ليس هناك سبب يدفع الى الاعتقاد بأن عملية السلام سوف تتحرك من تلقاء نفسها, فالأشياء لا تندفع الى الامام او الى الخلف الا بفعل قوة داخلية أو خارجية . هذه القوة في عملية السلام ليست هي الولايات المتحدة كما يعتقد على نطاق واسع. انها ببساطة الارادة والقناعة المتمثلة في رغبة الشعبين العربي والاسرائيلي في التعايش المشترك. هذه الرغبة ليست موجودة حاليا للأسف ولا توجد في المدى القريب. ولذلك أسباب عديدة, يتداخل فيها الماضي والحاضر, كما تتداخل فيها السياسة والدين والتاريخ والجغرافيا. ومجموع هذه الأسباب يشكل قوة, لكنها حاليا قوة سالبة, تدفع الأشياء نحو الخلف باستمرار وتحول دون التقدم الى الامام. هل يعني هذا الكلام اننا نبرئ ساحة الولايات المتحدة من اخفاقاتها وفشلها في ايصال العملية السلمية الى نهايتها الطبيعية؟ بالطبع كلا. فواشنطن مسؤولة على الاقل عن عدم الالتزام بجانب الرعاية والوساطة النزيهة, لكن من الخطأ كذلك تحميل العامل الأمريكي أكثر مما يحتمل. فالولايات المتحدة كدولة لا يتجاوز عمرها المائتي سنة سوى بقليل, فيما اهتماماتها الفعلية بالشرق الاوسط لا تزيد على نصف قرن. وتوجد دول اخرى اقدم واكثر دراية في التعامل مع قضايا المنطقة, قد تكون بريطانيا احداها وأهمها. مانريد قوله في هذا الصدد هو ان عوامل الحل بالنسبة للمشكل اليهودي العربي وتداعياته على الصعيدين الفلسطيني والعربي, انما توجد داخل المنطقة. ومن العبث البحث عنها خارجها او خارج التاريخ والجغرافيا والثقافة. ماذا يعني هذا الكلام؟ انه يعني ان البحث عن حلول للمشاكل السياسية الراهنة يكمن في تاريخ الشعبين اليهودي والعربي, وهو تاريخ بقدر ماهو مشترك فان ساحته الرئيسية لم تكن في أوروبا أو أمريكا, وانما في هذه الارض. هناك كلام يدور عن ان اصل قسم من يهود اسرائيل, ليس شرق اوسطيا. وان هؤلاء هم من الخزر وهي قبيلة عاشت في منطقة القوقاز قبل قرون, وقد تحول ملكها الى اليهودية. ومن هناك هاجر هؤلاء الى اوروبا الشرقية, الموطن الذي جاء منه معظم اليهود المهاجرين الى فلسطين في بدايات القرن. وهذا الكلام قد يكون صحيحا وقد لا يكون. غير ان ما يعنينا هو التجربة المشتركة للشعبين العربي واليهودي في المنطقة. وهؤلاء كانوا حتى وقت قريب يعيشون في معظم المجتمعات العربية دونما مشكلة أو عقدة. وهم فعلوا ذلك من قبل لقرون طويلة خلت, خلال الدولتين الاموية والعباسية أو في الاندلس فيما بعد. وحتى قبل ذلك وعلى عهد الممالك العربية القديمة كان اليهود موجودين في المنطقة, سواء في اليمن أو في الشام او مصر او العراق. يعود لليهود القدماء (العبرانيين) وكتاباتهم الفضل في حفظ الكثير من تاريخ العرب وتاريخ شعوب الشرق الاوسط القديمة الاخرى. كما ان كثيرا من اليهود لعبوا دورا بارزا في الترجمة وشكلوا وسيطا حيا بين الثقافة العربية والثقافات الاخرى. بكلام آخر ليس في تاريخ المنطقة ما يؤكد أو يدعم فرضية التناقض والتناحر بين اليهود والعرب كقوميتين. ولم يظهر هذا التناقض الا في العصر الحديث مع تبني القسم الاكبر من اليهود للعقيدة الصهيونية وانشاء دولة اسرائيل بالقوة والاغتصاب. والمؤسف ان السلطات العربية تعاملت بقدر كبير من عدم الحكمة حين قامت بتهجير الكثير من مواطنيها اليهود واجبرتهم على الرحيل الى اسرائيل دونما ذنب. والخلاصة هي ان استخدام التاريخ المشترك (وفيه العديد من الايجابيات) كنقطة انطلاق لحل الكثير من مشكلات الحاضر, فضلا عن الاعتراف المتبادل بالاخطاء حيثما وجدت. هذا المنحى يمكنه ان يساعد في ايجاد ارضية حقيقية وافضل لحل النزاع العربي الاسرائيلي, وبالتالي ضمان امكانية العيش المشترك بين الشعبين. * كاتب وصحافي بحريني