفياً (انك تواصل عمل (جون كرستوف) ورسالته حين تسعى الى التقريب بين الشعوب واقرار الوفاق محل الشقاق!) فيالها اذن من شهادة يعود تاريخها الى ستين عاما لكنها تؤكد على ان تلك هي الرسالة التي تعلقت بها وعملت من اجلها وفي نفس العام 1938, كان احد اشهر رجال الكنيسة الأب (بريكبرجر) يراسلني ويعرفني على أدب كتاب كبار أمثال (جورج برنانوس) و(جاك ماريتان), وظل يراسلني حتى عام 1941 حين اعتقلت في معتقل الصحراء الجزائرية وكان مرافقي في نفس الزنزانة المثقف اليهودي الفرنسي (برنار لاكاش) الذي أسس فيما بعد الرابطة العالمية ضد العنصرية ومعاداة السامية (LICRA) وهي نفس الرابطة التي رفعت ضدي عام 1997 قضية عدلية امام المحاكم الفرنسية بتهمة.. معاداة السامية والدعوة للعنصرية فيا للمفارقات العجيبة! أما أشهر الشهادات التي أعتز بها فهي التي تواصلت حتى أيام محنتي عام 1998, لكنها بدأت مع صداقتي التي ربطتني بالاب بيار, اشهر رجال الكنيسة والاعمال الخيرية منذ ستين عاماً. ونشأت هذه الصداقة بعد تحرير فرنسا من الاحتلال الالماني النازي عام1945 حين كان الأب بيار نائباً برلمانياً عن الحركة الشعبية وكنت انا نائباً برلمانياً عن الحزب الشيوعي, وانعقدت بيني وبينه صداقة فكرية حميمة حين اشتركنا في الدفاع عن اضراب عمال المناجم, وكان من المفروض ان تبقى الجسور بيننا مقطوعة لأنني مفترض ان اكون ماركسيا وهو مفترض ان يكون رجل كنيسة, لكن هذا الكفاح المشترك اشعرني أنني قريب منه وأنه قريب مني وأن ما يجمعنا أقوى مما يفرقنا, وخاصة تعلق كلينا بقيمة انسانية هي العدل ورفض الظلم. ولعل من الموضوعية ان اذكر شهادات خصومي السياسيين القدامى في نفس السياق, ومنها رسائل (الجنرال ديجول) والكاتب الكبير (فرنسوا مورياك). وبعد ذلك بسنوات تعرفت على رجل الكنيسة الامريكي الجنوبي (دوم هلدر كامارا) في مؤتمر انعقد بجنيف بسويسرا تحت اشراف البابا يوحنا 23 تحت شعار السلام على الأرض, ومن هذا المؤتمر انطلقت فكرة تأسيس المعهد العالمي لحوار الحضارات, ثم أنشأنا بالتعاون مع الرئيس السنغالي السابق (ليو بولد سيدار سنغور) وفي جزيرة قوريا التي كان ينتقل منها ملايين العبيد السود ما سميناه جامعة المكافحين لنعلن من منبره ان الناس سواسية وان الحوارات متكافئة وأن الهيمنة مرفوضة ولعل هذه المؤسسات هي التي مهدت لما وفقني اليه الله سبحانه حين انشأت في مدينة قرطبة اول معهد ومتحف للتاريخ العربي الاسلامي في الأندلس ويزوره اليوم اكثر من مائة الف زائر سنوياً, وسأواصل في حلقات قادمة بيان شهادات تاريخية وفكرية اخرى تيسر سبيل حوار الحضارات وجوانب من عملي في سبيل هذه القيم النبيلة.