بعد الفتوى البائسة في عام 97 بتحريم (الدش) , ووجوب التخلص منه تكسيرا وتحطيماً, تلقينا مؤخرا منشورا يحمل أبرز فتاوي عام 98, هي أشد بؤساً من سابقتها. وتقضي بتحريم (تعاطي) أو استخدام شبكة الانترنت, باعتبار مفاسدها العظيمة ! والغريب ان هذه الفتوى صدرت في وقت تشتد فيه سهام التشكيك والتحريف المستهدفة بالاسلام وأهله. وهي سهام الحملة التي يقودها بعض المتعصبين من غير المسلمين حيث تجلت تلك الحملة في اختلاق السور ونسبتها الى القرآن الكريم. ويمكن تحليل الفتوى الأخيرة, بشأن الانترنت, وبشكل مبدئي, على أنها تمثل اتجاها غريبا, يتصف بضحالة ثقافية واضحة, وتخلف علمي مشين, فضلاً عن الوعي الفكري المفقود, والمؤكد كذلك, انها صدرت عن قوم لا يعرفون شكل جهاز الكمبيوتر, ولايدركون امكاناته وفوائده, فضلا عن معرفة الانترنت وتسهيلاتها ولا ريب كذلك, أن هذه الفتوى (الارتجالية) قد صدرت وكعادة أولئك القوم المتسرعين بناء على سماع أحدهم شخصيا يعدد عيوب الانترنت وشرورها, ولا يذكرها بأي خير. وهذه الفتوى ــ بلا شك ــ دليل على العجز الظاهر عن التعامل مع معطيات التكنولوجيا المعاصرة وفوائدها الهائلة, وتمثل فضيحة ثقافية يجب التبرؤ منها. وهي في موقفها من الانترنت تتجاوز ما أشرت اليه في مقالة سابقة (4/7/98), الى الموقف المقاطع للشركة التي تبث المواد والنصوص المحرفة, حيث ذكرت أنه.. مع التقدير لدعوة المقاطعة ــ إلاّ أنّ أثر المقاطعة سيظل محدودا, وفاعليتها تكون ضعيفة, وذلك بسبب عالمية الشبكة وانتشارها الواسع, والتزايد الهائل في أعداد المشتركين فيها بالاضافة الى صعوبة التحكم في منع الاطلاع على المعلومات التي تبثها. والحقيقة أني لم أكن اتوقع أن يقدم بعض (كبار علمائنا) بفتواهم الأخيرة هذه الخدمة المجانية الكبرى للمتربصين بالاسلام وأهله. حيث إن حقيقة هذه الفتوى تدعو الى الانهزام, وتشجع الخذلان والتراجع عن التصدي لحملة العدوان تلك. كما تعني اخلاء الساحة تماما لمواد تلك الحملة كي تجد طريقها ــ دون مقاومة ــ الى فكر المسلمين وغيرهم من الباحثين المرتادين للشبكة وعلى الرغم من ان تلك الفتوى تحمل تلك الدعوة الغريبة, ولا تعكس موقف الجهات المعتبرة في شؤون الافتاء, فإنه لا ينبغي إهمال أثرها وخطرها, فهي صادرة ــ كما ذكرت ــ عن بعض كبار العلماء الذين ما زالت لهم صورة لها تقديرها لدى الكثيرين, وما زالت لهم كذلك قدرة على التأثير والتوجيه في أوساط العوام ومتبني الثقافة (الحرفية) . لذا كان من الضروري التنبيه على ذلك, ثم البحث عن صوت عاقل تبثه مؤسسات أو أفراد يقومون بدور معين في تصحيح المفاهيم أولا, والمبادرة بالدعوة ثانية. المؤسسات الاسلامية: تقصير أم قصور؟ بعد كل أزمة فكرية, أو محنة ثقافية, تتوجه أنظار الجماهير الى بعض المؤسسات الاسلامية مثل الازهر الشريف, ومنظمة المؤتمر الاسلامي, والمجامع المنبثقة عنها وغيرها. وذلك لتتحمل الدوائر المعنية في تلك المؤسسات مسؤولياتها في شأن حماية مبادىء الثقافة الاسلامية واصولها من الانتهاك ويكون ذلك بحثا ودراسة ونشرا. ولاشك ان المؤسسات التي تقدم ذكرها, وفي اطار امكاناتها وقدراتها, قامت ومنذ تأسيسها بجهود يجب التنويه بها في هذ السياق. غير أن هجمة الانترنت الأخيرة قد كشفت عن خلل كبير لدى مؤسسات العمل الاسلامي, هو انعكاس للشأن الاسلامي العام. حيث يبرز عدم وضوح الرؤية في الاستراتيجيات والاهداف, ومن