في موضوع القمة العربية الشاملة, لا تجوز المحايدة... فالاوضاع العربية العامة, التي تهاوى فيها الحس القومي المرتفع, وتراجع لصالح الحساسيات الاقليمية, والمصالح الذاتية الضيقة, اصبحت تفرض انعقاد هذه القمة, على عكس ما يرى كثيرون انها اوضاع طاردة للعمل العربي الجماعي ومحبطة له. ولا نحب هنا ايقاظ ذكريات قديمة بتنا نراها من الكوابيس المزعجة بل نجنح الى وضع الحقائق بما هي مصالح غير متفقة على المائدة لاننا نرى فيها الان واكثر من اي وقت مضى حافزا للقمة وداعيا لها. وربما للمرة الاولى اذا ما استبعدت المزايدات العاطفية سنكتشف ان ما يسود العلاقات العربية من حقائق لم يعد يبعث على النفور او على الخجل القومي كذلك لم يعد جالبا تهم التخوين, والخروج عن الصف الواحد. ما بين العرب والعرب الان اصبح يماثل تماما ما بينهم وبين اسرائيل هذا اذا كانت القضية الفلسطينية لا تزال بحوزة الشعور العربي العام, وحائزة على قناعته كقضية مركيزة عربية اولى. ومن دون الدخول في التفاصيل الوقائعية فان العرب في علاقاتهم البينية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا قد تماثلوا مع الاسرائيليين في السلوك, وفي النظرة الى المصالح. فاذا كان العداء محصورا في السابق بالكيان العبري فان هذا العداء اصبح الان منفلشا وجزءا من سلسلة عداوات تتبادلها الدول والمجتمعات العربية فيما بينها. وتكفي الاشارة الى العلاقة العراقية الكويتية والعلاقة السورية اللبنانية والعلاقة السودانية المصرية والعلاقة الجزائرية المغربية والعلاقة البحرينية القطرية والعلاقة السعودية اليمنية... تكفي الاشارة الى مجمل هذه العلاقات لنكتشف انها موصومة بحقائق واقعية فشل الحس القومي في جعلها علاقات غير عدائية او علاقات طارئة سرعان ما تتعدل وتنحرف نحو المسارات الودية المعهودة. هذه العلاقات هناك مثيل مكبوت لها وذلك ان ما يتحكم بها نظرة اقتصادية مصلحية تأبى ان تتخلى عن الذاتي الى الجمعي وعن الفردي الى الكلي وهي تتفاقم وتتأزم لان النظام العربي العام الذي يضبط الخلافات ويناغمها ويجعلها مشروعة من اجل خدمة هدف الاتفاق نظام مفقود ولان لا احد من العرب قابل حتى الان بتبادل التنازلات والاقرار بأن الكيانات السياسية العربية كيانات غير مؤقتة حسب الزعم الدعائي وبالتالي فان لديها مصالح تفرض عليها التنسيق لدرء مخاطر الطغيان قصدنا طغيان الكبير على الصغير ومحاولات اخضاعه لمفاهيم الطرف الاقوى او الدولة الاقوى سواء في نظم الحكم او في النظرة الى المصالح او الى كيفية ادارة السياسات الخارجية. الان, وربما اكثر من اي وقت مضى وبعيدا عن عملية السلام مع اسرائيل وظروفها اصبحت القمة العربية ضرورية جدا من اجل التأسيس لنظرة جديدة تعترف بالحقائق السياسية القائمة, وتتعامل معها بواقعية والاهم ان ترى في موضوع الثروة والغنى والموضوع الاقتصادي العام وموجبات قيام اقتصاد عربي انه موضوع مرتبط بقطرية كل دولة وبطبيعة القوانين السائدة فيها. فحتى الان لا تزال النظرة الى الثروة والى الازدهار تشوبها النوازع النفسية المعقدة الموغلة جدا في الاعتبارات الحسية البدائية والنازعة جدا الى تنزيه النفس عن الاخطاء والخطايا وتحميل المسؤولية اما الى المصادفات العجيبة او الحظ العاثر او حتى الى السماء التي تبعث باللحم اللذيد الى افواه بلا اسنان. القمة العربية ضرورية الان لاشاحة كل هذه الموروثات التي تأسر الكثير من المجتمعات العربية في الماضي وتجعلها في اصولية اجبارية تمنع عنها الفهم كما تمنع عنها التقدم. الخلافات العربية بالنظرة التسووية السابقة لها والتي كانت تتجاهل ارجاعها الى اسبابها الحقيقية ستظل على تفاقمها ما لم تتوفر قمة لا للمصارحة, ولا للمصالحة, بل لتبادل الاعتراف بأن ما بين الدول العربية شبيه بما يسود علاقات سائر الدول بعضها ببعض واذا ما تم توفير هذا