بدأ عرض فيلم المخرج (أنور قوادري) عن جمال عبدالناصر في الوقت الذي واصلت فيه محكمة الجيزة الكلية نظر الدعوى القضائية التي أقامها أبناء المشير عبدالحكيم عامر , يطالبون فيها بوقف عرضه, وبتعويض قدره عشرة ملايين جنيه, لأنه يسيء الى تاريخ والدهم, وهو ما تذكرته فجأة, وأنا أغادر دار السينما بعد أن شاهدت الفيلم, فقفز الى ذهني المثل الشعبي الذي يقول: لو صبر القاتل على المقتول, لمات وحده..! والمرحوم الذي مات وحده, هو الفيلم نفسه, الذي لم يسيء الى احد الا للذين صنعوه, فجاء مخيباً لآمال الذين تابعوا المعركة حوله, بين أبناء عبدالناصر, وابناء عبدالحكيم عامر من جانب, وبين مخرج الفيلم والرقابة على المصنفات الفنية من جانب آخر, وهي معركة اتسعت لتشمل كل السلطات الدستورية, من السلطة التنفيذية الى سلطة الصحافة, ومن السلطة القضائية, الى سلطة الرقابة والتشريع, ممثلة في مجلس الشعب, الذي طالبت احدى لجانه, بعرض السيناريو عليها, قبل السماح بتصويره, ويبدو ان المجلس ككل البرلمانات العربية يسعى لكي يمارس الرقابة على المصنفات الفنية, تعويضاً عن عجز, عن ممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية.. ومشكلة فيلم (أنور قوادري) الأولى انه ليس الفيلم الأول, الذي يقوم عن شخصية (عبدالناصر) , والا لغفرت له ريادته, اي ضعف فني, ولقاء الشوق الى رؤية (عبدالناصر) على الشاشة, الجماهير للتزاحم على مشاهدته, بصرف النظر عن مستواه, .. اما وقد سبقه الى ذلك فيلم (ناصر 56) , الذي كتبه (محفوظ عبدالرحمن,) واخرجه (محمد فاضل) , فان فيلم (انور قوادري) لم يفقد فحسب ميزات الريادة, بل وواجهته مشكلة ثانية, بعد ان اصبحت المقارنة بين الفيلمين واردة, واصبح الأمل في ان يكون الفيلم اللاحق, افضل من الفيلم السابق, او على الأقل في مستواه, متوقعاً.. ومع ان الامكانيات المادية, التي اتيحت لفيلم (محمد فاضل) , تبدو ــ معه حيث سخاء الانتاج ــ أقل بكثير مما اتيح لفيلم (أنور قوادري) , إلا أن المقارنة بين الفيلمين, انتهت لصالح الأول, لسبب فني محض, هو الورق المكتوب, او السيناريو.. فقد أدرك الذين صنعوا فيلم (ناصر 56) ان حياة (عبدالناصر) السياسية التي تزدحم بآلاف التفاصيل وعشرات المعارك, ومئات الشخصيات, يستحيل ضغطها في فيلم سينمائي لا يستغرق عرضه سوى ساعتين, من دون اختيار بين الاحداث والشخصيات, فاختاروا فترة محدودة من حياته, هي الأيام المائة التي فصلت بين تأميمه لقناة السويس في يوليو 1956, والعدوان الثلاثي في اكتوبر من العام نفسه, وكل ما يرتبط بها من شخصيات وتفاصيل, وصاغوها من خلال رؤية تفسر دور (عبدالناصر) في التاريخ, وتشكل ما يشبه رسالة الى الحاضر, تقول بأن قرار تأميم قناة السويس, كان يبدو ــ طبقاً لموازين القوى ــ قراراً مستحيلاً, وربما خاسراً, ولكن (عبدالناصر) تحمل مسؤولية اصداره, على الرغم من مخاوف ومعارضة كل المحيطين به, تأكيداً لمعنى أساسي, هو حق الدول الصغيرة, في ان تستقل بارادتها, وتسترد حقوقها, وتمارس سيادتها على أرضها, مهما كان جبروت القوى التي تواجهها.. وعلى