اكثر مايعذبني في حب هذا الوطن انني اريد ان احبه اكثر..واكثر مايضايقني في حواسي الخمس انها بقيت خمسا.. فوطن احبه الى حد الجنون يحتاج الى حواس واحاسيس اضافية . ومهما اوجعنا واشقانا هذا الوطن فنحن نذوب في هواه.. ومهما فشل في التفرقة بين من يعشقه ومن يخدعه بين من يؤمن به ويتآمر عليه فنحن لا نحتمل ان تجرحه نسمة من العليل الطائر.. لذلك احسست في ذلك الصباح القريب ان الكلمات والارقام التي اقرأها هي سيوف من نار تحترق عقلي وترفع ضغط دمي وتشعرني بالخوف والقلق ان يفوت هذا الوطن القطار وتعلق عليه لافتة للايجار. انها دراسة طازجة تحت النشر عن خريطة العلم والعلماء في اسرائيل والعالم العربي رسمها بعين طائر الدكتور نادر فرجاني ليعطي بعدا خطيرا في صراعنا (الحضاري) الضاري مع اسرائيل ان العلم هو الزاهد, العابد, المتصوف الاعظم في محراب العقل... حيث لامكان لعبادة الاصنام والخرافة.. ولا مجاذيب ولا تنجيم ولا فهلوة فالعلم والعقل خرجا من نفس الرحم وشربا من نفس النهر.. حتى اصبحا حبتي قمح تتعلقان في سنبلة واحدة هي المستقبل. وقد صنعت هذا المعنى تعليقا على المولد الذي نصبناه للدكتور احمد زويل واطلقنا فيه الالعاب النارية والحفلات الاعلامية وحلقات (الذكر) (الدعائية) وقد طالبت بأن لانخرج من (المولد بلا حمص) بعد ان خمدت ايقاعات الزار... وانطفأت الانوار وقد فوجئت بسيل من التعليقيات بعضها يرفع الدكتور احمد زويل الى مرتبة المعجزات وبعضها يلقي به الى المنحدرات فالجائزة التي حصل عليها جائزة محلية لا ترقى قيمتها الى ضجتنا العائلية وقد حصل على افضل منها في اسرائيل التي عمل في افضل معاهدها العلمية (معهد وايزمان) لمدة تقترب من السنة واتيح له ان يكون المتحدث المصري الثاني في الكنيست بعد انور السادات, اما ابحاثه عن الليزر فهي ابحاث تخدم التكنولوجيا العسكرية الامريكية التي قد يكون اهله واصحابه في العالم العربي هم اول ضحاياه. وقد وجدتني اتجاوز هذه الحرب الاهلية المكتومة فقد عاد الدكتور احمد زويل بعد ان اسعد الناس قليلا في وطنه القديم والى معمله وابحاثه وتجاربه وفي وطنه الجديد الاخير. لكن توقفت عند دراسة الدكتور نادر فرجاني التي جاءت في وقتها تماما فالمولد انفض وهناك رغبة حقيقية اشتعلت لازالة الكلفة بين العلم والمجتمع, وهناك ضمير انتفض يدعونا للتعبير والتفكير في التغيير... تغيير نظرتنا للبحث العلمي وللعلماء حتى لانكون فريسة سهلة للاقدار وحتى يأتي علينا زمن تصبح فيه القاعدة العلمية احد اقاليم هذا الوطن. في كل سطر من سطور دراسة الدكتور نادر فرجاني سيف من نار فعلا فالامية في العالم العربي لاتزال حتى عام 1997 حوالي 45% بينما لاتزيد في اسرائيل على 5% فقط وهو مايعني ان العرب سيدخلون القرن الواحد والعشرين بحوالي 70 مليون امي غالبيتهم من النساء سيدخلونه بعيدا عن النور في حالة من العمى المزمن الذي يولد الخرافة والبطالة التعنت والتعصب ويسد كل ثقوب التفاهم في لغة التخاطب مع العالم الذي يتساقط في حولنا اجزاء على رؤوس الاغبياء. ونصيب الانسان العربي من التعليم لايزيد على 340 دولارا بينما يرتفع الرقم في اسرائيل الى 2500 دولار ويقفز في البلدان المصنعة الى 6500 دولار نحن لانعاني من ضعف الكم فقط وانما نعاني من انهيار الكيف ايضا فلايزال التعليم في بلادنا العربية يعاني من تحصيل المعرفة والميل الى الحفظ وتجنب قدرات التحليل