حيث التخلف التقني الذي تعاني منه أجهزة تلك المؤسسات واداراتها, فضلا عن تواضع مستوى العاملين فيها في مجالات التقنيات الحديثة واستخداماتها. وقد انعكس آثار كل ذلك علي كيفية معالجة مشكلة بحجم حملة الانترنت سالفة الذكر. حتى ان مسؤولا كبيرا في احدى تلك المؤسسات العريقة صرّح بأن مؤسستة بدأت تدرس مؤخرا إنشاء موقع على شبكة الانترنت يقدم معلومات صحيحة عن الاسلام! هذا في الوقت الذي تحفل به الشبكة ذاتها, ومن خلال مصادر أخرى غير اسلامية, بل ومشبوهة, بمعلومات خاطئة وخطيرة في الموضوع نفسه. ومع تقصير المؤسسات الاسلامية الكبرى في استخدام هذه التقنية الحديثة كوسيلة هامة في الدعوة, نجد جهودا حثيثة يقوم بها افراد متطوعون لإنشاء مواقع على الشبكة تبث مواد ونصوصا لعلماء ومفكرين بارزين. الأمر الذي يدعونا الى القول ببطلان فتوى تحريم الانترنت! الانترنت: مجال للخير كبير في هذا السياق, سأحاول اثبات أمرين. أولهما: اثبات مبدأ الفائدة الذي يحققه الانترنت. والثاني: الاشارة الى تطبيق عملي من خلال نموذج متاح بشبكة الانترنت. اما اثبات المبدأ, فسأرجع بالذاكرة قليلا الى الوراء حيث عقد منذ عامين مؤتمر دعا اليه مركز أوكسفورد للدراسات الاسلامية. وكان في اطار محاولته مد جسور التفاهم بين الغرب والعالم الاسلامي. وهو المركز الذي يرأسه ولي العهد البريطاني الامير تشارلز. اهتم المؤتمر بتأثير ثورة الاتصال الراهنة من الفيديو والكاسيت الى الاقمار الصناعية والانترنت على واقع المسلمين وفكرهم. وكتب بعد المؤتمر الاستاذ فهمي هويدي مقالة عن (هجرة المسلمين الى الانترنت) واشار الى بحث هام, عرض الرؤية الاسلامية للموضوع, كان صاحبه الدكتور علي مزروعي, مدير مركز دراسات الثقافات العالمية بجامعة بنجهامبتون الامريكية وطرح الدكتور على مزروعي التساؤل التالي: هل الاسلام يصادق الانترنت أم يعاديه؟ وأجاب: اننا نتحدث عن علاقة الاسلام والمسلمين بالثورة الصناعية الثالثة التي هي ثورة المعلومات, ومن الشائع انها تأتي لاحقة في الترتيب بعد الثورة الزراعية وثورة التقنيات الصناعية التي لاحت في القرن التاسع عشر لكن هناك مفهوما آخر اضيق , لهذه الثورة الثالثة, طبقاً لذلك المفهوم فإن الثورة الصناعية الأولى هي التي حدثت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, وكانت ثورة تقنيات الانتاج (المحركات والمصانع والبروليتاريا الصاعدة) . اما الثورة الصناعية الثانية فهي ثورة تقنيات التوزيع والاستبدال التي عولمت التجارة. من خلال نظام عالمي تحويلي أو توسع أوروبي استعماري اما الثورة الثالثة فموضوعها المعلومات والمعارف, أو ما يمكن أن يطلق عليه (أوتوستراد المعلومات السريع) . في ظل هذه الثورة الثالثة لم تعد القوة تقاس بمقدار ماتملك, وانما بمقدار ماتعرف, حتى أصبحت المعرفة والمهارة سلاحا اكثر فعالية من قوة الدخل وتأثير المال. وبعد ذلك انتقل الدكتور مزروعي الى الحديث عن موقف الاسلام من ثورة المعلومات, وعن التأثير الذي يمكن ان تحدثه في افكار المسلمين ودافعهم, مشيرا الى خلفية اوروبا المسيحية وتأثرها بالثورة الصناعية الاولى, مع مقارنة بين الواقع الاسلامي الراهن والمسيحية الاوروبية في ذلك الوقت ومانتج عن ذلك من ظهور الحركات الاصلاحية المنبثقة عن المسيحية وأثرها في النظريات والافكار التي خرجت هناك, وتحديدا الرأسمالية وعلاقتها بالبروتستانتية, وانتهى الى تساؤل آخر هو: هل يمكن ان يحدث شيء من هذا القبيل في الاسلام, فتؤدي ثورة المعلومات مثلا الى فتح ابواب الاجتهاد على مصارعها, أو تنتج في النهاية مذاهب اسلامية جديدة في القرن الواحد والعشرين؟ عند الاجابة عن ذلك اشار الى أمرين هما: ــ ان ثورة المعلومات يمكن ان تساعد الاسلام على تحقيق بعض اهدافه المبكرة على نحو أكثر فعالية, ذلك ان الحدود الوطنية أو السيادة القومية تعد من ضحايا ثورة المعلومات, فالأقمار الصناعية وشبكات الانترنت لم تعد تعترف بتلك الحدود, والاسلام يطمح الى شيء من ذلك القبيل. والامر الآخر فإنه اذا كان اختزال المسافات هو احد خصائص ثورة الاتصال والمعلومات, فإن في الاسلام ثلاث مدن مقدسة تعبر عن فكرة اختزال المسافات في مستويات مختلفة, فالمدينة المنورة التي كانت هدفا لهجرة النبي عليه الصلاة والسلام من مكة, كانت تعبيرا عن اختزال المسافة بين الجاهلية والاسلام, حيث اقيمت فيها الدولة التي كانت آنذاك رمزاً لتلك النقلة, اما مكة فقد عبرت في جوانب أخرى عن الاختزال الازلي للمسافة اذ يتوجه اليها كل يوم ملايين المسلمين. القدس رمز آخر لاختزال المسافات في الايمان الاسلامي, ذلك ان المسلمين يؤمنون بقصة الاسراء والمعراج التي سار فيها النبي عليه الصلاة والسلام من مكة الى القدس في ليلة واحدة, وانتقل من الارض الى السماء في الليلة ذاتها, وأثناء تواجده في السماء فإنه تحدث الى الانبياء وصولاً الى آدم في نفس الليلة, ثم عاد النبي عليه الصلاة والسلام الى مكة قبل شروق الشمس, مخترقا بذلك على الاقل ثلاثة حواجز صوتية حيث تم اختزال المسافة بين مكة والقدس, وبين الارض والسماوات العلا, وبين الماضي والحاضر. والامر كذلك, فانه يمكن القول ان الاسلام قد هيأ المؤمنين لعصر اختزال المسافات وقتلها, بوجه أخص, فإن مسلمي الولايات المتحدة دخلوا بغير تردد إلى العصر المعلوماتي انتهى (هجرة المسلمين الى الانترنت, فهمي هويدي 22/10/1996) بعد هذه الرؤية الاسلامية لثورة المعلومات و(انترنتها) وأهميتها في المشروع الحضاري الاسلامي, والتي قدمها الدكتور علي مزروعي, دعونا ننتقل الى مثال يقدم تراث العلامة الشيخ يوسف القرضاوي وآثاره العلمية في مجال الدراسات الاسلامية على شبكة الانترنت, فمنذ اشهر قليلة دخل موقع القرضاوي على شبكة المعلومات العالمية عامه الثاني, ويحتوي هذا الموقع على كم هائل من أعمال الشيخ القرضاوي ومؤلفاته وكتبه ودروسه ومحاضراته وفتاواه ومشاركته في بحوث ومؤتمرات ومقالات ولقاءات. وقد تميز هذا المشروع بأنه من اوائل المبادرين لاستخدام الشبكة الدولية في نشر الدعوة الاسلامية. وحقق نجاحا كبيرا تمثل في اختيار الموقع كأفضل موقع شخصي على (انترنت) لمدة اربعة اشهر متتالية, وذلك في استفتاء نشرتة مجلة (انترنت وورلد) ويشهد الموقع حاليا تطويرا هاما يتمثل في الاضافات التي تتم عليه, وادخال المؤلفات الاخرى للشيخ فيه, مع امكانية الاستماع الى الدروس الرمضانية التي نظمها الشيخ وبصوته. في نموذج الشيخ القرضاوي ومن قبله رؤية الدكتور علي مزروعي فوائد عديدة, أهما ابطال الفتوى بتحريم الانترنت فهذه الفتوى لاتعتبر شذوذا في القراءة والتقدير فحسب, بل تقدم انطباعاً سيئا ومشوها للفكر الاسلامي ومشروعه الحضاري, الذي نأمل ان يكون للانترنت والامكانات المتاحة في ثورة المعلومات دور هام في اعادة احيائه. * المشرف العام لجامعة زايد