لاتبدو الحالة العراقية قد حققت تقدما كبيرا في المرحلة التي اعقبت اتفاق كوفي عنان في فبراير من هذا العام , فمن حالة التفاؤل التي سيطرت على الوضع بعد الاتفاق سار مؤشر التفاؤل والتشاؤم من حالة الى أخرى, فبينما أقرت الأمم المتحدة العديد من الأمور لصالح العراق ومنها الغذاء والدواء مقابل النفط واقرت بنفس الوقت زيادة لكمية النفط المسموح للعراق ان يصدره لتصل الى خمسة مليارات كل ستة شهور اضافة لتعديل اسلوب التفتيش والاتصال والمتابعة مع العراق, ولكن المشكلة التي تواجه العراق ان ازمة الثقة التي تحيط به ما زالت على حالها, ان عناصر الأزمة بين العراق والأمم المتحدة وعلى الأخص الولايات المتحدة قد بدأت تتكون من جديد خاصة مع العودة الى الحديث عن توجهات أمريكية لدعم المعارضة العراقية وعن معلومات بتجهيز صواريخ عراقية عام 1991 برؤوس كيميائية. وفي اكتوبر المقبل موعد تقديم تقرير شامل من قبل رئيس اللجنة الدولية المكلفة بإزالة أسلحة الدمار الشامل, وهو موعد يتوقع العراق أن يكون هاما في انهاء ملف التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل, ولكن اللجنة ما زالت تعتقد ان العراق ما زال يخبئ أسلحة الدمار الشامل وانه لم يرد بعد على الاسئلة التي تحتاج اللجنة لمزيد من الاجوبة حولها, هكذا هناك الكثير من التناقض بين الرؤية العراقية وبين رؤية اللجنة, لهذا من الصعب ان يقدم ريتشارد بتلر رئيس اللجنة تقريرا يؤكد ان العراق سلم جميع أسلحة الدمار الشامل وجميع المعلومات المطلوبة امام هذه الصعوبة سوف تندلع الأزمة المقبلة. ويمكن الاستنتاج من خطاب الرئيس العراقي على التلفزة العراقية في السابع عشر من هذا الشهر في الذكرى الثلاثين للانقلاب الذي أتى بحكم البعث عام 1968 بأن شيئًا لم يتغير في العراق, في هذا الخطاب يتبين ان الخط العراقي الرسمي ما زال على حاله بدون تغير حقيقي, فبينما يتغير كل شيء في العالم, وبينما يتغير العالم العربي الا ان العراق ما زال محكوما بعقلية تحمل كل الاطراف في العالم وعلى رأسها الدول العربية مسؤولية الحالة العراقية, وكأن النظام في العراق غير مسؤول عن الكارثة التي وقعت للعراق وللأمة العربية, الخطاب السياسي الذي يعبر عنه خطاب الرئيس العراقي ينطلق من موقف سلبي من الكثير من الدول والأنظمة العربية, وينطلق من موقف سلبي من العالم, وهو يعتمد على موقف خطابي فيه الكثير من الشاعرية واللفظية التي تزين للشعب العراقي محاسن وانجازات الثلاثين سنة الماضية والتي كانت في الحقيقة كوارث وويلات. ورغم استمرار حالة العقوبات على العراق الا ان افضل ما يمكن ان يخرج به النظام اليوم هو تطبيق حقيقي وفعال لنظام الغذاء مقابل النفط, ثم تطبيق حقيقي لكل ما يساعد على تخفيف آلام الشعب العراقي, ولكن بنفس الوقت من الصعب ان ترفع العقوبات في ظل سياسات تذكر العالم بسياسة التهور التي انطلقت عام ,1990 ان التغير في وضع العراق الرسمي يتطلب شهادة حسن سلوك من النظام الدولي والاقليمي, وتتطلب من النظام استدارة كاملة هو غير قادر على تنفيذها اليوم, ومن الصعب ان يحصل العراق على هذه الشهادة بلا تغير في الخطاب وتغير في العقلية وتغير في حالة حقوق الانسان وتغير ايضا في التعامل مع المعارضة العراقية وتغير في التعامل مع ملف الاسرى الكويتيين وكل ما له علاقة بالقرارات الدولية. ان المستقبل بالنسبة للعراق يهم كل المنطقة العربية وهو يهم الشعب العراقي فوق كل شيء, ولكن هذا المستقبل لن يتبلور لصالح الشعب بسهولة, فأمام العراق وأمام شعبه طريق طويل مرتبط من جهة بدور وتوجهات القوى الدولية التي ورط العراق نفسه في الصراع غير المحسوب معها, وهو مرتبط ايضا بدور قوى المجتمع العراقي التي سحقها النظام الحاكم, وهو مرتبط ايضا بالصراع الخفي والشرس على السلطة في العراق بين أجنحة وفروع يخشى كل منها من الآخر وينتظر كل منها (بما فيها أبناء الرئيس) دوره في الانقضاض على السلطة, ومستقبل العراق مرتبط ايضا بمخاوف الدول العربية التي تشعر بأن النظام في العراق لن يتردد في اعادة الكرة على جيرانه في أول فرصة, وسط كل هذا يتأخر الحل العراقي وتزداد أزمة عدم الثقة, ان المستقبل القريب لن يكون الا سلسلة من الأزمات والهدن, أما اكتوبر المقبل فقد يتحول لمحطة على طريق ما زال محملاً بالأزمات. *أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت ورئيس تحرير مجلة العلوم الاجتماعية