والابتكار ومن ثم يخرج الى الحياة من يتصور ان النوبة جزء من افريقيا الوسطى, وان الامام محمد عبده مطرب سعودي وان محمد نجيب اسم منتج سينمائي وهو ما نصفه بأمية المتعلمين, كذلك فأن هناك طلاقا مبكرا بين الشهادة والمهنة وهو ما جعل الناس تؤمن بان الحياة مدرسة اهم من اي مدرسة وهو مايعني ان الانسان عليه ان يبدأ من الصفر دائما دون ان يستفيد بخبرات من سبقوه وهذه ابرز سمات التخلف.. البداية دائما على صفحة بيضاء. وفي اسرائيل منذ عام 1993 في تنفيذ خطة لتوفير جهاز كمبيوتر لكل روضة اطفال تتصل به وحدة (طرفية) لكل 10 اطفال في المدارس وفي خلال ثلاث سنوات نفذوا ربع الخطة التي ستكتمل في عام 2005 ولو اراد العرب تنفيذ هذه الخطة فان عليهم توفير ستة ملايين جهاز بمعدل مليون سنويا وهو مايحتاج مليار دولار ولا نتصور ان المبلغ كبير خاصة اذا اخذناه من ميزانية استيراد السلاح.. وهي ميزانية مفزعة في غياب وجود عدو حقيقي وفي ظل الاعلان الذي وصل الى مرتبة الايمان بان لاحرب اخرى بين العرب واسرائيل.. ان العرب يستوردون نصف نصيب دول العالم الثالث من السلاح وفي الفترة بين 1986 و 1994 زاد الانفاق العسكري لست عشرة دولة عربية على 300 مليار دولار سنويا وهو مايعني ان مبلغ المليار دولار الذي نحتاجه ليصبح تلاميذنا على مستوى تلاميذ اسرائيل في الكمبيوتر مجرد حبات فول سوداني. ومنذ منتصف التسعينات زاد انفاق العرب على البحث العلمي بحوالي النصف.. ورغم ذلك فان هذا الانفاق لايزيد على 2% وهو سبع المتوسط العالمي 1.4% وبالمقابل يرتفع المؤشر في اسرائيل عن المتوسط العالمي الى اعلى من 2% اي اكثر من عشرة امثال العرب. واذا اخذنا في الاعتبار التفاوت في عدد السكان وفي حجم الناتج السنوي لاتسعت الفجوة بين العرب واسرائيل في الانفاق على البحث العلمي الى اكثر من 30 مثلا وهذه المقارنة تقتصر على الابحاث المدنية فلو اضفنا الانفاق على الابحاث العسكرية لتحولت الفجوة الى هاوية. ويزيد عدد العلماء في الدول العربية على خمسة امثال عدد العلماء في اسرائيل, ولكن بالمقارنة بين عدد السكان تصبح اسرائيل اغنى.. ان في العالم العربي ثلث عالم او باحث لكل الف من السكان وهو نصف المتوسط العالمي (0.8 في الاف) وعشر المستوى في اسرائيل وهو 318 في الالف. ولا جدال ان يهود الشتات هم رصيد خارجي لاسرائيل يتميزون بمستوي التأهيل العلمي الراقي في الدول التي يعيشون فيها مثل الولايات المتحدة الامريكية حيث تطور البحث العلمي واستقر وحسم الخلاف بين المعامل والمصانع وقد وفد الى اسرائيل من الاتحاد السوفييتي ( قبل تهشمه) منذ عام 1989 وحتى نهاية عام 1997 حوالي 700 الف يهودي منهم اكثر من 70 الفا من المهندسين والعلماء وقرابة 20 الفا من الاطباء والفنانين ومايقارب 40 الفا من المدرسين.. والاهم ان بعضا من هؤلاء المهاجرين حمل معه خبرات واسرارا من اكثر فروع البحث العلمي تقدما في الوطن الام مثل الذرة والليزر, والفضاء, لذلك ليس مستغربا ان تصدر اسرائيل تكنولوجيا بمليار دولار سنويا.. وان تصنع بنفسها الاقمار الصناعية. ولا تشتريها (تسليم مفتاح) وان تطور قنابلها النووية لتصبح قنابل استراتيجية هي التي توصف بانها قنابل (نظيفة) اي التي يمكن ان تلقيها اسرائيل على منطقة عربية دون ان يمتد اشعاعها النووي اليها. والاخطر من ذلك كله ان اسرائيل لم تنظف من رأسها فكرة الحرب والهيمنة والسيطرة بالقوة انها