حين يعيّـرك انسان بعيب فيك, تشعر بنوع من المهانة لا تحتمل, وتنام ليلك, وتمضي نهاراتك كلها تفكر في الطريقة المثلى للثأر من غريمك, ورد الصاع له صاعين . كيف يكون الحال حين تعيّـر أمة بأكملها بعيب تاريخي لا يمت بصلة لا إلى حضارتها ولا الى ماضيها ولا إلى دينها؟ والمعروف ان عيوب الامم ثغرات تكونت في حقبٍ بعيدة من التاريخ وعششت في ثنايا الحضارة, وغالباً ما يقحم الدين عنوة في سياق ذلك كله. ومعروفة جداً حكاية وزير الدفاع الاسرائيلي السابق موشي دايان وتلك الجملة التي دونها في مذكراته والتي وصمتنا بعار ذلك العيب حتى الآن, وكأنه باق حتى قيام الساعة. في مذكراته كتب موشي دايان: انه نفذ في حرب 1967 ضد الجيوش العربية خطته العسكرية التي نفذها في عدوان 1956, والفاجعة حين يختم كلامه قائلاً: (فعلت ذلك وأنا في كامل يقيني واطمئناني على نجاح الخطة, لأنني اعرف ان العرب لا يقرأون! في لقائه مع جريدة الاهرام المصرية تحدث امين هويدي (رئيس جهاز المخابرات العامة ووزير الدفاع المصري في حقبة عبدالناصر) فقال: (فعلاً اسرائيل نفذت سنة 1967 خطة 1956 على أساس ان العرب لا يقرأون) وشهد شاهد من أهلنا! ولكي يدلل امين هويدي على هذه الحقيقة ويحاكي جلاده, باعتبار ان الضحية مغرمة بمحاكاة جلادها, فقد طبع كتاب موشي دايان ووزعه على قادة الجيش بعد الهزيمة, ليفاجأ بعد مدة طويلة بأن 90% منهم لم يقرأوا الكتاب والسبب؟ لا وقت لديهم للقراءة!! اذن اعداؤنا لا يتهموننا من فراغ, ولا يدسون السم في العسل كما يقال, لكنهم ينسجون لنا ثياب الاتهامات بعد ان نكون نحن قد وفرنا لهم كل الخامات اللازمة لنسج تلك الثياب. انتهت ثورات وبدأت ثورات, ولا أقصد ثورات التحرر والاستقلال, ولكن تلك الثورات التي تفاعلت وانفجرت وغيرت منظومة الحياة على كوكب الارض كله, لكنها للأسف مرت بنا مصادفة او خطفاً دون ان تتوقف او نوقفها, ونأخذ منها كما أخذت بقية الأمم, اقصد ثورة المعلومات والتكنولوجيا والانفجار المعلوماتي وأجهزة الكمبيوتر. اتهامنا بأننا لا نقرأ, صار جاهزا حتى على ألسنتنا وصرنا نتهم به انفسنا قبل ان يبادرنا به الآخرون, وهو تهمة بشعة, دليل نقص وتدهور, وتعني اول ما تعني السقوط الذريع في هاوية الجهل وهذا ــ الجهل ــ مفتاح كل الشرور والمشاكل والكوارث التي نعاني منها. نعرف مشاكلنا, ونتحدث عنها, ونجلد بها ذواتنا في كل لحظة, لكن دون ان نتحدث عن الحل, عن آليات التخلص من هذه المآزق, لدينا قدرة على الثرثرة, والحديث والتحليل لكل الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي وبكل سيئاته, لكننا لا نملك أبجديات الحل, وان وجدنا فإننا لا نملك آليات التنفيذ! المعرفة هي ألف باء الحل لكل ما نعانيه, والمعرفة نهر متدفق لا يمكن ان تضع قدميك في نفس مياهه مرتين, وعليه فحتى اولئك الذين يتعاملون مع عناصر المعرفة لا بد أن يشحنوا بها على الدوام حتى يكونوا اهلاً بها, او ان يتم تغييرهم بدماء جديدة. * رئيس الاركان في الجيش الاسرائيلي لا يستمر في موقعه اكثر من 3ــ 4 سنوات بصورة مستمرة, قيادات الجيش في بعض الدول العربية حاربت في 1956 وكانت سبباً في نكسة 1967. وبقيت الى ان شاء لها الله التنحي عن العرش العسكري.