الاستعداد بالتنكر القصدي للشعار القومي الدعائي واستبعاد الاستثمار السياسي القائم على قواعد التخوين او الوطنية, فان بامكان القمة ساعتها ان تمضي نحو بناء كيان اتحادي يجعل من العالم العربي سوقا مفتوحة تتمتع باقتصادها الذاتي عن طريق تفعيل التجارة البينية وتبادل الحاجات وتوظيف العمالة. فحتى الان وعلى الرغم من الاندفاع السريع الراهن نحو العولمة مازال العالم العربي غير معرب ومازالت السلوكيات والسياسات لدوله تختلط بالاعتبارات الاخلاقية او بالقيمة البائدة التي على ضوئها يتم قياس البراءة الوطنية او التلوث الوطني وهي قيمة مع الاسف لا تزال الكثير من الدول العربية تحبسها في كلمات الشعار وتعتمد عليها في السلوك والتعامل وتبرير حتى الغزو والعدوان والهيمنة ومصادرة الارادة الذاتية والقرار الوطني. ولعل في قمة القاهرة الثلاثية التي انعقدت اخيرا ما بين الملك حسين والرئيس المصري حسني مبارك والفلسطيني ياسر عرفات على هامش تعثر المسار التفاوضي حول تطبيق اتفاق اوسلو مع اسرائيل ما يفيدنا ببعض الحقائق العربية المتحكمة الان بحياتنا السياسية والتي جعلت من هذه القمة المصغرة لحظة سياسية عابرة تشبه الصيحة في واد. ان اتفاق الزعماء الثلاثة على التحذير من مخاطر تعثر عملية السلام لا يكفي لان التعثر في الاساس يضرب مسارات التعامل بين الدول العربية ذاتها بحكم تضارب المصالح التي لا يريد احد ان يعترف بها للاخر. لقد انتجت عملية السلام وهذا مما يؤسف له كثيرا مصالح عربية منفردة مع اسرائيل هي على صورة الصلح الساداتي المنفرد الذي جعل مصر لفترة طويلة العاقل الوحيد بين اكثرية مجنونة. وهذه الاكثرية استلحقت نفسها الان وانما على قاعدة ساداتية منفردة تأخذ بمصالحها هي مع اسرائيل لا بمصالح عربية جماعية مع الدول العبرية. هذه الحقيقة هي التي اسفرت عن جعل قمة القاهرة الثلاثية الاخيرة صرخة في واد وهي التي اخضعت لبنان وجعلته لاحقا بمصلحة اقليمية لا تتطابق بالضرورة مع مصالحه وهي التي جعلت نتانياهو يصيغ سياسة موغلة في خدمة المصالح الاسرائيلية أمنيا واقتصاديا وعلى اساس ان العمل الجماعي العربي اصبح حلما مستحيلا ولا يحتاج سقوطه النهائي الا لبعض التعنت وبعض الوقت. للخروج من هذا المأزق لابد من الاقرار بان اقامة نظام عربي جديد سيكون مهمة مستحيلة من دون انعقاد قمة عربية على طاولة مزدحمة بمصالح متنافرة بحاحة الى تنسيق والى تكامل وحسبنا في تجربة الامارات العربية المتحدة مثالا صالحا للاقتداء. فالاتحاد قام على الاعتراف بمصالح الاخر ولم يكن فعلا الغائيا لا للكيانات المتحدة, وبقاؤها ملزم لضرورة وجود من سيتحد مع من ولا لواجهات الحكم مع تنسيق في الموازنات يجعل من عملية تفاوت الثروة عاملا محفزا على الوحدة بدل ان يكون باعثا على العداوة والافتراق. القمة العربية التي ندعو اليها الان سيناط بها الى جانب التأسيس لنظام عربي جديد توحيد المصالح العربية في معاداة العدو الحقيقي وهو اسرائيل وفي تخليص العلاقات الثنائية العربية من كل شوائب التماثل ما بينها وبين العلاقة مع اسرائيل. لقد اصبحنا بحاجة الى تنظيف عواطفنا بان عداوة اسرائيل لنا اكثر لينا من عداوة بعض العرب لبعضهم الاخر وبحاجة اكثر إلى نبذ الاستثمار السياسي للدولة ولموقعها والذي جر علينا آفات الابتزاز والارهاب والخروج على كل الاعراف والقوانين. الواقع العربي السابق ممكن الاستغناء عنه اذا اردنا, فلا توجد دولة عربية فوق الاخرى او اطهر من الاخرى ولا حق لاية دولة عربية في جعل صكوك الغفران القومي بحوزتها تمنحها للدولة التي تخضع وتمنعها عن الدولة التي لا تطيق الاستعباد. الدول العربية الان مدعوة للاستثمار الاقتصادي الى اعادة تأهيل مجتمعاتها للاعتماد على النفس وبحاجة الى قمة عربية تعقد لهذا الهدف وتمتلك الخطة العقلانية لبلوغه. العالم يتعولم... وحان للعرب ان يستعربوا.