تسعى بكل اللغات لغة السلاح ولغة التكنولوجيا ولغة البحث المتطور وهي تجلس على مائدة المفاوضات وفي يدها هذه الكروت الرابحة وهذا هو سر غطرستها وتعسفها واصرارها على سكب القهوة على المفاوضين وعلى المعاهدات لتصبح اكثر سوادا! واحدث مؤشر للقياس العلمي الآن هو عدد وصلات شبكات الانترنت فهو مؤشر يعكس التعامل المباشر بين الانسان العادي وتكنولوجيا العصر. وقد زاد عدد وصلات الانترنت في الشرق الاوسط في مطلع عام 1998 عبر نصف مليون وصلة: نصفها في اسرائيل ويعني ذلك ان تفوق اسرائيل في هذا المعيار, نسبة الى عدد السكان يصل الى 50 مثلا اي اعلى 5 مرات من مستوى التفوق النسبي في العلماء., والاهم من الانترنت مجالات استعماله فنحن في كثير من الاحيان نستعمله في العاب الفيديو والتسلية وتبادل النكات وتفريغ الكبت والترويج للصور العارية وقراءة الطالع وتبادل خبرات الارهاب و(ليلة الدخلة) ان اهم من منجرات العلم العقلية التي تستخدمها ويتخذ من النشر العلمي معيارا هاما على تطور البحث العلمي.. ووفقا لدليل النشرالعلمي يتدنى نصيب البلدان العربية في عام 1995 لاقل من سدس ماهو متوقع منهم في حين يرتفع نصيب اسرائيل من النشر العلمي الى عشرة اضعاف ماهو متوقع منها وهنا يتعدى التفوق النسبي لاسرائيل عن العرب السبعين مثلا. اننا لانبغي من هذه المقارنة جلد انفسنا بمزيد من السياط ولاتحويل اسرائيل الى (عجل ذهبي) نعبدها في حالة الكفر بالذات.. وانما نريد ان نقاوم ونغضب ونثور على كل ماصنعته يدانا.. ولن يخرجنا من هذا اليم.. سوانا وعندما نتغلغل في ادعاء هذه الحقائق فذلك لان العالم يعلنون ان الانسان العربي لايزال مفقودا حتى اشعار اخر واننا في سباق الدنيا المجنون نحو الآفاق البعيدة نركب خيولا خشبية نهتز عليها بعنف دون ان تتحرك من مكانها. واهم من النشر العلمي تسجيل براءات الاختراع وحسب مكتب العلامات التجارية الامريكي فان العرب سجلوا في عام 1997, 24 اختراعا بما يقابل اختراع واحد لكل 10 ملايين نسمة, اما في اسرائيل فقد سجلوا 577 اختراعا بواقع 1020 اختراعا لكل 10 ملايين نسمة, وهو مايزيد عن الالف ضعف في العالم العربي ولم يتفوق على اسرائيل سوى الولايات المتحدة الامريكية واليابان وسويسرا وتايوان وبعد اسرائيل جاءت كوريا الجنوبية وبريطانيا وفرنسا والمانيا. ان هذه المؤشرات تعني ان تفوق اسرائيل علينا علميا تجاوز تفوقها علينا اقتصاديا ففي الاقتصاد سبعة امثال وفي العلم والتكنولوجيا اكثر من الف مرة فالعلم في البداية قاعدة يقوم عليها اي بناء من غزو الفضاء الى انتاج نوع من الباذنجان اكثر ثراء بالحديد. والفرق بين رأس الانسان وثمرة الباذنجان هو العقل.. بيت العلم ومخزن الخبرة.. ومستودع المعرفة ولو فقد الانسان ذلك فلا مفر ان يصبح في النهاية طبق (مسقعة) وتهبط دراسة الدكتور نادر فرجاني بالباراشوت على مصر لتقترب اكثر من الارض في دولة كبرى في المنطقة عرفت البحث العلمي منذ عام 1939 حينما انشأت مركز (فؤاد الاول للبحوث) الذي اصبح فيما بعد (المركز القومي للبحوث) ويضم المركز 62 قسما في مجالات العلوم المختلفة ويقدر عدد العاملين فيه في عام 1995 بحوالي 2200 باحث منهم 1200 من حاملي الدكتوراه لكن اكثر منهم (اي حوالي 2500) موظفون ومن ثم تبتلع المرتبات ثلاثة ارباع الميزانية وتبقى الفتات للاجهزة والبحوث تتقاتل عليها هذه الجيوش من العلماء وتكون النتيجة اشياء