العكس من هذا التعامل الفني مع التاريخ, الذي انتهى بفيلم مفهوم, وبمعنى واضح, يبدو فيلم (أنور قوادري) عن (جمال عبدالناصر) , نموذجاً لفيلم بلا معنى, عن رجل له ألف معنى, أما السبب فلأن الذين صنعوه, لم ينتبهوا منذ البداية, الى ان الفن, ليس هو تصوير الواقع, ولكنه الاختيار من هذا الواقع.. وبالتالي فان الفيلم التاريخي هو شيء آخر غير كتاب التاريخ المقرر على المدارس الثانوية, وان صناعة فيلم عن عبدالناص تختلف عن تقديم نبذة تاريخية عن حياته السياسية, منذ ان كان طالباً في المدارس الثانوية, عام 1935, الى ان انتقل الى رحاب الله عام 1970.. وهي فترة زمنية طويلة, يستحيل عملياً التأريخ لها سينمائياً بهذا المنهج المدرسي من دون الوقوع فيما وقع فيه الفيلم من اخطاء فنية, ايقاع بطيء واحداث لا تتصاعد اختيرت بعشوائية مطلقة, وحسب التساهيل, ومن دون رؤية واضحة, تعين صناع الفيلم على الاختيار, الذي هو اساس الفن, وشخصيات باهتة وكثيرة جداً, تظهر وتختفي من دون مبرر كان من بينها (محمد نجيب ) و(خالد محيي الدين) والاخوين (صلاح وجمال سالم) و(برلنتي عبدالحميد) , او لا تظهر اصلاً من دون سبب مفهوم على الرغم من انها لعبت دوراً هاماً في حياة (عبدالناصر السياسية) مثل (حسن البنا) و(الهضيبي) و(النحاس) و(ابراهيم عبدالهادي) و(فؤاد سراج الدين) , واحداث يتم تجسيدها من دون وظيفة مثل محاولة اغتيال عبدالناصر عام 1954, واخرى يتم تجاهلاً من دون تفسير, ومنها مفاوضات السودان عام 1953, والجلاء عام 1954, والوحدة المصرية السورية عام 1958, والخلاف مع (عبدالكريم قاسم) عام 1959, والتأميمات عام 1961, وحرب اليمن عام 1962. ولو ان صناع الفيلم, كانوا يملكون رؤية يفسرون بها الدور الذي لعبه (عبدالناصر) في تاريخ وطنه وأمته وعالمه, لما تحولت الفترة الزمنية الطويلة, التي يؤرخ لها الفيلم, الى عبء عليهم وعلى الفن وعلى المتفرج.. ولما انتهى الجهد الذي بذلوه, الى تقديم مجرد ملف سينمائي لصفحات منتقاة بغير عناية من تاريخ الرجل, ولركزوا على محور واحد من محاور نضاله, كشاب وطني ولد لاسرة فقيرة في نهاية الحرب العالمية الاولى, وعلى مشارف الثورات الوطنية التي قامت في انحاء مختلفة من الوطن العربي في أعقابها, طلب للاستقلال الوطني والديمقراطية الليبرالية, وتكونت طموحاته الوطنية والقومية والاجتماعية, في ظل سعي الشعوب العربية لاستكمال, ما عجزت هذه الثورات عن استكماله من اهدافها التي توقفت عند نصف استقلال ونصف ديمقراطية, وانتهى الى الايمان بأن العرب في حاجة الى ثورة من نوع جديد, تستكمل النصف الناقص, ولا تتوقف عند الاستقلال بل تطمح كذلك للوحدة العربية, وتفضل الديمقراطية الاجتماعية على الديمقراطية السياسية.. وكان باستطاعة صناع الفيلم, ان يركزوا على علاقة (عبدالناصر) بقضية محورية أساسية, من قضايا نضاله, مثل قضية فلسطين, فيستعرضوا تاريخ حياته من خلال صلته بها, او يختاروا علاقة شخصية وسياسية مؤثرة في حياته, مثل علاقة الصداقة التي جمعته بعبدالحكيم عامر, او يتوقفوا عند لحظة فارقة من