لا أعرف من اين جاءت هذه الفتوى التي أطلقها بعض الزملاء بأنه حين يتكلم نجيب محفوظ فعلى الجميع ان يسكت ويستمع! نعم.. نسكت ونستمع حين يتحدث نجيب محفوظ عن ذكرياته التي تضىء لنا جوانب من ابداعه الادبي. ولكن حين يكون الامر متعلقا بآراء سياسية وبأحكام يصدرها في قضايا وطنية فان الامر يختلف وعليه هو ان يقرأ ويدرس ويستمع قبل ان يتكلم, وعليه ــ مرة اخرى ــ ان يقرأ ويدرس ويستمع بعد ان تخرج كلماته الى النور.. ليعرف اين يقف من الحقيقة, واين يقف الآخرون. وليعرف اين الصواب وأين الخطأ فيما اورد من احداث وما طرح من قضايا.. خاصة اذا كان الرجل لم يشتبك اشتباكا جديا مع الحياة السياسية طوال عمره.. لا قبل الثورة ولا بعدها. فالرجل كان موظفا منضبطا في الصباح, ومتفرغا للكتابة بعد الظهر. هذا طبعا بعد ان مرت فترة الشباب بما فيها من عربدة قص الرجل علينا في اعترافاته بعض جوانبها, وبعد ان استقر عائليا وبزغ نجمه روائيا! بالطبع من حق نجيب محفوظ ان يقول ما يشاء, ولكن الرد عليه يصبح واجبا وطنيا حين تتجاوز الامور كونها مجرد آراء ساذجة احيانا, او تجميعا فجا لكل ما قاله اعداء ثورة يوليو في الداخل والخارج, لتصبح اهانة لتاريخ الوطن ونضال الامة ودماء الشهداء. ومن جانبنا.. فنحن لم ننزعج مما قاله نجيب محفوظ عن عبدالناصر.. فمن ناحية فان عبدالناصر ليس فوق النقد, وانما هو قائد قاتل في اصعب الظروف, واخطأ واصاب, وانتصر وانهزم.. ولكنه في كل الظروف كان صوت الامة وضميرها المنحاز على الدوام للعدل والحرية. ومن ناحية ثانية.. فليس فيما قاله نجيب محفوظ شيء جديد. انها بواقي القاذورات التي القيت على عبدالناصر وعلى ثورته يوليو على مدى نصف قرن. وهو امر طبيعي مع ثورة بهذا الحجم وهذا التأثير, وهو امر لا يزعج لأنه في النهاية لن يصح الا الصحيح. وللعلم.. فقد كان جيلنا وهو مازال في صباه هو الذي انتقد وهاجم وحاسب وطالب بالتصحيح المستمر, بينما كان الآخرون!! ينعمون بالمزايا ويلهجون بالشكر والتأييد, ويؤجلون انتقاداتهم حتى تتغير الاحوال وتسمح الظروف! اما ما يثير الاشمئزاز والغضب فهو ما قاله ويقوله نجيب محفوظ عن معارك الوطن وايامه المجيدة. هذه ليست قضية عبدالناصر ولكنها قضية مصر كلها, وصحيح ان معظم ما قاله محفوظ عن هذه القضايا ليس جديدا ايضا, ولكن الأمر هنا يختلف, وحين يقوله نجيب محفوظ فلا مجال للسكوت عليه, والا اصبحنا شركاء في الجريمة. يقول نجيب محفوظ بثقة يحسدها عليه خبراء الاستراتيجية وعلماء السياسة والتاريخ جميعا, ان حرب الاستنزاف كانت كلاما فارغا وان المصريين فيها لم يكونوا الا مجموعة من الناس (قاعدين يزقلوا طوب) بينما اسرائيل تقوم بتكسير المدن وتشريد الاهالي.. ويضيف انه كان في امكان الاسرائيليين ان يوقفوا الحرب في دقيقة بضرب القاهرة ولكن الروس منعوهم) . هذا كلام يمكن ان يقال في (قعدة حشيش) , فيستهوي المساطيل. اما ان يقال على محمل الجد, وفي منابر جادة, وفي ظروف تحاول فيها الامة ان تسترد ذاكرتها القومية التي تعرضت لحملات تشويه هائلة على مدى السنوات الماضية.. فتلك مصيبة المصائب. ان ثورة 19 لم تكن كلاما فارغا, وانتفاضة اطفال الحجارة في فلسطين لم تكن كلاما فارغا, رغم ان القوى لم تكن متكافئة في الحالتين, وكان المصريون في ثورة 19 بدون سلاح وكذلك اطفال الحجارة في فلسطين.. ومع ذلك فلم يقل احد ان ما فعلوه كان خطيئة, بل كان التحدي في حد ذاته انتصارا تبعته انتصارات. اما حرب الاستنزاف فكانت شيئا آخر ربما لم يتسع وقت نجيب محفوظ ولا