ناقصة لاقيمة لها مثل نصف جملة وربما مثل نصف كلمة ومن ثم يصبح البحث العلمي تهتهة علمية. ولذلك فالمشكلة ليست في نقص المؤسسات بل في كثرتها مع فقرها وقلة كفاءتها وعلى هذا فقد آن الاوان لاعمال قدر من (التدمير الاخلاقي) على طريقة انسف حمامك القديم) . ولكن قبل النسف والبناء من جديد يجب ان لانستسهل استيراد التكنولوجيا ولا نجتهد في التوصل اليها مع اننا قادرون على ذلك لقد طارت في سماء القاهرة في مطلع 1967 طائرة هندية بسرعة تفوق سرعة الصوت بمحرك مصري.. ولم تكن صناعة الصواريخ المصرية في ذلك الوقت تستحق السخرية المتعمدة التي عاملناها بها فقد كانت صناعة مبشرة والا لماذا قامت المخابرات الاسرائيلية بارسال الطرود المتفجرة للعلماء الالمان الذين كانوا يشاركون فيها في ذلك الوقت حتى توقفت هي وصناعة الطائرات في نهاية عام 1967 بقرار كان المستفيد منه الاسرائيليون وتجار السلاح.. ولسنا في حاجة لفتح الجراح بالمقارنة بما توصلت اليه الهند التي بدأنا معها بعد 30 سنة من هذا القرار التعس... لقد فجرت الهند قنبلة نووية وصنعت صواريخا عابرة للقارات وكفت عن استيراد الطائرات. والحقيقة انه لا يقوم تطور في البحث العلمي والتكنولوجيا بعيدا عن الصناعة.. فالعلماء لا يعملون منهم إلى السماء.. ولا يلعبون لعبة العلم من أجل عيون العلم.. وقد نجح العلماء المصريون في تطوير ماكينات صناعة السكر عندنا, ولكن في الوقت نفسه عكس القلق النفسي السائد في كثير من المصانع والشركات بسبب الخصخصة نفسه على مجالات التطوير فكيف يمكن ان تطور هذه المنشآت نفسها وهي لا تعرف بعد مصيرها؟ وهناك أدلة على ذلك منها ان مكتب التصميم بترسانة الأسكندرية البحرية والذي كان قوامه 200 مهندس وعالم, وقد صفي وان نسبة التصنيع المحلي صارت 2% بعد ان كانت 90% تقريبا. ان الاستسهال في الاستيراد عن التصنيع لا يكلف بلدا ناميا مثل مصر مالا تقدر عليه فقط وإنما يدمر قدرتها العلمية والبحثية والتكنولوجيا أيضا, انه استسهال مدمر يتسبب في بطالة العلماء والعمال, والأخطر من ذلك تجعل الحديث عن ثقافة العلم والتكنولوجيا مجرد حديث في الغرف الأكاديمية المغلقة, التي لن يكون لها فائدة سوى التباهي والتفاخر و (النفخة) الكذابة. ولابد من الاعتراف بأن المؤسسات العلمية اليهودية قامت من فلسطين قبل قيام دولة اسرائيل فقد انشئ (التكنيون) أو معهد اسرائيل للتكنولوجيا في فبراير عام 1925 أي قبل 23 سنة من اعلان الدولة التي كانت أول رئيس لها عالم بارز في الكيمياء هو حاييم وايزمان, وكان ألبرت اينشتاين مرشحا لهذا المنصب لكنه اعتذر, ووعد بمساعدة اليهود بعلمه لا بجلوسه في منصب شرفي على قمة السلطة. ان أفضل نتيجة للاحتفاء بالدكتور أحمد زويل فتح ملفات البحث العلمي والتكنولوجيا في بلادنا, وحتى لو تأخرنا خمسين عاما أو خمسين قرنا فانه توجد دائما بداية جديدة , وصفارة الطلاق جديدة.. صحيح اننا نجلس في مقاعدنا ولكن صحيح أيضا ان أفخاذنا وأفكارنا لم تتقيح بعد, ولم يصر لحم ظهورنا جزءا من الجدار بعد على أن الأهم هو ان نرفض الدور المرسوم لنا.. دور العزف على المزمار في انتظار القطار, دور من لا يتغير وينتظر الحليب والعسل بلا عمل . وقد بدأت مشوار احترام العلم والعلماء بنفسي, فكل دوري في هذا المجال هو ان انقل كلمة الخبراء, والكلمة هنا دراسة جادة ومحترمة لم تنشر بعد للدكتور نادر فرجاني, فكل الانحناء والتقدير له.