تاريخه, مثل الايام الستة التي استغرقتها حرب 1967, ولو انهم فعلوا, لوجدوا بين ايديهم محورا درامياً يدور حوله الصراع, ورسالة يمكن ان تصل الى المتفرج, ومحكا يختارون على اساسه شخصيات الفيلم واحداثه, من بين عشرات الاحداث, ومئات الشخصيات التي تزدحم بها حياة (عبدالناصر) بدلاً من تلك العشوائية التي قادتهم للظن بأن في استطاعتهم ان يقولوا كل شيء, عن كل شيء, فكانت النتيجة انهم لم يقولوا شيئاً. ومشكلة فيلم (عبدالناصر) الاساسية تكمن في ان السيناريو الاصلي له, قد اعد على اساس انه سيكون فيلماً عالمياً, تموله شركات انتاج غربية, ويتوجه بالاساس الى المشاهد غير العربي وخاصة الاوروبي, ليرد على حملة العداء الشائعة في الغرب ضد تاريخ عبدالناصر, بتأثير المعارك التي خاضها ضد السيطرة الاستعمارية, وبنفوذ العناصر الصهيونية, وهي حملة كانت تصوره باعتباره زعيماً مثيراً للقلاقل وداعية من دعاة الحرب وأحد المعادين للسامية, وهذا هو السبب في تركيز الفيلم على تقديم (عبدالناصر) في صورة رجل السلام الذي يسعى لبناء بلده, وتفرض عليه المعارك على غير ارادته, وفي ظهور شخصيات مثل (ايجال آلون) و(بن جوريون) و(موشي ديان) و(ايده) في حوارات طويلة مملة, ولا مبرر لوجودها في الفيلم أصلاً. ومع ان صورة (عبدالناصر) كرجل سلام, هي صورة صحيحة على وجه العموم, الا ان مبالغة الفيلم في التركيز عليها, أوشكت ان تحدث لبساً في فهم موقفه من الصراع العربي الاسرائيلي, مما اضطر الرقابة الى حذف بعض المشاهد للتخفيف من هذا التركيز, الذي يبدو انه كان مقصوداً لتبرير الوضع العربي الراهن, او لاغراء الممول الاجنبي ولاجتذاب المشاهد الأوروبي, وهو كذلك السبب في حرص الفيلم, على ان ينسب فضل انسحاب الغزاة البريطانيين والفرنسيين من مصر, في اعقاب عدوان 1956, الى الانذار الامريكي الذي وجهه اليهم الرئيس الامريكي الاسبق (ايزنهاور) , والتغاضي عن الانذار الشهير, الذي وجهه الزعيم السوفييتي ايامها (بولجانين) وهدد فيه بضرب (لندن) و(باريس) بالصواريخ, اذا لم ينسحب المعتدون.. لان الاتحاد السوفييتي لم يعد موجوداً, وليس له أصدقاء بين العرب اولاً, ولانه لا يمول الافلام ثانياً.. اما وقد عجز (انور القوادري) عن العثور على ممول عالمي, لينتج الفيلم, مما اضطره, بعد سبع سنوات من التفكير في المشروع, لانتاجه بأموال عربية, وان يتوجه به الى المشاهد العربي, فقد كان عليه أن يعيد كتابة السيناريو من الاساس, لكنه بدلاً من ان يفعل ذلك اكتفى بترقيعه, واضعاً في اعتباره, المحاذير الرقابية في كل الاقطار العربية, التي لا تزال تخضع تاريخ العصور الوسطى للرقابة على المصنفات الفنية, فما بالك بفيلم يتعلق بالجانب الأهم من التاريخ العربي المعاصر, ويؤرخ لمسيرة حياة زعيم كان طرفاً في معارك لا اول لها ولا آخر, بعضها مع أطراف عربية, فكان طبيعياً ان يخرج الفيلم بالصورة التي خرج عليها: محاولة مدرسية ساذجة, لاخراج فيلم تعليمي, يحاول ارضاء كل الاطراف, وقول كل شيء, انتهت بعدم رضاء أحد, وبعدم قول شيء, وبفيلم بلا معنى عن رجل له ألف معنى!