اهتماماته لأن يعرف ابعاده. انها واحدة من اعظم الحروب في تاريخ مصر والعرب الحديث. لقد انهزمنا في 67 وبدأنا بعدها من الصفر, وفي الوقت الذي قيل ان مصر لن تقف على رجليها الا بعد عشرين سنة, قامت مصر بما يشبه المعجزة, واعادت بناء الجيش ورفضت الهزيمة وبدأت المقاومة, ودخلنا حرب الاستنزاف التي كانت الطريق الوحيد لعبور الهزيمة في اكتوبر 1973. لم يكن المصريون يلقون بالطوب كما يقول محفوظ, بل كانوا يبنون قوتهم ويحمون هذه االقوة التي كانت اسرائيل وامريكا لها بالمرصاد, ثم يبدأون الاستعداد للعبور الكبير. لقد سقط الآلاف من الشهداء وخسرنا الكثير في هذه الحرب, ولكننا استعدنا الثقة بالنفس وبنينا الجيش الذي عبر في ,1973 واقمنا حائط الصواريخ في ملحمة لو رويت بصدق لعرف الجميع اي معجزة صنعها هذا الجيل الذي ثأر لكرامة مصر واستعاد ارضها, واستعاد معها العزة والثقة في النفس وفي الغد. ولو كان نجيب محفوظ يريد الحقيقة لطلبها وبحث عنها وعرف ــ من مئات الكتب والدراسات ــ اي معجزة صنعها ابطالنا في حرب الاستنزاف ـ وأي ثمن دفعه الاسرائيليون في هذه الحرب. ولأدرك سذاجة ما يردده عن ضرب القاهرة. والحديث يطول هنا وسأكتفي فقط بما قاله اسحق رابين رئيس وزراء اسرائيل الاسبق واحد ابرز قادتها العسكريين في مذكراته المنشورة. لقد قال بوضوح: (ينبغي على المرء ان يكون اعمى واصم وأبكم حتى لا يشعر بمدى تأييد الحكومة الامريكية لعملياتنا العسكرية (في حرب الاستنزاف).. وكنت مازلت اعتقد ان اسرائيل سببت خيبة امل لأمريكا لأنها لم تستطع توجيه ضربة تكفي للقضاء على أي رغبة من جانب مصر لمواصلة حرب الاستنزاف) . لقد رقص الناس في شوارع تل ابيب عند الاعلان عن وقف اطلاق النار بعد قبول مبادرة روجرز التي قبلتها مصر لتستكمل بناء حائط الصواريخ وليسمع محفوظ رابين وهو يقول في مذكراته (لقد قال لي مسؤول امريكي انه لو حدث وتحركت الصواريخ من طراز سام 2 وسام 3 الى الامام صوب القناة فاننا (اي امريكا) لا نملك معدات قادرة على تدميرها.. ففي الحرب بين الطائرات والصواريخ ــ في ذلك الوقت ــ تكون اليد العليا للصواريخ) . وهذا ما فعلناه وما ظهرت آثاره في حرب اكتوبر لكن نجيب محفوظ له منطق آخر يشرحه قائلا: الحرب عندي نصر او هزيمة, والهزيمة معناها الجلوس مع العدو لتصفية الحسابات.. وفي الحالة دي تبقى حرب الاستنزاف كلام فارغ. اي انه كان مطلوبا ان نذهب ونفاوض في ظل الهزيمة.. وبالتالي ان نوقع على صكوك الاستسلام. والرد قاله الشهيد عبدالمنعم رياض ــ ولعل نجيب محفوظ يذكره ــ عندما نخوض حرب الاستنزاف ونستعد للحركة الكبرى. قال الشهيد ان اعظم ما يقلقه ان ينتهي الوضع دون ان نخوض معركة الثأر وننتصر فيها, فهذا وحده هو الذي يعيد الاعتبار ويمسح عار الهزيمة ويمحو آثارها المدمرة. وهذه خطيئة واحدة من خطايا محفوظ في كتابه, ويبقى الكثير لنعود اليه ونناقشه, ولكن أقف الآن امام ملاحظة قالها الاستاذ رجاء النقاش صاحب الحوار مع نجيب محفوظ, يقول الاستاذ رجاء ان الناصرية في حاجة الى تجديد, ونجيب محفوظ لم يفعل اكثر من محاولة تجديد دمائها. اما ان الناصرية تحتاج الى تجديد. فهذا صحيح وسيظل كذلك على الدوام لأنه حكم التاريخ, اما ان ما فعله نجيب محفوظ سيجدد دماء الناصرية فهو امر غير مفهوم. فلا اظن ان تجديد الناصرية يمكن ان يكون باقرار ان تأميم القناة كان خطأ, وان حرب 56 كانت مأساة, وأن حرب الاستنزاف كلام فارغ!! تجديد الدماء لا يتم بالدم الفاسد الذي يلوث كل شيء نبيل في هذا الوطن!